الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م - ١٣ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / تركيا ..أزمة اقتصادية ملونة سياسيا

تركيا ..أزمة اقتصادية ملونة سياسيا

فوزي رمضان
صحفي مصري

” لم تكن أزمة القس الأميركى سوى شماعة، علق عليها اردوغان أزمته الاقتصادية الطاحنة، لتجديد مشاعر القومية لدى الناخبين، وشحذ همة الشارع التركى ضد اميركا، ويعلم الرئيس التركى ان ازمته السياسية مع واشنطن لن تنتهى الا بالافراج عن القس الاميركى برونسون، ولكن تحدوه الرغبة في إطالة امد الصراع للتغطية على ازمة اقتصادية، والظهور بموقف المتحدى لاقوى قوة سياسية على وجه الارض.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في ذكاء واضح استطاع الرئيس التركى رجب طيب اردوغان، استغلال ازمة القس الاميركى اندروا برونسون المودع فى السجون التركية، للتغطية على مشكل اقتصادى يعصف ببلاده، ففى الوقت الذى يسعى فيه الرئيس الاميركى ترامب الى ايجاد حل مناسب وسريع، لفك اسر القس قبل التجديد النصفى لانتخابات الكونجرس فى نوفمبر المقبل، يحاول اردوغان اطالة زمن الازمة ورفع سقف المطالبات السياسية فى مفاوضاته مع واشنطن، لكن اتت الرياح بما لاتشتهى سفن الرئيس التركي، فقد عاجله الرئيس الأميركي بتجميد اصول وممتلكات وزيرى العدل والداخلية التركيين في اميركا، واعقبه بضربة اخرى بتعديل اتفاقية التجارة العالمية مع انقرة ، ورفع الرسوم الجمركية على الواردات التركية من الالومنيوم والصلب.
الاسبوع الماضى وفى الجمعة السوداء كما اطلق عليها الاتراك، انهارت الليرة التركية وخسرت حوالى 70% من قيمتها السوقية ورغم تصريحات اردوغان الاخيرة، والتى تحدث خلالها عن عدو مجهول وحرب اقتصادية وعن لوبى معدلات الفائدة، الا ان تصريحاته اضفت المزيد من عدم اليقين فى العملة المحلية، وسط مطالبته الاتراك بتحويل مدخراتهم من العملات الاجنبية والذهبية الى الليرة التركية، ورغم استخدامه الشعارات الشعبويه ( اذا كان لديهم الدولارات فلدينا الله) ، فلم تصمد الاسواق امام التدنى السريع والمتواصل لليرة التركية، والتى اذا وصلت الى حد 8 ليرات للدولار الواحد، ستعلن معظم الشركات الافلاس.
لم تكن ازمة القس الاميركى سوى شماعة، علق عليها اردوغان ازمة اقتصادية طاحنة، لتجديد مشاعر القومية لدى الناخبين، وشحذ همة الشارع التركى ضد اميركا، ويعلم الرئيس التركى ان ازمته السياسية مع واشنطن لن تنتهى الا بالافراج عن القس الاميركى برونسون، ولكن تحدوه الرغبة في اطالة امد الصراع للتغطية على ازمة اقتصادية، والظهور بموقع المتحدى لاقوى قوة سياسية على وجة الارض.
منذ مطلع العام الحالى وخبراء اقتصاديون يحذرون من اقتراب ازمة سيولة ستواجه تركيا، مما عجل بالرئيس اردوغان الى تقريب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية من نوفمبر 2019 الى يونيو الماضى، لتجنب اجراء انتخابات تحت وطأة ضغوط اقتصادية، وكما يؤكد المحلل الاقتصادى يوسف الشريف ان ازمة الليرة التركية هى ازمة مالية وليست سياسية مع واشنطن، فحجم التجارة بين البلدين 20 مليار دولار حيث صدرت تركيا الى اميركا نحو 9 مليارات دولار عام 2017 شكل الصلب منها مليارا واحدا فقط ومع فرض رسوم مرتفعة على الصلب التركى الاقل سعرا من الاوروبى او الصينى، وحتى مع رفع الرسوم سيظل الصلب التركى هو الارخص وعليه فان قرار ترامب الاخير لن يؤثر بشكل جدى على صادرات تركيا لاميركا، حتى ولو كان، فلتركيا اسواق اخرى بديلة للتعويض.
الازمة تتعاظم منذ العام 2013 مع تراكم ديون القطاع الخاص فى تركيا، والتى بلغت 217 مليار دولار تستحق السداد خلال شهرى سبتمبر واكتوبر القادمين، بالاضافة الى تعاظم العجز فى ميزان التجارة الخارجية والذى بلغ 57 مليار دولار، ويعود هذا الدين الى مشاريع حكومية فى الاصل قام القطاع الخاص بتنفيذها مثل السدود وبناء الطرق، وعند طرح تلك المشاريع استدان القطاع الخاص من الخارج لتنفيذ تلك المشاريع، من اجل الحصول على عائد وارباحٍ، وهو مالم يتحقق، لذا يتحمل هذا الدين القطاع الخاص وحده. صحيح حاولت الحكومة التركية مرارا ضخ الاموال لدعم القطاع الخاص ودعم الليرة التركية المتجهة للتراجع، لكن بلا فائدة.
واليوم تجد الشركات التركية صعوبة فى الحصول على ديون جديدة من الخارج لتدوير ديونها، مع اصرار البنوك العالمية على الإقراض بسعر فائدة اعلى، يصر الرئيس اردوغان على موقفه والتدخل فى السياسات المالية بعدم رفع الفائدة فى البنك المركرىٍ، ومع التهاوى السريع لليرة التركية ، فان البنك المركزى الاوروبى يحذر الان من تعامل بنوك الاتحاد مع تركيا، التى تعاني عجزا فى ميزان تجارتها الخارجية. حيث تنفق اكثر مما تنتج. ومع استدانة الكثير من الشركات التركية بالعملة الاجنبية، وتعد هذه القروض اكثر تكلفة عند اعادتها فى حالة انخفضت قيمة العملة المحلية وهو ماحدث بالفعلٍ.. .
لقد انعكس انشغال الرئيس التركى بالصراعات الداخلية والنزاعات الخارجية، على مسيرة الاقتصاد الذى تخطى فى الماضى عثرات كثيرة، ووصل الى معدلات نمو جيدة، ولكن وطبقا للمحللين الاقتصاديين، فان الاقتصاد التركى يدخل مرحلة التعثر والتباطؤ يدفع أردوغان الى اللجوء نحو الاقتراض المباشر من صندوق النقد الدولى وهو ماكان يخشاه الشارع التركى، ولا مناص للخروج من الازمة الاقتصادية سوى الاقتراض، او رفع سعر الفائدة وضخ المزيد من الاحتياطيات النقدية، ودعم القطاع الخاص للحد من التدهور السريع للعملة التركية .

إلى الأعلى