الخميس 20 سبتمبر 2018 م - ١٠ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (14)
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الـحـيث مـوصـولاً عـن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في الـنـفـس: وأعـلـم أن الـفـساد في الأرض، أن تخـرج الـشيء عـن حـد اعــتـداله، فـتسرف في شـهـوتـك، وتسـرف في أطـمـاعـك فالـطـمع مهـلـك لـصـاحـبه، وتسـرف في عـقـابـك للـناس فـتـظـلـم بتـجـاوزالحـدود، وتسـرف باعــتـدائـك عـلى حـقـوق الـغـير، فـتـعـطي لـنفـسـك صـلاحـية مـا تمـنـعـها غـيرك، فـيـكـون ذلك عـلى حـسـاب الآخـرين.
والـفـساد في الأرض أن يـوجـد مـنـهـج مـطـبـق غـيـر مـنـهـج الله، الـمـبـني عـلى الـعـلـم والحـكـمة، فـيحـكـم به خـلـق الله، فـصـيانـة أي صـناعـة يجـب أن تـرد إلى صـانعـها لأنـه أعـلـم بـمـا يصلحـها ومـا يـفـسـدها، حـتى تـبـقـى صالحة للـعـمـل الـذي صـنـعـت مـن أجـله.
إن غـياب منـهـج الله وإبـعـاده عـن الحـياة الـعـامة والخـاصة، مـعـناه أن يحـكـم غـير مـنهـج الله، الـذي وضـعـه الله صـيانة لـحـياة الـناس ، لـتـنـعـم بحـياة أفـضـل واطـمئـنان واسـتـقـرار واسـتـمـرار، حتى لا يـصـبح كل مـنا عـبـد أهـوائه ، قال تعالى:(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّـهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّـهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (الجاثـية ـ 23).
وإذا صـارت الأمـور حسـب أهـواء الـناس، فإن الأهـواء والـنـزعـات سـتجـعـل الحـيـاة جـحـيـماً، لا يـامـن الـناس عـلى حـرمـاتهـم، فـتـنـذر حـركـة الحـياة بالشـقـاء والـشر، بـدلاً مـن الـسـعـادة والأمـن والـطـمـأنـينة.
إن ما نـراه الـيـوم مـن شـكـوى الـناس عـلامة عـلى الـفـساد، لأن مـعـناهـا أن الـناس تـعـاني مـن الـظـلم، مـن ظـلـم الإنـسان لأخـيه الإنـسان، فـيحـل بـين الـمـظـلـوم وظـالـمـه، فـلا يـسـتـطـيع أحــد أن يـرفـع شـكـواه للـحـاكـم فـينـتصـف مـن ظـالـمه، ولـن يسـتـقـيم أمـرهـذا الـوجـود ولـن يـخـلـص أحـد مـن الـفـساد إلا إذا حـكـمـنا منـهـج الله الـذي لا هـوى له، لأن الله سـبحـانه وتعـالى مـنـهـزة عـن الـهـوى، ومـنـزه عـلى الـظـلـم ولـيس لـه مصـلـحة فـيـما يـشرعـه لـعـبـاده، فـكـل الـناس عـيـال الله، فاحـبـهـم إلى الله أحـبهـم لـعـيـالـه، وهـو خـالـق الـبشـر وهـو الـذي وضـع له مـيزان الكـون.
وأول مـظـاهـر الـفـساد أن يـوكل الأمـر إلى غـير أهـله، لأنـه إذا أعـطي الأمـر إلى غــير أهـله فانتـظـر الـساعـة، كـما قـال رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلـم):(إذا وسـد الأمـر إلى غــير أهـلـه فانـتـظـر الـساعـة) (صحيح الـبخاري ـ 59).
لـماذا؟ لأن الـمجـتـمـع (حـيـنـئـذ) يـكـون مـبـنـياً عـلى الـنـفـاق واخـتـلال الأمـور واضـطـراب الحـياة الـعـامـة والخـاصة، ولـيسـت مـبـنـية عـلى الاتـقـان والإخـلاص، فالـذي يجـيـد الـنـفـاق هـو الـذي يصـل إلى الـدرجـات الـعـُلا، والـذي يـتـقـن عـمله لا يـصـل إلى شـيء، وتـكـون الـنـتيجـة أن مـجـمـوعـة مـن الـمـنافـقـين الجـهـلـة، هـم الـذين يسـيرون الأمـورالـناس بـدون عـلـم وحـكـمة.
والـفـساد في الأرض هـو أن يـضيـع الحـق وتضـيع الـقـيـم، ويـصبح الـمجتـمع غـابة، كل إنـسان يـريـد أن يحـقـق هـواه ، بصـرف الـنـظـر عـن إعـطاء لـكل ذي حـق حـقـه، فـتحـول حـياة الآخـرين ، إلى جـحـيـم لا يـطاق، ويحـس مـن يـعـمـل لا يـصل إلى حـقـه، فإذا وصـل الأمـر إلى قـناعـة أنه لا فـائـدة مـن العـمـل فـيتـحـول الـمـجـتمع كله إلى مجـمـوعـة مـن غـير الـمـنـتجـين، يتحـول إلى اتـكالـيـين كـسـالا عـالة عـلى غـيرهـم.
والـفـساد في الأرض هـو، أن نجـعـل عـقـولـنا هي الحـاكـمة الـمحـكـمة، فـلا نتأمل في مـيزان الكـون، لـذي خـلـقـه الله بـعـلـم وحـكـمة، وإنـما نـمضي بـعـقـولـنا الـقاصـرة نخـطـط، فـنـقـطـع الأشـجار ونحـرقـها، ونـرمي مخـلـفـات الـمصانـع في الأنهـار فـنـفـسـدها، ونـأتي بالكـيمـاويات الـسامة نـرش بهـا الـزرع أو مجـاري مـياه الأنـهـار فـنـفـسـدها.
كـما يحـدث الآن، فـنـمـلـوء سـما ثـم نأكـله ثـم نجـد الـتـلـوث قـد مـلأ الـكـون وطـبقـة الأوزون قـد أصـابهـا ضـرر واضـح، يـعـرض حـياة الـبـشـر عـلى الأرض لأخـطار كـبيرة، وتـفـسـد مـياه الأنـهار، وتصـبح غـير صالحة للشـرب ولا للـري ويصـبح الخـير مـن الــدنـيا يـقـل بالــتـدريـج، والـفـساد في الأرض يـزداد وهـو أن يـنـتشـر الـظـلـم، وتصـبح الحـياة سـلسـلة لا تنتهـي مـن الـشـقاء والـفـساد في الأرض، وتضيـع الأمـانة وبـضـياع الأمانة تـفـسـد الـمعـاملات بـين الـناس وتـضيع الحـقـوق، وتـسـنـد الأمـور إلى غـير أهـلها.

هـذه هـي بـعـض أوجـه الـفـساد في الأرض، والله عـز وجـل قـد وضـع لـنا قـانـوناً كـلياً، هـو منهـجـه لـيتـعـامل به الـنـاس لـسـير حـياتهـم رتـيـبة، ولـكـن الـناس تـركـوه ومشـوا يتخـبـطـون في ظـلام الجـهـل، قال رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم):(مـن اسـتعـمل رجـلا مـن عـصابة ، وفـيهـم مـن هـو أرضى لله منه فـقـد خـان الله ورسوله والـمـؤمـنين)، وهـكـذا يـكـون مـدى حـرص الإسـلام عـلى اسـتقـامة أمـور الـناس، ثم يـقـول الله تعالى:(أُولَـٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، خـسـروا دنياهـم وأخـراهـم وخــروا أنفـسهـم، لأن الإنـسان له حـياتان ،حـياة قـصيرة في الـدنيا مليئة بالـمتاعـب، وحـياة طـويـلة خـالـدة في الآخـرة.
والـذي يـبيـع الحـياة الأبـدية ونعـيـمها وخـلـودها ، بحـيـاة الـدنيـا الـفـانية، التي لا يضمـن فـيها شييئا يكـون مـن الخاسـرين، فـعـمـر الإنسان قـد يــون يـوماأو شهـرا أو عـاما ، والحـياة الـدنـيا مهـما طـالت فـهي قـصيرة، ومهـما أعـطـت فـعـطاؤهـا قـلـيـل، فالـذي يـبيع آخـرته بـهـذه الـدنيا أيـكـون رابحـاً أم خـاسـراً؟، طـبعـا يـكـون خـاسـراً، لأنـه اشـترى ما لا يـساوي بنـعـيـم الله كله.
وإذا كان الإنـسان قــد نسي الله عـز وجـل، وهـو لا قـيه حـما ثـم يـبعـث يـــوم الـقـيامة لـيـجـده أمامه، فـيـوفـيه حـسابه، أيـكـون قـد كـسـب خـيراً، أم خـسـر ونـال شـراً؟، طـبـعـا يـكـون قــد خـسـر خـسراناً مـبيـناً، لأنـه أوجـب عـلى نـفـسه عــذا ب الله عـز وجـل، وأوجب عـلى نـفـسـه عـقـاباً ألـيـماً.
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى