السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مقامات السالكين إلى رضوان رب العالمين (38)

مقامات السالكين إلى رضوان رب العالمين (38)

وعد الله المؤمنين بالنصر والظفر وهي كلمته التي سبقت لهم نالوها بالصبر

.. وجعل الصبر سبحانه وتعالى عوناً وعدة وأمر بالاستعانة به، فقال:(واستعينوا بالصبر والصلاة)، فمن لا صبر له لا عون له، وعلّق النصر على الصبر والتقوى فقال تعالى: (بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين)، وقال (صلى الله عليه وسلم):(واعلم أن النصر مع الصبر)، وجعل سبحانه الصبر والتقوى جنة عظيمة من كيد العدو ومكره فقال:(وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً)، وأخبر أن ملائكته تسلّم في الجنة على الصابرين فقال:(سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)، وجعل الله الصبر منزلة فوق منزلة المعاقِب لمن عاقبه بمثل العقوبة فهو أفضل وأكثر أجراً فقال:(وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصابرين)، فتأمل هذا التأكيد (لئن) اللام ولامٌ أخرى للتأكيد (لهو).
ورتب المغفرة والأجر الكبير على الصبر مع العمل الصالح فقال:(إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير)، وجعل الصبر على المصائب من عزم الأمور وهذه مرتبة لا ينالها أي أحد فقال عز وجل:(ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور)، وأوصى لقمان الرجل الصالح الحكيم ولده بأن يصبر على ما أصابه في سبيل الله:(يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور).
ووعد الله المؤمنين بالنصر والظفر، وهي كلمته التي سبقت لهم نالوها بالصبر فقال تعالى:(وتمّت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون).
وعلّق تعالى محبته بالصبر، وجعلها لأهل الصبر فقال:(وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين)، وأخبر عن خصال من الخير لا يلقاها إلا الصابرون فقال تعالى في أهل العلم الذين علموا قومهم المفتونين بقارون:(ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلا الصابرون)، وعند الدفع بالتي هي أحسن (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)، وأخبر أنه لا ينتفع بآياته ولا يستفيد منها إلا صاحب الصبر المكثر منه فأتى به بصيغة المبالغة في قوله تعالى:(ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبّار شكور)، وفي سورة لقمان قال:(ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور)، وبعد قصة سبأ قال:(فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور)، وفي ذكر النعمة بالسفن على العباد تنقل أنفسهم وبضائعهم قال:(ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور)، فهذه أربع مواضع في القرآن الكريم تدل على أنه لا ينتفع بالآيات إلا أهل الصبر والشكر، الدين كله صبر وشكر، الإيمان نصفان صبر وشكر، حياة المسلم كلها صبر وشكر،ماذا يوجد في الطاعات والعبادات والتقرب إلى الله غير الصبر والشكر..؟‍!.
وأثنى الله على عبده أيوب بأحسن الثناء لأنه صبر فقال:(إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أوّاب)، فمدحه بقوله نعم العبد لأنه صبر، وحكم الله بالخسران حكماً عاماً على من لم يكن من أهل الصبر فقال:(والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)، وخص الله أهل الميمنة (أصحاب اليمين) بأنهم أهل الصبر والمرحمة فقال تعالى:(ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة)، وقرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان فقرنه بالصلاة فقال:(واستعينوا بالصبر والصلاة)، وقرنه بالأعمال الصالحة فقال:(إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات)، وقرنه بالتقوى فقال:(إنه من يتقِ ويصبر)، وقرنه بالتواصي بالحق فقال:(وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)، وقرنه بالرحمة فقال:(وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة)، وقرنه باليقين فقال:(لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)، وقرنه بالصدق فقال:(والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات)، فنعم المنزلة منزلة الصبر ونعم الخلق خلق الصبر ونعم أهله أهل الصبر، فالصبر طريق الجنة:(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب).
هذا الصبر العناية به في القرآن الكريم كبيرة جداً دليلاً على أهميته، دليلاً على أنه خلق عظيم، والصبر لدخول الجنة وسبب النجاة من النار، فالجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات، فكيف تدخل الجنة بدون صبر على المكاره؟، وكيف تقي نفسك النار بدون صبر عن الشهوات؟، وقد نبّه شيخ الإسلام ابن تيمية على المعنى اللطيف في هذا الحديث، حفت الجنة بالمكاره علمنا أنه لا طريق للجنة إلا عبر المكاره، لأنه قال حُفّت، من جميع الجهات، فإذا ما ركبت المكاره لا تدخل الجنة، والمكاره هي ما تكرهه النفس من المجاهدة اللازمة لأداء العبادات (صلاة الفجر ـ الوضوء في البرد ـ الصبر على المصائب ـ الجهاد ..)، فلا يمكن دخول الجنة إلا باختراق المكاره، ولا يمكن اختراقها إلا بالصبر، وأما النار فإنها حفت بالشهوات، ولا يمكن منع النفس من الدخول في النار إلا إذا صبر عن المعاصي وامتنع عن المعصية وحبس نفسه عن ذلك فهذه إذاً فضائل هذا الخلق الكريم.
ما حكم الصبر؟
أصل الصبر واجب، الصبر من حيث الجملة واجب، والله أمر به (واستعينوا بالصبر والصلاة)، (اصبروا وصابروا)، ونهى عن ضده (ولا تستعجل لهم) (فلا تولوهم الأدبار) (ولا تبطلوا أعمالكم)، ورتب عليه خيري الدنيا والآخرة، لكن عندما نأتي إلى التفصيل فالصبر منه ما هو صبر واجب، يأثم الإنسان إذا لم يصبر ومنه ما هو صبر مستحب فهو واجب في الواجبات وواجب عن المحرمات ومستحب عن المكروهات وإذا صبر عن المستحب ولم يفعله فصبره مكروه، ومما يدل علىأن الصبر قد يكون لازماً قول الله تعالى: (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين)، فهذا يدل على أن الصبر قد لا يكون لازماً كقوله: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين)، فما حكم الصبر هنا؟، أنت مخيّر بين أن تعاقب من عاقبك؟، ما الحكم الشرعي؟،يجوز لك القصاص فتنتقم منه بمثل ما ظلمك، ما حكم الصبر وعدم الانتقام؟، مستحب، فإذا ً لو قلت ما حكم الصبر على صلاة الفجر؟، واجب، ما حكم الصبر عند المصيبة بمنع النفس عن النياحة؟ واجب، ما حكم الصبر عن الانتقام ممن أساء إليك بمثل ما أساء؟ مستحب.
فالصبر إذن منه ما يكون واجباً ومنه ما يكون مستحباً والصبر جاء في صيغة المفاعلة في القرآن فقال:(وصابروا)، وهذه عادة ما تكون إلا بين طرفين (وصابروا)، فمعنى ذلك أن هناك مغالبات بين المسلم والعدو، وأننا لابد أن نصابر أنفسنا على باطلهم وعلى جهادهم وعلى مقاتلتهم ومرابطتنا في الثغور وثباتنا عليها حتى لا ينفذوا إلينا من هذه الجهات فهذا صبر مهم جداً.

أحمد محمد خشبة

إلى الأعلى