الأحد 16 ديسمبر 2018 م - ٨ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / رحيل قامة عالمية

رحيل قامة عالمية

أحمد مصطفى

” شاءت الأقدار أن يشهد جيلي نهاية مفكرين عظماء، من المنطقة والعالم، لكنه يبقى جيلا محظوظا لأنه عاش في زمن هؤلاء وتابع أعمالهم وانتاجهم الفكري في وقته. وربما علينا مهمة لفت الانتباه إلى ذلك وحث الأجيال الجديدة على الاستفادة منه، ربما بشكل أفضل وبما لم نستطع نحن في هذا الجيل الانتقالي أن نفعل لقصور منا نحمله بسهولة على “الظروف الموضوعية”!”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رغم انه كان يكتب بالفرنسية أكثر، ويعيش في السنغال بعيدا عن عالمه العربي (وربما أقرب لعالمه الفرنسي الذي درس وأبدع فيه) إلا أن العالم العربي، ومصر في القلب منه لم يكن يغيب عنه يوما. لكن عالمه الأوسع كان افريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، أو ما اصطلح غربيا على تسميته “العالم الثالث” وإن لم يقبل هو أبدا بذلك التقسيم العنصري وأسس لتقسيم آخر: شمال وجنوب. رحل المفكر العالم د. سمير أمين عن عالمنا يوم الأحد الماضي في باريس التي تخرج من أعرق جامعاتها وحصل فيها على درجته العلمية، الدكتوراة من السوربون، وانضم لحزبها الشيوعي منتصف القرن الماضي. ورغم أنه عاد إلى مصر، التي تركها بعد اتمام دراسته الثانوية ليتلقى تعليمه الجامعي في باريس، وتولى فيها منصبا شبه رسمي ليسهم في التخطيط لاقتصاد ما بعد الاستقلال إلا أنه غادرها بعد سنوات عائدا إلى بارس. ثم قضى أهم سنوات عمره في افريقيا، إما مديرا لمعهد تابع للأمم المتحدة أو مسؤولا في حكومات دول افريقية مستقلة حديثا أو في نهاية عمره مؤسسا لتجمعات فكرية اقتصادية/سياسية افريقية خالصة تسهم في “تمكين الجنوب” وتطوره.
عمل سمير أمين في مالي والكونغو برازافيل ومدغشقر، لكنه استقر أغلب وقته في السنغال وكان يعيش ما بين داكار وباريس، حتى وافته المنية في الأخيرة بعد عمر 87 عاما ترك خلالها للبشرية زادا فكريا وعلميا غير مسبوق يكفي لأجيال وأجيال قادمة. مع ذلك لم تكن مصر تغيب عن باله أبدا، حتى وهو يعمل على طرح فكري كوني ولعل ما كتبه بعد ما حدث في يناير 2011 والإطاحة بنظام حكم مبارك من أهم ما كتب عن التغيير الأخير في مصر. كما أن ما كتبه، وتحدث عنه في مقابلات ومؤتمرات، بشأن ما سمي “الربيع العربي” يعد أقرب تقييم للعقل. لم يكن اختيار سمير أمين لافريقيا اعتباطا، ولا لضرورة البحث عن عمل ولا حتى لأن تعليمه فرنسي واختار بلادا “فرانكوفونية”، لكنه كان اختيارا لما اعتبره القارة الأكثر ظلما حسب نظريته الأشهر حول سياسات التبعية التي واصلت بها الامبريالية استغلال مستعمراتها السابقة. كان بحق قامة فكرية عالمية تلتزم بما تراه صحيحا من مبادئ لينعكس على حياته وعمله.
رأى البعض في سمير أمين المفكر الماركسي الكبير الوحيد الباقي في العالم، وربما عاد ذلك لالتزام الرجل وتركيز جهده الفكري على دراسة الرأسمالية وآثارها. لكن الرجل كان أكبر من ذلك، كان مفكرا انسانيا بحق، وإن ظل ملتزما بأسس التفكير النقدي لكنه لم يكن مقبولا في الاتحاد السوفييتي، وكما ذكر الصديق د. هاني شادي كانت كتبه ممنوعة في الاتحاد السوفييتي إلى ما بعد البريسترويكا. ثم إنه اختلف مع الشيوعيين في فرنسا (الذين اعتبروه أقرب للشيوعية الماوية منه إلى الشيوعية الأوروبية). إنما يمكن اعتبار كل ذلك في إطار السياسة وليس الفكر والفلسفة، خاصة وأن أعمال سمير أمين الرئيسية تعلو كثيرا عن تلك “الشوفينيات السياسية” للأحزاب والتيارات الشيوعية المختلفة. بدءا من أبحاثه الأولى حول التقسيم الدولي للعمل إلى نظرية التبعية وانقسام الشمال/الجنوب وحتى مداخلاته بشأن التطورات الأخيرة ما بعد الحرب الباردة إلى ما شهدته أوروبا والعالم العربي من حركات شعبوية مؤخرا. وإذا كان إدراك الرجل لفترة حكم ترامب، على قمة سلطة الدولة القائدة للرأسمالية الجديدة في العالم، جاء في آخر أيامه، إلا أن من تابع أفكاره وآرائه في مقابلاته الأخيرة قبل رحيله يدرك كم هو متسق تماما مع ما خلص إليه من فلسفة ومبادئ.
مثله مثل أسطورات كثر رحلوا في السنوات الأخيرة، ترك سمير أمين ذخيرة فكرية إنسانية تكفي لأجيال وأجيال وإن تركز أغلبها على مضار الرأسمالية وأسلوبها الامبريالي الحديث فإن هناك فيما ترك ما يفيد في فهم صعود تيارات مثل “الدين السياسي” والتيارات المتطرفة الأخرى. وتظل أفكار وانتاج سمير أمين سندا لفهم الكثير مما يدور حولنا في العالم ويؤثر فينا بشكل مباشر ـ حتى في حياتنا اليومية ـ كما أنه أساس لفهم واستيعاب تطورات المستقبل التي لا يمكن فصلها عن الماضي. ولعل أفضل تأبين للراحل الكبير هو عودة الناس إلى مؤلفاته واسهاماته الفكرية والاستفادة منها، وإذا كان الرجل في حياته “مبعدا” بشكل مقصود أحيانا عن مناحي الدراسات الأكاديمية الرئيسية لأسباب سياسية، فإن العالم يخسر كثيرا إذا ظل تراثه الفكري هذا بعيدا عن متناول الأجيال الجديدة ـ وهي قادرة بفضل ما تملك من أدوات حديثة على فرز الغث من السمين والجيد من الخبيث.
شاءت الأقدار أن يشهد جيلي نهاية مفكرين عظماء، من المنطقة والعالم، لكنه يبقى جيلا محظوظا لأنه عاش في زمن هؤلاء وتابع أعمالهم وانتاجهم الفكري في وقته. وربما علينا مهمة لفت الانتباه إلى ذلك وحث الأجيال الجديدة على الاستفادة منه، ربما بشكل أفضل وبما لم نستطع نحن في هذا الجيل الانتقالي أن نفعل لقصور منا نحمله بسهولة على “الظروف الموضوعية”! رحم الله سمير أمين وغفر له وأثابه بقدر ما ترك من خير فكر للبشرية جمعاء، هو ومن سبقوه من المفكرين العظام.

إلى الأعلى