Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

لا تَلوموا غَريقاً يَتَعَلَّق بِقَشَّةٍ.. أو بِجناحِ حُلُم..

علي عقلة عرسان

” إن عسف القوة على الصُّعُد الفردية والجمعية، الخاصة والعامة، الحكومية والدولية، قوة الكبار وقوة التحالفات الكبرى من جهة، وما تنتجه وترعاه وتستثمر فيه من ظلم واستبداد وإرهاب وفساد وإفساد..إن عسف القوة ذاك، يُغيِّبُ العقل والعدل والحرية والمسؤولية والإرادة، ويفتك بالخلق وبالثقافة والحضارة، قولاً وعملاً. وصاحب القوة يتمتع بشهية مفتوحة، فهو يستعد لمَزيد من القوة والتوسع والفتك، لا سيما إذا ما شعر بقوة مضادة تتحرك..”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في بيتي الكبير المُسمَّى وطناً عربياً، أعتز بالانتماء إليه..
أعيش متاهات تفضي الواحدة منها إلى أخرى، ولا يكاد ينبثق ضوء في نهاية نفق أغوص في ظُلمته، حتى تهجم الظُّلمة على الضوء المُنبثق، وينهال الردم، ويكثُر الوحل، وينطفئ الأمل.. مناحات هنا، واستغاثات هناك، ونساءٌ يرددن “وا معتصماه”، ليسمع صوتهن حكام العصر، ويناشدن قومهن أن يحموهنَّ من الاغتصاب والذل والجوع والقهر.. ولا من يجير المُستجير، ولا من يرحم ذوي الرحم، ولا مَن تحركه الشهامة، ولا من تحركه إنسانية الإنسان.
على أخبار الدّم المُستباح أصحو، وعلى أخباره أنام..قتلٌ هنا، وقصفٌ هناك، وتحت الردم جُثث، والقرى تصيح.. فيكون تهجيرٌ ونهبٌ وتعثير، وتتكاثر مخيمات الإذلال. في هذا الوطن انتهاك لكل ماهو أخلاقي وإنساني ومُقدَّس.. والأفق من سواد إلى سواد، على الرغم من كلام المتفائلين، واحتفال المُحتفلين، وأكاذيب السياسيين.. الفساد كوليرا العصر العربي الراهن، والمُستجدات تزحم لائحة الكوارث، والكوابيس في الوطن الأعز، تُثقِل الصدر وتكسر الظهر. غزة في دائرة الحصار والمِحنة منذ سنوات، والقدس يدنسها الصهاينة، ويعبثُ بمصيرها “عبقري الجنون العنصري دونالد ترامب”، وأرض فلسطين كلها، يفتك بأهلها الصهيوني المُجرم، ذاك المُجرد من الأخلاق والقيم، ويناصره في إرهابه ووحشيته وعدوانيته، الأقوياءُ الكبار، وتتعهد الدولتان الأعظم، بلسان الرئيسين بوتين وترامب، تتعهدان بحماية أمن دولة الإرهاب، وترسيخ احتلال المُحتَل وتوسعه، وتعزيز تفوقه العسكري، وفرض هيمنته على وطن الأمة العربية.. ولا يتردد أولئك الكبار بإعلان احتكارهم لمُقومات الأمن والسلم العالميين، وادعاء حماية الناس، “بنوع من شهامة ذوي الأخلاق والقيم؟!”.
أزمة الأزمات تضغط على الروح في سورية واليمن وليبيا، حيث الحرب المُدمرة هناك تكاد تشل العقل، وتُودي بكل حكمة إلى حضيض الحضيض البشري.. والفتنة تفرد جناحين من نار، وتطير وتمتد طولاً وعرضاً في معظم أرض الأمتين العربية والإسلامية، وتتخمَّر في الأنفس، وتتفشَّى، وتنفخ أكباد العباد على العباد.. ويغذيها المستثمرون فيها، والمستفيدون منها، وسدنةٌ لها “همُ الجهل المُطبق، وفسادُ العقل والضمير المُستشري، والمَقتُ للعدل والحق والحرية، ولكل مُختلف.. والغياب عن نور الإيمان وتقوى الله، والعداء للذات، نهجٌ يرسخه أعداء العروبة والإسلام.. والاستغراق في سوء الفهم للدين/الإسلام، ولمهام الدولة وما يقيم قوامها، وللحرية، والحق.. تمترسٌ سلبي ضيق في خنادق الأمراض الاجتماعية، وهو ذو مخاطر فوق الحدِّ والوصف.. وسوء التقدير والتدبير والتفكير، يحصر الأمة في أشخاص، وينعكس تخلفاً وكوارث على الخلق..
كل ذلك وسواه، وسواه، وسواه.. كوابيس نومي ويقظتي، والمآسيَّ الظاهرة والباطنة الضاغطة حدّ الفتك بالإرادة ونفاد الصبر والقدرة على الاحتمال .. والمآسي الأخرى غامرة مثل ليل شديد السواد يشدُّ حباله إلى رواسي الأرض .. وهي مآسي “وطني، وأمتي، والإنسان في بيئتي “.. ولا مَعدى عن الالتصاق بهذه البيئة، الذات، والانتماء إليها، وحملَها راية، ولا بديل عن الارتماء في شوك الأمة، حيث ترتمي الأمة كلها.. فالإنسان هوية ووجدان وانتماء.. وأنا منها، مثل كثيرين غيري، وإن عصتنا وجفتنا، شأننا شأن دريد بن الصِّمة القائل:
أمَرْتُهُمُ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى فلَمْ يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ إلا ضُحَى الغَدِ
فلمَّا عَصَوْني كنْتُ منهُمْ، وقد أرَى غِوَايَتَهُمْ، وأنَّني غيرُ مُهتَدِ
ومَا أنَا إلا من غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ غَوَيْتُ، وإنْ تَرشُدْ غزَّيَةُ أَرْشُدِ
في وطن الأمة استباحة، وتجارة بالشعب والأرض والمُقدَّس، بالإنسان والقيم والعِمران.. وبعض الساسة يبصرون ويدركون ولا يقدرون، فالقوة ليست بأيديهم، والعصر عصر قوة بالمعنى الشامل للقوة.. وبعضهم تأكلهم شهوة حكم مطلقة، وأنانية مفرطة، ولديهم استعداد لقلب الأمور بما يتلاءم وطموحاتهم ومصالحهم، حتى لو تحول الوطن مقبرة، والشعب إلى القبور.. وبعض الساسة تجار، وبعض التجار حكامٌ وساسة.. وحامي حمى الكثيرين من أولئك هو الاستعمار الجديد، بأشكاله وألوانه وزغلَلاته للنظر تلك التي يصنعها ويبهرجها ويصدّرها بصيغ مناسبة تغري الناظرين إليه وإليها، والآخذين بتمويهه لها، وتقديمها استقلالاً ودفاعاًعن الاستقلال والسيادة والريادة..؟!في وطن الأمة، سوق يتاجر فيه:”الحاكم والمُعارض، الجائر والثائر، الفاسد والمُقامر، السياسي المُبتدئ والسياسي المُهترئ.. كل يتاجر، والبضائع “دماء الأبرياء، ومصالح الوطن والمواطن، ومصائر الأفراد والجماعات، الشعوب والأوطان، وحتى هوية وثقافة ومفاهيم الدين..”.. والتاجر الأكبر سياسي طاغية، هو شيخ السوق وسادنُ القوة، والنَّهاب القتال بالإرهاب وباسم محاربة الإرهاب؟!.. إنه يفتك ويناصر على الفتك، ويخطط له، ويتقاضى الأجر عليه، وعلى القتل والتدمير والإشقاء والتيئيس.. ويحكم من يحميهم ويسلطهم على أوطانهم وشعوبهم، يحكمهم بوسائل شتى، منها أسرار تفوق الحديد والنار، ويأمر فيطاع:”كن.. فيكون”. أمَّا استخدام سلاح الحديد والنار فمكرس لتدمير الشعوب، ولمن يرفض أن تُنتَهكَ الأوطان والشعوب.. ويقيم السياسي الأعلى، “الآمر الناهي، حاكم الحكام”.. سلطات محلية وإقليمية، تستمد شرعيتها من “قواعده العسكرية بأنواعها، ومن قواه الضاربة في البر والبحر والجو والفضاء الخارجي، ومن قدراته المالية الهائلة، ومن أجهزة تنشب أظافرها بمن يعارضها، بأدوات تمتد من وراء البحار إلى أضيق البؤر في مكاتب أصحاب السلطات المعينين، أو المعتمدين…ولاؤلئك الكبار سياسة فتاكة، من وسائلها الدعم والتأييد المزدوج “للساسة في الحكم والمعارضة، وللثوار وأشباه الثوار والمتاجرين بالثورات، وللتجار والسّراق والإرهابيين، والمُتحكمين بقوت الناس”، وهم يستخدمون أدواتهم، أو مرتزقتهم، أو ميليشياتهم، أو شركات الأمن “القتل”ذات الظل الرسمي العالي.. والكل .. الكل يعيث خراباً في وطن الأمة؟!
***
إن عسف القوة على الصُّعُد الفردية والجمعية، الخاصة والعامة، الحكومية والدولية، قوة الكبار وقوة التحالفات الكبرى من جهة، وما تنتجه وترعاه وتستثمر فيه من ظلم واستبداد وإرهاب وفساد وإفساد..إن عسف القوة ذاك، يُغيِّبُ العقل والعدل والحرية والمسؤولية والإرادة، ويفتك بالخلق وبالثقافة والحضارة، قولاً وعملاً. وصاحب القوة يتمتع بشهية مفتوحة، فهو يستعد لمَزيد من القوة والتوسع والفتك، لا سيما إذا ما شعر بقوة مضادة تتحرك.. وهو يتنافس على امتلاك القوة الأكبر حتى مع خياله.. فلا حدود لطموح من هذا النوع.. وصاحب القوة الطَّموح الطَّماع المُستبد، يمنع إيصال الصوت المُضاد له والمقاوِم لعسفه وبطشه وظلمه واستبداده.. إنه يكتم حتى الحَشرجات التي يصدرها المَذبوح بسكينه، ويذبح الكلمات التي تقول:”إنه قاتل، ومُعادٍ للبشر والحياة، ومُفقِرٌ للروح، وهادم للفرح..”. وهو إذ يبطش يكون أعمى القلب، ومجرداً من الحس الإنساني.. إنه يضلِّل ليموه أهدافه، ويخفي ممارساته، ويجمِّل صورته.. ويكذب حين يعلو صوت المَظلومين والمَقهورين، مستنكراً الظلم والقهر، ويشهر أسلحته إذا ذُكِرَ استبدادُه، وأُشير إلى قسوته ووحشيته وطَمعه ونهبه للآخرين، ويبلغ حدَّ التوحُّش في الشراسة إذا قيل له:”أنت لست مالك الناس، ولست واهب الحياة، ولست الله ولا ظلَّه على الأرض..”؟!.. وصاحب القوة الغاشمة، قادرٌ على قلب المَفاهيم والحقائق، وعلى تشويه الواقع وتزوير الوقائع، وعلى إظهار نفسه ضحيَّة وإظهار ضحاياه جلادين، وعلى ملاحقة المستَضعَفين بوصفهم جبارين. ومالك القوة الغاشمة، الأمر الناهي، لا يرى فوق أمره أمراً، ولا يدرك من معاني الحياة، وحقوق الآخرين في الحياة، وزبدة قاموسه:”اقتل، دمِّر، انهب، اسكت،إركع، مُت.. إلى آخر مفردات هذا القاموس.”.؟!
وفي هذا الفضاء العام، السياسي خاصة والاجتماعي عامة، المَشحون بمنطق القوة الجائرة، وأسلحتها، وذرائعها، وأدواتها.. بثقافتها، وإعلامها، وانتهازييها، وبما تفيض به ذُراها وقواعدها من عَنجهية وطيش وبطش، وبما تنشره من إفرازاتها من تلويث للبيئة البشرية.. في هذا الفضاء “مَن الذي يملك، أو يمكن أن يملك، القدرة على إيصال الصوت لمَالك سَطوة ذي قوة بطشٍ وطيش، وذي طموحات بالسيطرة على أوسع بقاع العالم وثرواته وخيراته وأُناسه.. وهو يرتع في تَوهُّمات أوسع من الأحلام مَدى؟!.. ومن ذا الذي يملك القدرة على ردع مَن “يريد تدمير خصومه بأية طريقة، وفرض هيمنته بالحديد والنار.. ولا يهمه أن يشعل العالم ناراً، وأن يقتل الأبرياء صغاراً وكباراً، وأن يفني العمران والحضارة، ويُسعِّر الشَّر بمزيد من الشَّر، وينهب الثروات والممتلكات.. ويسخر الضعفاء والفقراء والمسحورين بصورته وسطوته وماله، ليكونوا وقوداً لنار حقده، وخيولاً لطموحه..؟!.. ومن ذا الذي يملك أن يدافع عن نفسه وعمَّا يخصُّه في هذا المناخ، وهو يُمنَعُ ويقمَع ويُدَمَّر، إذا حَلُمَ مجرَّد حُلُمٍ، بهذا النوع من الأمور؟!لا أظن أن ذلك بمقدور من لا يملك قوة، لأن صدُّ قوة الشرِّ يتطلَّب قوة.. وهذا يعني بين القوى “حروباً تولِّد حروباً، وإنهاكاً دائماً للخلق وإشقاءً لهم، وفتكاً بالضعفاء والأبرياء منهم على الخصوص..؟!
إن سلاسل الموت والمعاناة البشرية، تلك الممتدة قروناً وآلاف سنين، تشير إلى ذلك الواقع الكارثي المُؤلم الذي لم تستطع حتى الرسالات الإلهية، وضع حد لشروره، أو التخفيف من حدّة تلك الشّرور.. هذا ديدن القوة المُجردة من العقل والحكمة والوجدان والقيم والدين.. وهذا الوضع لا يمكِّن الواقع تحت دائرة سلطة القوة الغاشمة وسطوتها، من أن يكفّ عن اللهاث والفزَع، وأن يتوقف ليقرأ إشاراتهاوتعليماتها جيداً.. ليفكر ويتدبَّر ما يمكن أن تتركه مخالفته لهذا الأمر أو ذاك من آثار ماحقة، لا تتوقف عند انتهاك الكرامة، وانتهاك الجَسد، وإراقة الدم.. بل تتعدى ذلك إلى البطش بمن هم على صلة بالمُستَهدَف، الضحية.. أياً كانت درجة تلك الصلة!!فأية خيارات يُوضَع أمامها الإنسان في حياة تحكمها القوة الغاشمة، والسياسات التي تتنكر للأخلاق والقيم وإنسانية الإنسان؟!…
إن القويَّ المُستبد الظالم الطائش الباطش الفاحش، يُعاقب، ويصادر، ويحاصر، وقد يصادر حتى الهواء الذي يتنفسه الإنسان، حيث يراه حاجات زائدة عن الحاجة، أو استثمارات خاصة، و”سرقات”يمارسها أناسٌ أحياء، ولا بدَّ من الاقتصاص منهم..؟!إن البطاشين اليوم، وطغاة هذا العصر، ليسو كمثل البطاشين والطغاة القدماء، فرعون وأمثاله، هولاكوا وأمثاله، وحتى هتلر وأمثاله.. إنهم طغاة نوويون، ومُعْتَمَدون لطغاةٍ نووين، وعمالقة اقتصاد يُفقِرون الدول والشعوب، ويطوِّقون الكرة الأرضية بأطواق من لهب، وينهبون قلب الأرض، وما فوقها، ويستعمرون الكواكب، ويتمترسون في الفضاء، ويفتكون بالناس المُسالمين وهم في عقر دورهم، بل وفي أسرَّتهم؟!..ولكل من أولئك ذرائع بلا ضفاف، وكلها تفتح لهم أبواب التدخل في شؤون الآخرين، باستباحة هي الوقاحة والعدوانية والوحشية.. إنها سوق “السياسة -التجارة”بالدول والشعوب والأفراد، بالمبادئ والسيادة والقضايا والمَصائر والثروات، بالأرواح والدماء والحيوات، بالقيم وبمقومات الحياة، بالبؤس وكل ما يكرس شقاء الإنسان ويبقيه في العبودية.. في عالم “السياسة -التجارة”الفاسد هذا الذي تحكمه قوة متوحشة، ورأسمالية أكثر توحشاً.. وتدخله وتعتمده وتحييه”شيوعية واشتراكية”أيضاً، تنقلب السياسات من فن خدمة الإنسان وبناء الحضارة، إلى الفتك بالإنسان وتدمير الحضارة.. ومن حل الصراعات والخلافات بالحكمة وروح المسؤولية عن السلم والأمن، إلى إلى خوض الحروب بالحديد والنار، وتدمير أمن البلدان والشعوب وإقصاء منطق السلم لصالح منطق الحرب؟!.. وكل ذلك أو معظمه، بسبب سيطرة مجانين القوة، على مقاليد البشر!..
ها هم أولاء قد فتحوا صفحات جديدة من حروب القوة وتنافسها، فحلف شمال الأطلسي رفع قيمة الإنفاق العسكري إلى طموح ٤٪ من الدخل القومي لأعضائه، وروسيا الاتحادية رصدت مئات مليارات الدولارات للتسلح، أمّا “التاجر المُقامر دونالد ترامب”، فقد خصص أكثر من سبعمئة مليار دولار للتسلح خلال عام واحد، وبدأ تأسيس قوة في الفضاء، وحرباً تجارية -اقتصادية، من أنيابها العقوبات العزيزة على قلبه.. والصين ليست خارج هذا السباق، ولا تستطيع أن تكون خارج فضاء يُراد له أن يغلِّف العالم أو يحكمه، فلابُدَّ من أن تكون شريكاً فيه.. وهذا شأن الاتحاد الأوروبي، ودولٍ أخرى مثل الهند وإيران وكوريا الشمالية والبرازيل، و.. و.. وكذلك الأحلاف والتجمعات الدولية الرئيسة.. الكل يلعب لعبة القوة، وفق مستويات وأوضاع وضرورات.. فهناك من يلعبها ضد شعبه، ومن يلعبها ضدَّ بلدان وشعوب، أو ضد دول عُظمى وتحالفات عُظمى.. والكل في الميدان.. في ظل الأقوياء العالميين المسيطرين.. وهكذا يرتفع قانون القوة، أي “قانون الجنون”، ويهبط قانون الإنسان والعقل المَغبون، في معظم بقاع أرض البشر، إن لم يكن فيها كلها.
نحن في عالم القوة العَمياء، عالم تتنازعه العنصرية والغوغائية والوحشية والفوضى، الأقليات والأكثريات، الأديان والأيدلوجيات.. عالم فيه الإنسان الحق سلعة أو طريدة، يلاحقه صيادون ليس في قلوبهم رحمة، ولا يفرقون بين الإنسان والحيوان، وقلوبهم تنضح بماء عفنٍ فاسد، وعقولهم أرحامٌ تتوالد فيها رؤى ضحلة، وأنواع من فيروسات الإجرام.. عالمٍ منفوخ بالعدوان والفتن والكراهية والأطماع والأحقاد والشر، مسكون بالكذب والخداع والتناقضات والادعاءات، منذور للشرِّ والشقاء والإشقاء، ومُنْذَرٌبالتحولات الكارثية..يتوسد رعباً ودماً، ويغط في الهمِّ والغمِّ والوهم، وينام بين ركام حطام ذاته وحطام عمرانه.. نسير على أقدامنا، ونخال أننانمشي على رؤوسنا.. وحين نتيقَّن من أننانمشي على أقدامنا، تضيع رؤوسنا في الزَّحمة، ونفقد القدرة على الإبصار والتمييز، بَلْهَ القدرةَ على إعمال البصيرة النَّيرة والإرادة الخيِّرة، للاستفادة مما لدى المَرء من الوعي والذخيرة المَعرفية، والمفاهيم القويمة، والقيم السويَّة السليمة، والإيمان الحق، والخُلُق الحاكم الناظم.. ليفرق بين الصالح والطالح، النافع والضار، المُنقذ من الهلاك والمُودي إلى التهلكة..
نحن في عالم لا نهاية لوجوهه المُقنَّعة بملايين الأقنعة، ولا مندوحة لنا من التفكير بوجاهة وجوهٍ تُعرَض لنا بتضخيم وتفخيم وتخويف وتصميم.. كل وجه من تلك الوجوه المتداخلةُ نُسجُها وأمشاجُها بين أقصى الشر وأقصى الخير، يُطلب إليك أن تراه، وأن تواجهه وجهاً لوجه، في عالم أنت فيه الحق الموجود، المفؤود، الوالد والمولود..وحين ندخل بيتنا العربي الكبير، لنحتمي فيه من العواصف الهُوج، لائذين به من متاهة وضياع وانتهاك وبؤسٍ وموت، واتقاءً لأشكال الدُّوار والدَّمار.. يُدخِلُنا مركزَ الدوّامة، بما لا يقاس مع حدة دوار الإعصار والدمار اللذين نهرب منهما لنستجير به.. يُدخِلُنا عالمه المَسكون بالفتنة والجاهلية والتبعية العمياء، وولاء البعض منَّا للأعداء، ويغرقنا بالدم والقتل والدمار، بالاستبداد والانهيار.. يُدخلُنا سراديب الأشرار، ويضعنا في أتون نافخي نار الحقد والثار.. يُدخلُنا في الهلع والغضب والرعب وصراخ الروح المجروح.. فتأخذنا الكآبة إلى كهوفها، ونتوه في دروبها وأزقتها المنتشرة بين رئتين وقلب، بين كبد وكليتين، في بيت ليس لنا سواه.. بيت الأمة والعقيدة واللغة والأخوَّة والتاريخ والحضارة.. بيت الأسرة العربية الواحدة، تلك التي ما بقي لها مما يوحِّدها ويلمُّ شملها ويحفظُ قيمها، إلا الذاكرة المشروخة، والنزف الوجداني الحاد، وبعض الدموع على أطلال الكرامة، والصراخ.. الصراخ.. الصراخ.. نبكي بلا دموع، وننادي بلا مُجيب، ونستجير بلا مُجير.. وتلفُّنا أعاصير وأعاصير.. فلا نحن مع المهتدين إلى وجه الوطن الأصيل، وطن الأمة العربية المَجيدة، ولا نحن من الكافرين به وبقدرته على أن يكون أصيلاً ومنقذاً وحراً وسيداً، وملجأً لأبنائه كافَّة، في الظروف كافَّة.
بيتنا العربي منتهَك، وممتلئ حتى حواف كأسه بمرّ الشراب، علقمي المَذاق.. تسكنه ألوان من النفاق والفساد والإفساد والطغيان والجهل والاستبداد، وألوان من التواكل والتآكل والتواطؤ والانتهاز،والتآمر حتى على الذات، وألوانٌ من تناقض الأنظمة والحكام والأحكام والرؤى والمَعايير التي تجعل المُقاوِم المُضحي بروحه من أجل الأمة وقيمها وقضاياها وهويتها وعقيدتها”إرهابياً مُداناً؟!”، ومن الإرهابي المَأجور المأمور، والسياسي المُرتَهَن لغير الله والشعب والوطن، بطلاً وطنياً وقومياً وربما عالمياً.. وتجعل من البطل الوطني والقومي الحق مجرماً جباناً منبوذاً مرذولاً مقهورا، ومن حامل الهُوية المنتمي للأمة والعقيدة خارجاً من جلدها وعليها، ومن السّفاح عادلاً ديمقراطياً، ومن العميل المُتآمر عليها صاحب وجهة نظر،”وذا رؤية؟!”، ومصلحاً يتجشم مشاق إقناع الأعداء بغزو بلاده، واحتلاله وطنه، ويأتي بـ “المُحرِّرين والمصلحين” على ظهور الدبابات الأجنبية، ليدمروا وطنه، ويقتلوا شعبه، ويشردوه في أصقاع الأرض بين مُنتَهك وشحاذ، ولينهبوا الضعفاء من أبنائه، بعد السحل والقتل.. ؟! ويُستَغرَب في هذه الأرض العربية الطيبة، أن يُتهم ذلك النوع من “المنقذين الأفذاذ؟”، بالعداء للتراب الطهور الذي نبت فيه الزرع، ونما الضرع، وعاش الناس أحراراً أخيارا.. كما يُتَّهم بالعداء للتربة الثقافية والحضارية والروحية التي نشأ فيها، وبالإساءة للمقدسات، والمس بالمحرمات، وبالقداسة الروحية التي لا يجوز المس بها.. فيثور المنقذون الافذاذ، ويمعنون في الناس قتلاً، وفي البنيان تدميرا.؟!
نحن في أرضنا التي ليس لنا سواها، ولا نريد أن نخرج منها.. أرض عرب اليوم.. عرب ما بعد الحداثة السياسية والإعلامية والثقافية -الانتمائية؟.. عرب ما بعد الفضائيات المتناحرة، والكراهيات المتدحرجة فِتناً وكرات نار، والسقوط المُدوي في متاهات الكلام والإعلام”ادعاء”، وتهافت السلوك والخيارات منتهى وابتداء.. عرب التبعية والخوف، والقطرية الضيقة المنحشرة في “أنا أولاً”التي أنتجت الذل والتبعية والولاء للأعداء بدل الولاء للأمة والاحتماء بها، ضلعاً يحمي ضلعاً.. عرب التآمر على الذات، وجلد الذات، وبيع الذات.. عرب الزمن الأكثر رداءة من أي زمن مضى، في بعض المَواقف والمَواقع المؤثرة في السياسة والسيادة والريادة والتكوين القومي والسلوك الجمعي والفردي. هذه الأرض العربية تبقى أرضنا التي لا أرض لنا سواها.. على الرغم مما فيها من رعب وجور، ومن ضَلال ومتاهات وسقطات.. فلا يستغربن أحدٌ أبداً، إذا ما دخل حارَةً من حارات القُرى، أو زقاقاً من أزقة المُدن، ولم يخرج منه.. لأنه تاه ولم يحسِن قراءة الإشارات المَرسومات بالدم المتخثر والبؤس الحالك والقنوط المقيم.. فعلى كلٍّ منا أن يتعلم طول حياته، ليعرف مدلول الإشارات التي ترسمها القوة الغاشمة والسياسات النابعة منها والتابعة لها.. وإلا وقع في المَحظور.. فهناك إشارات تفيد الدِّلالة على المَمنوع فعله، وعلى المسموح به، وعلى ما هو أبعد من ذلك وذاك.. ولكنها قد تنطوي على مُغايرة ومُداورة، من حيث المَعنى والمَبنى والمَرمى، حتى لتكاد تصبح فَخاً بل كميناً.. وقد تقود المُخالفةُ إلى تشهير مَدَبَّر، بأدوات ووسائل منها وسائل “إعلام” تُستنفر لتنال من “مَارقٍ”يريد أن يكون ذاتَه،ويدافع عن لهاته، وأن يخرج على إرادة “سيدٍ نصَّبه هو سيداً فأحاله السيد عبداً؟!”، وعلى إرادة الرجال المُؤتمنين منه وعليه، وعلى إنفاذ إرادته بحذافيرها، مع ما أضافوه عليها، باجتهاد، من إضافاتهم المُباركة.. ومن أولئك الرجال انتهازيون وفاسدون ومفسدون ومتعصبون، ينزرعون في كل المَواقع، يجرجرونك أمام عدالتهم هم التي تقف لك بالمرصاد، سواء نطقت أم سكت.. وهي عدالة ممولة، ولا ضير في ذلك، وقد لا يدري بها السيد.. عدالة “مُوالين، سياسيين وإعلاميين ومثقفين و..هم بمرتبة “ملائكة معصومين”، لا يأتيهم الباطل من أي طرف أو جهة أو اتجاه.. وحين تسألهم:”من خوَّلهم وموَّلهم”، يصرخون “بأن في ذلك مس بالوطنية وبحرية التعبير وحرية التشهير”.. وهم في مراتبهم ومراكزهم تلك، من جنس فوق الناس، وفوق القانون، وفوق الشبهة، وفوق الفوق.. عدالتهم الظنون، وأحكامهم المَنون، وغضَبُهم، إن هم غضبوا لا سمح الله، “ولا غضب الله العلي القدير”، أستغفر الله.. فإن شئت استَكَنت واستسلمت وقبلت، وإن رفضت شُتمت ولُطمت وشُوهت صورتك، وأُدِنْت وقُتلت.. ولديهم تمثيليات يقومون بها، وألفاظ يستخدمونها، يتفوقون بها على وزراء ووزارات وأجهزة ومؤسسات، ورجال أمن من كل الرتب والصفات والمواصفات.. ومعظمهم يتسابقون على من يكون منهم “أشد فتكاً، وأفتك لحظاً، وأشدَّ باساً، وأكثر حظوة، وأسلم درباً، وأكثر رَيعا،ً وأنفذ رأياً، وأكثر سهماً وسمّاً، في عباد الله، ممن له رأس أو من يبحث عن حماية ما تبقى له من رأس.. لا سيما ممن كُتب عليهم أن يكونوا مُواطنين.. في وطن عربي بأقطاره الثنين وعشرين، يعبث أقوياؤه بالقوانين، وتعبث به وبهم جهات وقوى باسم القوة الغاشمة الحاكمة التي هي “قانون القوانين؟!”.
لا تلوموا الغريق الذي يتعلق بقشة أو بجناح حُلم.. لا تلوموا قلوباً ظامئة إلى الحب والأمن من جوع وخوف في وطن يأمن فيه المُواطن من جوع وخوف.. لا تلوموا مَن يتوقون إلى وطن يرفع رأساً للإنسان بين أبناء الأرض من ذوي الكرامة والحرية في أوطان.. لا تلوموا عربياً جائعاً، مريضاً، مشرداً، في بلاد المَال والثروات والصلوات، يطلب أن يُظله سقف بيت، وأن يلقى رغيف خبز وشَرْبَة ما، وبعض ما يحتاج إليه من دواء… لا تلوموا غريقاً يتمسَّك بقشة وبجناح حُلُم، يعتقد أن أمته العربية تستحق أفضل مما هي عليه الآن، وأنها ليست قابلة للزوال، وأن فيها من الرجال والطاقات والثروات والإمكانيات ما يجعلها أحسن، وأعلى، وأكمل، وأفضل..وتستحق أفضل مما هو متاح لها، ومما هي عليه الآن بكثير.. لا تلوموا بقايا الإنسان مِنَّا في الإنسان فينا، وهي تنازع المَوج العاصف لتنجو من الغَرق، وتتعلَّق ولو بِقَشَّة.. فمن يحب الحياة لا يُلام إذا اجتهد وجاهد وتعلق بالحياة.. فتلك طبيعة فُطر عليها الإنسان في كل مكان وزمان.. والعربي الذي يحب وطنه، وليس له سوى وطنه، والمُنتمي عضوياً لأمته ووطنه.. ذاك العربي إنسان، ويحق له كل ما يحق للإنسان، حتى أن يتعلق بقَشَّة وبجناح حُلم، يرى فيهما إنقاذ الأمة، أو أملاً واستبشاراً بإنقاذها.
والله سبحانه، أحسن خلق الإنسان، وفطره على الخير والحرية الأمل، فلا يأس مع الحياة.. وتلك خير فطرة للمخلوق في الأكوان حباه بها الله سبحانه وتعالى.


تاريخ النشر: 15 أغسطس,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/277777

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014