الأحد 18 نوفمبر 2018 م - ١٠ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / “الأسرلة” التي تموت كل يوم

“الأسرلة” التي تموت كل يوم

علي بدوان

” إنَّ طغيان المد اليميني المتطرف التوراتي والقومي الموغل في رواية الميثولوجية داخل المجتمع اليهودي على أرض فلسطين يُعتبر سبباً وجيهاً في استفحال النزعة العنصرية تجاه المواطنين العرب في فلسطين المحتلة عام 1948، وهذا التيار، أي التيار اليميني بجناحيه العقائدي التوراتي والقومي العلماني يتمتع الآن بنفوذ كبير تتغذى منه حكومات “إسرائيل” بسياستها العدوانية والفاشية الدموية ضد الشعب الفلسطيني.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استتباعاً، وفي سياق الدفع “الإسرائيلي الصهيوني” لإقرار مايُسمى بــ “قانون القومية” و “يهودية الدولة” جاءت ثلاثة أحداث رئيسية كان لها دور بارز في إعلان انهيار عملية (الأسرلة) التي تموت كل يوم، أسرلة ماتبقى من الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1948، وسقوط وهم الإندماج، وكان أولها وأبرزها محطة يوم الأرض في الثلاثين من آذار/مارس 1976، وكانت الإنتفاضة الفلسطينية الأولى الكبرى عام 1987 المحطة الثانية في إحداث الإنطلاقة الهائلة للوعي الوطني الفلسطيني، لكن المحطة الأبرز والأهم والتي فتحت فصلاً جديداً في حياة الشعب الفلسطيني في الأرض عام 1948 كان أحداث الإنتفاضة الكبرى الثانية، واستخدام آلة القمع الصهيوني وبشكلٍ حاد من قبل حكومة التسوية اليسارية العمالية الصهيونية في حينها ضد مظاهرة تأييد غاضبة للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقطاع الأمر الذي أدى إلى سقوط ثلاثة عشر شهيداً، وسقوط نظرية الإندماج بشكلٍ نهائي تام.
إن الوقائع الدامغة أثبتت أن المواطنين العرب داخل فلسطين المحتلة عام 1948 مع تقبلهم البراجماتي “الإنصياع لقوانين الدولة العبرية رغماً عنهم مع تسليمهم بوجودها في ظل تناسب القوى بين الطرفين”، إلا أنهم لم ولن يكونوا مُستعدين للتماثل معها وتنمية مشاعر الولاء تجاهها، وعليه يقفون الآن في خط الصدام المباشر في مواجهة “قانون القومية” و “يهودية الدولة”، وهو المشروع الذي مَزَّقَهُ أعضاء الكنيست العرب داخل قاعة الكنيسة الرئيسية وقذفوا به على الأرض وتحت أقدامهم.
إنَّ مبادرات ملحوظة تتأتى الآن في سياق البرنامج الكفاحي لأبناء الوسط العربي الفلسطيني داخل حدود العام 1948 لفضح وتعرية طبيعة “دولة إسرائيل” والنزعة العنصرية التي تحكم بناءها، عبر الدعوة لاستبدال الدولة الصهيونية بـ “دولة لكل مواطنيها” والمطالبة بحقوق العرب القومية، أبناء البلد الأصليين، بما في ذلك تغيير الرموز مثل العَلَم والنشيد.
إنَّ “إسرائيل” مازالت بُعرف الأغلبية الساحقة من القوى الحزبية والإجتماعية والسياسية اليهودية بما في ذلك عند بعض أطراف ألوان مايسمى بــ “اليسار الإسرائيلي” هي “دولة اليهود” الذين يَحِقُ لهم ما لا يَحِقُ لغيرهم، والمقصود هنا السكان الفلسطينيين الأصيلين أبناء البلد. وبالتالي فإن الديمقراطية عند المجتمع اليهودي على أرض فلسطين مفصلة تماماً على مقياس خاص لا ينطبق على الفلسطينيين المتجذرين على أرض فلسطين عام 1948.
أيضاً إنَّ طغيان المد اليميني المتطرف التوراتي والقومي الموغل في رواية الميثولوجية داخل المجتمع اليهودي على أرض فلسطين يُعتبر سبباً وجيهاً في استفحال النزعة العنصرية تجاه المواطنين العرب في فلسطين المحتلة عام 1948، وهذا التيار، أي التيار اليميني بجناحيه العقائدي التوراتي والقومي العلماني يتمتع الآن بنفوذ كبير تتغذى منه حكومات “إسرائيل” بسياستها العدوانية والفاشية الدموية ضد الشعب الفلسطيني.
كما أنَّ اليمين “الإسرائيلي الصهيوني” يقوم أساساً على تغذية المشاعر البهيمية المعادية للفلسطينيين والعرب عموماً، “والهدف القومي” الذي تروجه أوساط هذا اليمين الفاشي العنصري عنوانه هو طرد ما تبقى من الفلسطينيين العرب داخل فلسطين المحتلة عام 1948، وإنقاذ مايسمونه “أرض إسرائيل من تسلط الأغراب (العرب) عليها”، وما إلى ذلك. أي أن العنصرية الراديكالية المتعطشة، للدم هي بالأساس عنصرية معادية للعرب، فالتطرف الرسمي لساسة اليمين، هو المُغذي والمشجع للعنصرية الوحشية المعادية للعرب.
إنَّ العرب الفلسطينيون داخل فلسطين المحتلة عام 1948 وبصمودهم وتفانيهم وإصرارهم على البقاء فوق أرضهم، تركوا بصماتهم على اتجاهات التغيير، حيث تزايد التأثير العربي كقوة سياسية وديمغرافية مهمة، لهم مكانتهم في الصراع في المرحلة المقبلة، فتعاظم الصعود في الانتماء الوطني جزءاً لا يتجزأ من الشعب العربي الفلسطيني وفي الصراع ضد نهب الأرض وتدمير القرى العربية، ومن اجل إزاحة كابوس التمييز العنصري والسير نحو الكينونة الوطنية الموحدة.
ومن هنا أهمية وحدة الفعل الوطني بين مختلف الأحزاب العربية داخل فلسطين المحتلة عام 1948، وتجاوز الانقسامات الداخلية، وتجنيد المجموعات اليهودية المُتواضعة الحضور والمعادية للمؤسسة “الأمنية والعسكرية الإسرائيلية” في الدفاع عن المطالب المحقة للمواطنين العرب على أرض وطنهم التاريخي.
وفي ظل الحراك الوطني للفلسطينيين داخل المناطق المحتلة عام 1948 فان كل المؤشرات تَدُل بأن التحوّلات ستتواصل داخل “كيان الدولة الاسرائيلية الصهيونية” وعلى كل المستويات السياسية والإجتماعية وعلى المستوى الأيديولوجي، وبالتالي فإن المطلوب القادم ينتظر من جميع الأحزاب العربية داخل “إسرائيل” مهام إضافية يقف على رأسها حماية الذات وحق الجماهير العربية في الدفاع عن انتمائها القومي وحقها في المواطنية الكاملة. ومن هنا أهمية وحدة الفعل الوطني بين مختلف الأحزاب العربية داخل فلسطين المحتلة عام 1948 وتجاوز الانقسامات الداخلية.
لقد عكست تفاعلات الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الثانية نفسها داخل المجتمع الفلسطيني في مناطق فلسطين المحتلة عام 1948 تماماً كما فعلت الانتفاضة السابقة على امتداد الأعوام (1987 ـ 1993)، عندما بلغ الشعور بالانتماء الخاص القومي/الثقافي الوطني لهذا التجمع درجة متقدمة من الاستيقاظ بعد عقود من عمليات ومحاولات الأسرلة الصهيونية، فضلاً عن أشكال الإضطهاد الوطني/القومي/الطبقي، والتمييز في جميع مجالات الحياة، بما في ذلك الميزانيات الخاصة بالتطوير والعمل في الوسط العربي، وسلك الحكومة.
كما عكست نفسها داخل التجمع اليهودي “الإسرائيلي” ونخبه السياسية والفكرية، فقد تهاوت أحلام ديفيد بن جوريون الوردية حين قال “علينا أن نقيم دولة غير متجمدة، دولة ديناميكية تتجه إلى التوسع” فدولته الآن لم تَعُد تستطيع حتى الحفاظ على بريق العديد من شعارات الحركة الصهيونية التي طالما رفعتها، بالرغم من سطوة القوة التي تمتلكها.فالكلام الذي كان يقال في “الساحة الإسرائيلية” في الماضي القريب من نمط “حدودك يا اسرائيل من الفرات الى النيل” انتهى، وانتهى معه قول جولدا مائير ذات يوم من العام 1968 من أنه “ليس هناك شعب فلسطيني” وأن “حل مُشكلة فلسطين يتم بإلغاء وجود الشعب الفلسطيني وتاريخه أيضاً”.

إلى الأعلى