الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قصة مدينة.. الدلالات الرمزية

قصة مدينة.. الدلالات الرمزية

أ.د. محمد الدعمي

” عندما سقط النظام الملكي الهاشمي (14 تموز 1958) في العراق بثورة كانت قدحتها الأولى إنقلاباً عسكرياً سيطر على مقاليد الأمور، بعدما قام ضابط عصابي (برتبة رائد) برمي العائلة المالكة المتوجهة إليه للإستسلام ببندقية أوتوماتيكية صباح ذلك اليوم الدموي، دشن تاريخ العراق الحديث فصلاً جديداً، متتبعاً خطى الضباط الأحرار في مصر.”
ــــــــــــــــــــــ
ربما لم تكن مفارقات عالم الشرق الأوسط المتعددة التي أرصدها في كتابي القادم (إقليم المفارقات)، أكثر كشفاً لمكنونها المأساوي من التاريخ القصير لمدينة “الثورة”، وهي من مدن ضواحي بغداد المتعددة. تضخمت هذه المنطقة السكنية بسرعة درجة صيرورتها مدينة مستقلة بذاتها، علماً بأن تاريخها يشكل مفرقاً من تاريخ العراق بأسره. بدأ هذا التجمع السكني، جيباً نائياً، اتخذه الفلاحون الهاربون من أراضي الإقطاعيين وجورهم مستقراً عشوائياً لهم. جسد هذا “التورم” الحضري العشوائي القصة المأساوية لآلاف الفلاحين وعوائلهم الذين استقروا أولاً في البرية المفتوحة خارج بغداد أواسط القرن العشرين. وكما فعل أجدادهم السومريون والأكديون، راح هؤلاء الفلاحون المتمردون يبنون فضاءات سكن من الطين المجفف أو المشوي لحماية أنفسهم من التقلبات الحادة في درجات الحرارة بين الساخنة والباردة، التي اشتهر بها مناخ العراق. استقرت النسوة في هذه “المساكن” الأمينة افتراضاً، للطهي وللعناية بالأطفال ولتربية بعض الحيوانات المدجنة التي يحتفظون بها لغذائهم وللتسويق أحياناً؛ أما الرجال، شيوخاً وشباناً، فقد كانوا يتجشمون عناء “الإرتحال” إلى مركز بغداد، ذي الكثافة السكانية العالية، للكدح، حمالين أو عمالاً أو عمال حدائق أو موزعين للحليب ومشتقاته أو باعة شاي، من بين سواها من الأشغال التي لا تتطلب سوى قوة العمل.
عندما سقط النظام الملكي الهاشمي (14 تموز 1958) في العراق بثورة كانت قدحتها الأولى إنقلاباً عسكرياً سيطر على مقاليد الأمور، بعدما قام ضابط عصابي (برتبة رائد) برمي العائلة المالكة المتوجهة إليه للإستسلام ببندقية أوتوماتيكية صباح ذلك اليوم الدموي، دشن تاريخ العراق الحديث فصلاً جديداً، متتبعاً خطى الضباط الأحرار في مصر. وقد أعلن القائد العسكري الجديد، الزعيم عبد الكريم قاسم، ان الثورة قد خططت ونفذت بقيادته من قبل خلية من “الضباط الأحرار” لتحرير العراق من الهيمنة البريطانية التي كانت قد بدأت قبل نصف قرن من التاريخ أعلاه، متعاونة ومنسقة مع العائلة الهاشمية التي أبيدت الآن. لقد فقد حلفاء العائلة المالكة، “البرجوازيون”، خاصة ملاكي الأراضي الكبيرة والتجار الحضريين إمتيازاتهم. كان من المفترض أن ينهي هذا التغير ملكيات الأراضي الكبيرة (التي سميت بالإقطاع، خطأً) لأن الأراضي التي صودرت من الملاكين قد قسمت ثم وزعت على الفلاحين الفقراء. وإذا كان هذا الإجراء هو ما أطلق عليه عنوان قانون “الإصلاح الزراعي”، اي القانون الذي تمت بموجبه مصادرة وتجزئة الأراضي الخصبة لتوزيعها على الفلاحين، فان هذا التغيير كان وراء خلق قيم إجتماعية جديدة عدت الفلاحين الفارين من عملهم تحت نير الإقطاع قبل “الثورة”، نوعاً من الكادحين الذين يستحقون التقدير لرفضهم “الثوري” الإنصياع لسلطة الإقطاع.
من هنا جاء إسم “الثورة” الذي أطلق على تلك المنطقة السكنية العشوائية التي راحت تمتد خارج بغداد حيث لجأ الفلاحون وعوائلهم وإستقروا في بداية الأمر. هكذا اعترف “النظام الثوري” الجديد بهذا التجمع السكاني ومنحه الشرعية. والحق، فقد قدر لمستعمرة الطين التي بناها الفارون من ظلم الإقطاع أن تلعب دوراً تشكيلياً في المجتمع والإقتصاد ومن ثم في أحوال العراق عامة، ليس فقط لأنها منجم معطاء للموارد البشرية ولقوة العمل الرخيصة، ولكن كذلك لأنها كتلة سكانية كبيرة يمكن أن تمتطي سياسة بغداد بعد أن بقيت تتوسع، جغرافياً وسكانياً لعقود.
لو واصل المرء استعراض تاريخ هذه المدينة العشوائية، فانه لابد أن يلاحظ تقلبات أسماء هذه المدينة، وهي الأسماء التي عكست متغيرات تاريخ العراق السياسي المعاصر، اي التاريخ الذي اختزل الطبيعة المتقلبة لما سمي “بالنهضة” في الشرق الأوسط. أطلق على مستعمرة الطين هذه إسم مدينة “الثورة” في البداية، بوصفها من نتاجات التمرد ضد الملاكين الذين ضعف تأثيرهم ثم إنتهى جزئياً بفعل ثورة 14 تموز 1958 المشار إليها أعلاه. بعد عقود، ومع “إكتشاف” الرئيس السابق صدام حسين، أهمية هذه المدينة، منجماً للثروة السكانية وموّلداً لأنشطة تمرد واحتجاج شيعية هائلة بعد حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، فانه أمر بحملة إعمار شاملة لتهدئة سكانها ولمغازلة عواطفهم الدينية، مانحاً المدينة إسماً جديداً، هو إسمه الشخصي. وهكذا ظهرت المدينة من جديد بعنوان “مدينة صدام” بدعوى أنه الإسم الذي انتقاه سكانها لمدينتهم (حوالي مليوني نسمة آنذاك). وبعد مرور عدد من السنوات، ومع الغزو الأميركي للعراق (2003)، أطلق سكان هذه المدينة العنان لمعاناتهم وشكواهم ضد ضغط نظام صدام على الشيعة وحركاتهم السياسية من خلال اختيار إسم جديد للمدينة، إسم يتناغم مع طباع سكانها الذين يصعب التكهن بأهوائهم. وهكذا قدمت هذه المدينة الفقيرة نفسها من جديد باسم “مدينة الصدر”، تيمناً برجل دين شيعي كان قد اغتيل مع إثنين من ابنائه من قبل البوليس السري على عهد صدام حسين في مدينة النجف الأشرف.
كيف يمكن لتاريخ هذه المدينة القصير أن يشكل توازياً طريفاً للتقلب وللتطور الملتوي لما يسمى بـ”النهضة العربية الإسلامية” التي كانت قد بدأت قبل عدة عقود بوصفها “يقظة” مفاجئة مستوحاة من أفكار وكتابات عدد من المفكرين. يتواصل التوازي حيث تدهورت النهضة لتستقر على الإقتناع بالإستقلال السياسي الذي دفع، في نهاية المطاف، شعوب الإقليم نحو متاهة الحركات “الأصولية” الرجوعية، وهي الحركات التي أوصدت جميع أبواب تفحص الحاضر واستشراف المستقبل وفق منظور تقدمي.

إلى الأعلى