الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حتى لا تصبِح في مسار النسيان

حتى لا تصبِح في مسار النسيان

علي بدوان

” .. الوقائع المادية على الأرض، ونتيجة لعمليات التهويد المتواصلة، تشير بأن رموز التهويد باتت تطوق المسجد الأقصى المبارك من جهاته الأربع بأكثر من مائة كنيس يهودي، خاصة داخل البلدة القديمة بالقدس، وبالقرب من أسوار القدس القديمة، في وقت توجد فيه عدة كنس يهودية في الأنفاق التي حفرت تحت المسجد الأقصى المبارك،”
ــــــــــــــــــــ

تصاعدت الإعتداءات والهجمات “الإسرائيلية” الصهيونية على القدس والأقصى طوال أيام العدوان على قطاع غزة، وبالأخص في أيام الجُمع، في هجمات ليست مفاجئة، وليست مقطوعة عن جذورها وعن مسلسل التهويد الذي ابتلع المدينة المُقدسة وشرد العدد الأكبرمن أبنائها ومواطنيها من العرب المسلمين والمسيحيين على حد سواء.
فالوقائع المادية على الأرض، ونتيجة لعمليات التهويد المتواصلة، تشير بأن رموز التهويد باتت تطوق المسجد الأقصى المبارك من جهاته الأربع بأكثر من مائة كنيس يهودي، خاصة داخل البلدة القديمة بالقدس، وبالقرب من أسوار القدس القديمة، في وقت توجد فيه عدة كنس يهودية في الأنفاق التي حفرت تحت المسجد الأقصى المبارك، وهناك عشرات الكنس، بدأت تمتد وتزداد في غرب المسجد الأقصى المبارك، وأصبحت جميعها تشكل سلسلة على شكل دائري حول المسجد الأقصى من كل الجهات، وبدأت تزداد وتقترب من المسجد الأقصى المبارك في هذه الأيام، وتشكل أجواء استيطانية يهودية، خانقة حول المسجد، وقد بنيت على عقارات وأوقاف إسلامية ومساجد استولت عليها المؤسسة “الإسرائيلية” بعد الإحتلال “الإسرائيلي” للقدس الشرقية عام 1967.
كما كانت المؤسسة “الإسرائيلية” قد صعّدت في الفترة الأخيرة من بناء هذه الكنس في مواقع قريبة من الأقصى، إضافة لوجود مخطط “إسرائيلي” لبناء أكبر كنيس يهودي في العالم بتكلفة (40) مليون دولار فوق المدرسة (التنكزية) الإسلامية التاريخية والتي هي جزء من المسجد الأقصى، وقد تم إقرار مخطط هذا الكنيس في زمن حكومة شارون. ناهيك عن تزايد الأصوات “الإسرائيلية” التي تنادي بضرورة التخلص من المقدسيين من المواطنين الفلسطينيين أصحاب البلد الأصليين. ووصلت المطالب إلى قنوات الحكومة “الإسرائيلية” عبر أصوات العديد من أعضاء الكنيست الذين تتعالى أصواتهم كل يوم مطالبة بشكل أو بأخر بضرورة التخلص من المقدسيين من العرب المسلمين والمسيحيين من خلال تفعيل الأساليب المعهودة التي مازالت سلطات الاحتلال تمارسها بحق المقدسيين كسحب الهويات الخاصة بسكان المدينة من أي مواطن يغيب لفترة معينة خارج حدود المدينة لطلب العلم أو العمل المؤقت خارج فلسطين أو الزيارات الخارجية .. الخ.
إن الوقائع اليومية تشي بالحقيقة، وتشير إلى السياسات “الإسرائيلية” المُتعلقة بمستقبل القدس في صيغ جديدة عنوانها: “قدس يهودية، وكبيرة وقوية”، حيث يندمج هذا الإصطلاح إندماجاً منساقاً وراء التصورات السكانية “الإسرائيلية” التي تعمل لتخطيط حدود القدس من جديد، واقتطاع مساحات إضافية من مناطق مدن وريف الضفة الغربية المحيط بالجوار المباشر للمدينة في أراض يعيش فيها اليوم عشرات آلاف الفلسطينيين، كأحياء الشيخ جراح، ووادي الجوز، ورأس العامود، وسلوان، والعيسوية، والصوانة، وشعفاط، والبلدة القديمة كلها وما حولها، مع ضم كتلة مستعمرات معاليه ادوميم، وميشور أدوميم، وكذلك منطقة هيشوف أدام شمال شرق نفيه يعقوب ومستوطنة جيلو جنوبي القدس. وكل منطقة غوش عتصيون وبيتار عيليت، وكذلك المناطق جفعات زئيف، وجفعون الجديدة وجبل أدار وبيت حورون شمال غرب القدس.
ومن المعروف بأن أقصى ماقدمه الطرف “الإسرائيلي” في العملية السياسية التفاوضية خلال مراحلها الماضية بشأن مدينة القدس، لم يتعد حدود التقاسم الوظيفي على مناطق القدس الشرقية مع بقائها تحت الإحتلال. فالعبقرية “الإسرائيلية” وفي أوج مقترحاتها بشأن القدس طوال سنوات المفاوضات الممتدة من عام 1993، والتي أطلقها أحد رموز ما يسمى بـ “اليسار الصهيوني” حاييم رامون، دعت لتقاسم الجزء الشرقي من المدينة، وإعادة الأحياء العربية، وإعتبار الجزء المأهول باليهود من المدينة تحت “السيادة الإسرائيلية”. أما الجزء المأهول بالعرب فيسلم للفلسطينيين، مع وضع ” نظام خاص” لمنطقة الحوض المقدس. ومع هذا فإن تلك الأفكار أثارت في حينها ردود فعل سلبية هائلة داخل “إسرائيل”، وأظهرت الردود إياها درجة عالية من الإصطفافات والتخندق “الإسرائيلي” وراء الموقف التقليدي المعروف برفض إعادة المدينة للسيادة العربية الفلسطينية بأي شكل من الأشكال، والتمسك بالكتل الإستيطانية الكبرى التي باتت تطوق المدينة المقدسة من جميع النواحي.
وبالتالي، وعلى ضوء الواقع الحالي في القدس، وتواصل عمليات القضم المتتالي لأراضيها لمصلحة التوسع الإستيطاني، الإجلائي، الإحلالي، التهويدي الجائر، فإن القدس تصرخ وتستغيث وتنتظر مهام عاجلة، فلسطينية، وعربية، وإسلامية، للتحرك من أجل إنقاذ المدينة المقدسة، حيث يؤلم القلب ان يبقى الفلسطينيون وحدهم يواجهون هذا الخطر الداهم، وأن يستمر العرب والمسلمون مكتفين بالتصريحات والكلام اللفظي الذي لا يحقق شيئا عملياً على الأرض.
فما يجري في القدس، يُكرّس مساعي الدولة العبرية الصهيونية ضد القدس والأقصى تحت حراب البنادق. وإذا كان العرب يقومون بجزء من واجباتهم الكبيرة تجاه فلسطين وشعبها، فإن حجم المؤامرة والمخططات الصهيونية لا يزال أضخم من هذا الدور الأمر الذي يستدعي الدعوة إلى تحرك اقوى وأكثر فاعلية، دون أن نظل نمارس جلد الذات أو نتحدث عن التقصير الذي لا يستطيع أحد أن ينفيه.
وعلى ضوء الواقع الحالي في القدس، وتواصل عمليات القضم المتتالي لأراضيها لمصلحة التوسع الإستيطاني، الإحلالي، الإجلائي، التهويدي الجائر، فإن مهمات فلسطينية وعربية وإسلامية عاجلة تتطلب التحرك من أجل إنقاذ المدينة المقدسة، وإدامة صمود المقدسيين عبر مد المؤسسات الوطنية الفلسطينية في الداخل الفلسطيني بكل أسباب وعوامل الصمود والثبات، وتحويل الدعم اللفظي إلى دعم مادي مباشر، وإعادة إحياء وتفعيل صندوق القدس العربي الذي كانت قمة القاهرة قد أقرته عام 2001.
كما يقع على عاتق المؤسسات الحقوقية والمنظمات الفاعلة والصليب الأحمر ضرورة التدخل الفوري لوضع حد للمأساة التي تحل بمدينة القدس جراء تواصل الهجمة “الإسرائيلية” الشرسة مع تواصل عمليات الحفريات والهدم. كما في ضرورة تدخل منظمة المؤتمر الإسلامي والدول العربية والإسلامية بكل قوة لوقف هذا الجنون “الإسرائيلي” بحق الأقصى والمقدسات الإسلامية فالأقصى والقدس الآن في خطر حقيقي لان هناك نية مبيتة للنيل منه من قبل الجماعات اليهودية المتطرفة. فضلاً ضرورة تكثيف حملات توعية فلسطينية للمواطنين المقادسة للحيلولة دون انتشار ذلك حيث سيكون له اثر خطير جداً على مستقبل مدينة القدس.
أخيراً، وعلى ضوء مأساة القدس ونكبة مقدساتها الإسلامية والمسيحية، وفي مقدمتها نكبة المسجد الأقصى المبارك، وحتى لا تصبِح في مسار النسيان، فإن على كل القيادات الروحية الإسلامية والمسيحية في العالم الإسلامي والعربي، وكذلك القيادات السياسية، أن تبادر لتقرع الأجراس، عسى أن تتوالد التحركات الجدية العملية والملموسة في الوقت الأخير الخطير الذي تعيشه المدينة المقدسة، فكل من يتغنى بعروبة وإسلامية ومسيحية القدس، عليه أن يفعل شيئاً من أجل هذه العروبة والإسلامية والمسيحية، فالحفاظ على عروبة القدس لايحتاج إلى خطابات ولايحتاج إلى إستنكار وشجب، بل يحتاج عملاً ميدانياً على الأرض لدعم صمود وبقاء المقدسيين فوق أرضهم، وإسناد مؤسساتهم بالدعم المادي الملموس والمباشر.

إلى الأعلى