الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م - ١٢ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فلسفة الحج في الإسلام

فلسفة الحج في الإسلام

أيها القراء الكرام: إنكم في أيام الحج إلى بيت الله العتيق والرحيل إليه وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، فعلى كل من استطاع إليه السبيل التزود للرحيل وأن يرفض التسويف والتأميل، يا سعادة من لبى نداء ربه الملك الجليل الذي دعاه إلى البيت الحرام، وهداه إلى ركن الإيمان ومنبع الإسلام، جاء عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال (صلى الله عليه وسلم):(لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع) وإنما لم يجب إلا مرة واحدة في العمر كله، رحمة من الله بخلقه من حيث إن رحمته هذه غلبت غضبه ومعافاته سبقت عقوبته، فخفف في هذا على عباده لعظم المشقة في الأداء وثقل التكليف في القضاء، وذلك بخلاف الطهارة والصلاة والصوم وسائر العبادات التي يسهل تكرارها ويخف تناولها، فقال تعالى:(فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران ـ 97).
ثم إن في ذلك بشارة عظيمة لنا بغفران ذنوبنا السابقة واللاحقة منها إذا حججنا مرة واحدة في حياتنا ولولا هذه المغفرة العامة والرحمة الشاملة لكرر الحق سبحانه علينا الحج كل سنة، مثلاً ليغفر لنا ذنوبنا ويمحو عنا خطايانا (ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) (يوسف ـ 38).
أيها القراء .. إن للحج أركاناً ظاهرة وإن لهذه الأركان حكماً باهرة، قال تعالى:(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) (الحج 29 ـ 30).
وخصّ البيت الحرام بالذكر لأنه المقصود بالزيارة في شعائر الحج، ولأن الطواف به أفضل الأركان وهو من معالم الإيمان، ولذا اشترط فيه ما يشترط في الصلاة من الطهارة وستر العورة، فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(الطواف حول البيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير) وشرط الطواف أن يكون البيت على يسار الطائف لفعل النبي (صلى الله عليه وسلم) وقوله:(خذوا عني مناسككم) وذلك لمخالفة المشركين لأنهم كانوا يطوفون بالبيت ويجعلونه عن يمينهم ولعل في هذه الهيئة صلة روحية للطائفين بالبيت الحرام لأن القلب جهة اليسار فيكون مما يليه من العظام (ذلك من يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) (الحج ـ 32).
لقد أمر العبد بالتجرد حالة الإحرام مع أن الأدب عند ملاقاة الأكابر لبس أفخر الثياب ـ عادةً ـ إشارة إلى أن الأدب من كل ذنب أن يأتي ربه خاشعاً ذليلاً متجرداً من جميع العلائق ليقبله ربه ويخلع عليه خلعة الرضا.
ولذلك حُرِّم على المحرم الطيب مع أنه في حضرة الله الخاصة كالصلاة التي يستحب في مثلها الطيب لأن المطلوب من المحرم إظهار الذل والمسكنة واستشعار الخجل من الحق سبحانه وطلب الصفح والعفو خوفاً من معاجلة العقوبة، عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رجلاً قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الحاج؟ قال: الشعث التفل، وهو ترك الطيب والبذخ والتجرد من الزينة والترف، وكان هذا كذلك لأن الإسلام يقيم سلوك المسلمين في الحج على أساس التصور الإيماني الذي هدي إليه البشر ودل الناس عليه، وهو أساس المساواة بين الامة الواحدة التي لا تفرقها طبقة ولا تميزها سمة فلا يجردهم من الثياب ليخايلوا بالأنساب، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:(كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس ـ الذين يتحمسون لدينهم فيتشددون فيه وسائر العرب يقفون بعرفات ـ فلما جاء الإسلام امر الله نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها قوله تعالى:(ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (البقرة ـ 199).
أيها القراء الكرام .. لقد قال عزوجل:(جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (المائدة ـ 97).
إن الكعبة جعلها الله تعالى قياماً للناس في أمر دينهم المهذب لأخلاقهم المذكي لنفوسهم بما فرض عليه من أعمال الحج الذي هو أعظم شعائر الإسلام، (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (البقرة ـ 197).
والحكمة في منع هذه الأشياء تعظيم شأن الحرم وتغليظ أمر الإثم فيه إذ الأعمال تختلف باختلاف الزمان والمكان وقد ثبت الجزاء الموفور والثواب المشكور للحاج الذي يحرص على أن يكون حجه مبروراً، قال (صلى الله عليه وسلم):(من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه).
أيها القراء الكرام .. مما لا شك فيه أن الحج فريضة من فرائض الإسلام الظاهرة وركن من أركانه البينة وأركان الإسلام تنقسم إلى ثلاثة أقسام ، قسم بدني كشهادة التوحيد والصلاة المفروضة والصوم المكتوب، إذ لا عمل في هذه الأركان إلا بالأبدان، وقسم مالي محض وهو الصدقة المفروضة التي تعد برهاناً على صدق إيمان مخرجها وقسم مركب منهما وهو الحج، إذ غالباً ما يجمع بين بذل الأموال وعمل الأجسام، ولذا عده بعض العلماء أفضل العبادات لاشتماله على المال والبدن ومن ثم نجد أن الحج جمع في مناسكه المتنوعة فرائض الإسلام المتعددة (ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً) (النساء ـ 70).
ومن أعظم فلسفة الحج ما جاء في تكرار الأمر بالذكر في آيات الحج فقال سبحانه (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) (البقرة ـ 198)، وقال أيضاً:(فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ، وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة 200 ـ 201)، وذلك لأن المقصود من العبادة ذكر الله عز وجل الذي يصلح النفوس وينير القلوب ويضيء الأرواح بعد ذكر أحكام المناسك وبيان أخلاق الحجيج (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (البقرة ـ 203).

محمد عبدالظاهر عبيدو
إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى