Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

أصداف ك التنافس بين المدن

وليد الزبيدي

ما يبرز التنافس عبر التاريخ بين الدول والمدن في ميدان الحروب والصراعات، إلا أن ثمة أنواعا أخرى من التنافس، يقف في المقدمة من ذلك التنافس المعرفي، أو لنقل سياقات واضافات في ميادين الثقافة والمعرفة، و من يقرأ التاريخ يجد الكثير من تلك الاضافات التي تتقدم كثيرا على الحروب وما تتركه من دمار وخراب في الأرض والنفوس، وكل ما يبقى منها أمجاد لقادة محددين غالبا ما كانوا يمرحون ويقضون الليالي الملاح بعيدا عن ميادين القتال التي يكون وقودها اناس لن يذكر التاريخ احدا منهم على الاطلاق، في حين لا يمكن اغفال مدن المعرفة الكبيرة عند الحديث عن معالم عملاقة في تاريخ البشرية، وإذا تتسارع خطوات المعرفة اليوم بفعل التوسع الافقي والعمودي في التعليم وانتشار المعرفة ، فإن الابداعات الكبيرة قد حصلت في ازمنة غابرة لم يكن التواصل بين الجار وجاره بالامر اليسير، ورغم ذلك ظهرت معارف كبيرة وأفكار وطروحات هائلة، فمن مدينة اثينا في اليونان خرج عمالقة الفلاسفة افلاطون وارسطو وديوجين وغيرهم، وفي بلاد الرافدين ظهر حمورابي الذي وضع اول مسألة للقانون في تاريخ البشرية، كما استطاع العراقيون في العهد السومري قبل الميلاد ايضا من اختراع الكتابة التي بذرت اولى أسس التنوير الفكري والمعرفي في التاريخ، وابدع المصريون القدامى في العمارة وفنونها وتشهد اهرامات مصر على عبقرية فذة في هذا الميدان، كما حقق الرومان قفزات كبيرة في بناء المسارح وتشييد الفنون، وانطلقت فلسفات اصلاحية كبيرة من الشرق فنجد في فكر كونفشيوس ما يسد في حياة البشرية الكثير من الثغرات ويفتح افاقا مهمة في ميادين الحياة، وعند الطواف في الحكمة ببلاد فارس فإن المرء سرعان ما يجد منجزات هائلة قدّمت الكثير للبشرية ومثل ذلك في الفلسفات الهندية والصينية.
مقابل ذلك شهدت البشرية الحروب والصراعات الدامية، وإذا يذكر التاريخ بعد مئات والاف السنين ما تركته المعرفة والعلماء قياسا بما خلّفته الحروب والصراعات، فإنك لن تجد نسبة بين الذين حرصوا على ايقاد شمعة وأولئك الذين لم يكتفوا باطفاء الشمعة، وإنما رموا بالكثير من الزيت على النار لتحترق البشرية وتسيل انهار من الدماء، لتضطرب المدن ويعم الخراب ، ولم يتوقف الصراع بين الخير والشر وهذه من قوانين الطبيعة ومن مسلماتها، ولم تتمكن الأفكار والعقول الاصلاحية والتنويرية من لجم النفوس المتعطشة للدمار والقتال وتخريب النفوس وبث الفرقة وتعميم الفوضى.
أن عراقة المدن واصالتها لم تمنع ظهور الطغاة والعقول القاصرة، لكن الفرق بين تاريخ المدن وتاريخ الافراد، أن المدن التي ظهر فيها عمالقة في الفكر والفن تركوا إرثا طيبا ينعم به الناس ليس من ابناء تلك المدن فحسب وإنما في عموم البشرية، وأن الصراعات وزعاماتها تضرب في وقتها وفي محيطها الجغرافي ويتركز خرابها في بقع ومساحات محددة خلاف ما تجود به عقول المفكرين والفلاسفة من ثقافة وحكمة.
لذا فإن التنافس بين المدن يبقى لما هو أصلح وأفضل.


تاريخ النشر: 17 أغسطس,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/278143

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014