الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م - ٩ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / عام على “شارلوتسفيل”

عام على “شارلوتسفيل”

د. محمد الدعمي

” إذا كان البيض، من ناحية، والسود وسواهم من المعارضين لترامب، من الناحية الثانية، على استعداد لاستذكار حادث شارلوتسفيل، كل على طريقته، إلا أن هذا الإستذكار بحد ذاته، إنما يؤشر بقاء وتواصل الروح العنصري في أعماق المجتمع الأميركي، برغم القوانين اللاجمة لهذه الروح، وبرغم حملات الإعلام المضاد للنزعات العنصرية،”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اتخذ نقاد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من استذكار حادث مدينة “شارلوتسفيل” القريبة من واشنطن العاصمة، ذريعة لمهاجمة الرئيس وحزبه الجمهوري، ناهيك عن نقد مؤسسات الدولة الفيدرالية، نظراً للشكوك الجادة من حال صعود نجم “نازية جديدة” Neo-Natzism الى سدة حكم اقوى دولة في العالم خلف قناع مبتكر هو الــ”الأنجلو أميركيون” Anglo-American، وعلى نحو يذكر المؤرخين بما حدث في ألمانيا إثر هيمنة الرايخ الثالث.
وإذا كان البعض لايعرف، أو لا يتذكر الحادث أعلاه في عالمنا العربي، فان للمرء أن ينوه الى أن الحادث كان قد ظهر، قاتلاً ودموياً، عندما تظاهر عدد كبير من أتباع حركة التفوق الأبيض White Supremacist Movement “بمسيرة مشاعل” لمنع قيام الحكومة بازالة تمثال لقائد قديم كان من رعاة التمييز العنصري في الولايات المتحدة، إلا أن هؤلاء العنصريين البيض مالبثوا وأن تمت مهاجمتهم من قبل جموع المشاركين بمسيرة مضادة للعنصرية في المدينة أعلاه، الأمر الذي أدى الى مواجهات عنف تتوجت بقيام شاب عنصري أبيض بمهاجمة المتجمهرين في المسيرة الثانية بسيارته، دهساً.
وإذا كان الحادث أعلاه قد دفع بجماعة “التفوق الأبيض” العنصرية الى سطح الأحداث بعدما خفت صوتهم حتى نهاية ولاية الرئيس السابق “باراك أوباما”، إلا أن الخشية تتجه اليوم من بروز مايسمى بــ”النازية الجديدة”، وهي حال من الخوف الهاجسي الذي لا يختص بالسود في أميركا فقط، وإنما هو يمتد نحو كراهية اليهود والمهاجرين والمسلمين، بل وحتى القادمين من الشرق الأوسط عامة، خاصة من الدول الإسلامية التي منع ترامب دخول أفرادها الولايات المتحدة، وأثنى على المنع أعضاء المحكمة العليا، للأسف.
يركز النقد الموجه للرئيس الأميركي ترامب شخصياً على فكرة مفادها هو: أن “دونالد ترامب” رجل عنصري: وتتجسد عنصريته حتى في خطابه المعلن على “تويتر”، تغريداً، زيادة على خطابه الرسمي عبر وسائل الإعلام التي يناصبها هو شخصياً العداء. من ناحية، يلاحظ نقاد النازية الجديدة أن الرئيس ترامب لا يتردد، ولا حتى ثانية في إدانة عنصرية هؤلاء الذين يهاجمون القطارات أو الأماكن العامة في المدن الأوروبية كلندن أو برشلونة، بيد أنه يتردد، على نحو مفرط ومجحف، في مهاجمة البيض من حملة المشاعل (تذكيراً بمنظمة “كوكس كلان” العنصرية)، إذ يقول، من ناحية ثانية، بأنهم أخطأوا. إلا أن الذين هاحجموهم من السود والمضادين لحركة تفوق البيض، لايقلوا أخطاءً عن الأخيرين، بمعنى أنه وضع العنصريين والمضادين للعنصرية البيضاء في سلة واحدة.
ويحرص نقاد الرئيس كذلك على أنشطة تحليل النص الخاص بخطاباته وسلوكياته، مدعين بأنه يوظف نبرة عنصرية مستورة تحت النص، تؤول الى تكريس الإنقسام المجتمعي الأميركي. ويعد هذا الخطاب التفريقي خطأً فادحاً، لأن المتوقع من الرئيس (في أي بلد كان) أن يدعو الى الوحدة في مجتمعه، وليس الى الفرقة.
وإذا كان البيض، من ناحية، والسود وسواهم من المعارضين لترامب، من الناحية الثانية، على إستعداد لإستذكار حادث شارلوتسفيل، كل على طريقته، إلا أن هذا الإستذكار بحد ذاته، إنما يؤشر بقاء وتواصل الروح العنصري في أعماق المجتمع الأميركي، برغم القوانين اللاجمة لهذه الروح، وبرغم حملات الإعلام المضاد للنزعات العنصرية، علماً بأن الخوف من صعود نازية عنصرية جديدة في الولايات المتحدة آخذ بالإمتداد نحو فئات إجتماعية تقض النازية الجديدة مضاجعهم، كاليهود والمسلمين واللاتينو، ناهيك عن المهاجرين الآخرين من آسيا الصفراء والهند ودول أميركا الجنوبية: فحذار أميركا تحت مطرقة التطرف العنصري!

إلى الأعلى