الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / تصنيع القومية

تصنيع القومية

علي بدوان

” لقد أدرك تيودور هرتزل مُبكراً، بأن الوجود اليهودي التقليدي بتنوعه القومي المبعثر في كيانات ومنظومات دول مختلفة بين آسيا وأوربا الشرقية والغربية، وقسم من القارة الأميركية في الشمال (الولايات المتحدة، كندا ..) وفي الجنوب (الأرجنتين، البرازيل ..) لايُمكن تجميعه وصهره في بوتقة واحدة دون ابتداع أشكال من اصطناع “النظريات المُفتعلة”. ”
تصنيع القومية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم يكن تيودور هرتزل ليتصور بأن الدوافع الدينية يمكن لها أن تقرر المصير النهائي للدولة العبرية الصهيونية كما نادي ومازال ينادي ويسعى وينظّر أقطاب كافة الأحزاب والقوى “الإسرائيلية الصهيونية” بما فيهم عتاة أحزاب مايسمى بـ “اليسار الصهيوني”، فقد كان هرتزل علمانياً في قرارة نفسه، وشخصاً براجماتياً على طول الخط بالنسبة لرؤيته للعامل الديني مُستنداً في فلسفته إلى تربيته الأوربية الغربية التي أعطته ومنحته جرعات من (الدينامية) العالية في تجيير واستغلال العوامل المُمكنة وخصوصاً منها العامل الديني لصالح بناء النظرية وفلسفة الأيديولوجية الصهيونية وسعيه لبناء الدولة “الإسرائيلية الصهيونية”، حيث كان قد أشار في كتابه الشهير “دولة اليهود” قائلاً “سنعرف كيف نبقي رجال الدين في كُنسهم .. الجيش والكهنة سيلاقون احتراماً كبيراً.. ولكن ليس من حقهم التدخل في شؤون الدولة”.
هرتزل لم يكن في حينها يقصد الحاخامات اليهود فقط، فخلال ارتكازه على نماذج قومية معروفة سعى إلى إحداث تغيير في مكانة ما أسماه “الشعب اليهودي” وتحويله خلال تواتر عداد الزمن، من دين إلى قومية. فقد أدرك مُبكراً بأن اليهودية ليست قادرة على لعب دور القاسم المشترك للدولة خلافاً للمسيحية الهيكلية، فالوجود اليهودي التقليدي المُبعثر في كيانات قومية مختلفة لايُمكن له أن يصفو تحت علم الديانة اليهودية إلى مقام القومية الراسخة، فاشتق طريق النظرية الصهيونية، بالرغم من أن “دولة الكيان الصهيوني” بصيغتها الراهنة حددت للدين مكاناً مؤسساتياً وسمحت بوجود ونشاط التيارات الدينية الغارقة في رواية الخرافة اليهودية، وبالتالي ضعفت وتراجعت بنية (الدولة/الكيان) أمام البنى المجتمعية/الدينية والخطاب الخلاصي/الشوفيني الذي بات منهلاً لاينضب عند قوى اليسار الصهيوني واليمين التوراتي على حد سواء.
فالقومية المدنية المزعومة داخل “كيان دولة إسرائيل” أخلت مكانها عملياً لهيكلية “يهودية”، ستزداد قوة تصادمها لاحقاً مع مشروع الحل الناجز للقضية الوطنية للشعب الفلسطيني في سياق كفاح الفلسطينيين داخل المناطق المحتلة عام 1948.
وقبل ذلك، ذهب فيلسوف “الدولة اليهودية” تيودور هرتزل في تصديره لرؤيته إلى الإرتكاز على نماذج قومية معروفة، سعى من خلالها إلى إحداث تغيير في مكانة الدين اليهودي، ساعياً لتحويله من “دين محدود الإنتشار في أوروبا وبلدان الشرق الأوسط إلى قومية متجددة”، وباعتبار أن اليهودية عاجزة على لعب دور القاسم المشترك في بناء الدولة، وفق مفهومها الحديث والمعاصر.
لقد أدرك تيودور هرتزل مُبكراً، بأن الوجود اليهودي التقليدي بتنوعه القومي المبعثر في كيانات ومنظومات دول مختلفة بين آسيا وأوربا الشرقية والغربية، وقسم من القارة الأميركية في الشمال (الولايات المتحدة، كندا ..) وفي الجنوب (الأرجنتين، البرازيل ..) لايُمكن تجميعه وصهره في بوتقة واحدة دون ابتداع أشكال من اصطناع “النظريات المُفتعلة”. وعليه نجحت صهيونية تيودور هرتزل في لحظة تاريخية ومناخ مناسب لها في “إصطناع قومية يهودية مُفتعلة، فكانت وليد طفرة جانحة كرستها في العرف الدولي الراهن كقومية متحررة من الهيكلية المبعثرة”.
لكن صيرورة الأشياء، والنشأة الطافرة “للدولة الإسرائيلية الصهيونية” تَطَلَبَ بالضرورة إدامة الإرتكاز الصهيوني على فكرة (الدين) والتغذي من وعاء الميثولوجيا التوراتية، لتصبح الصهيونية عقيدة سياسية تجسّدت في ممارسة تاريخية ذات أهداف محدّدة تمثّلت في إنشاء “دولة إسرائيل” على أسس دينية عنصرية استعمارية استيطانية اجلائية، فليس من السهل تشبيه الصهيونية، كعقيدة سياسية، بسائر العقائد السياسية كالشيوعية والرأسمالية. ومن هنا فقد واجهت “إسرائيل” إشكالية واضحة بالنسبة لهوية الدولة، فشهدت توترات وصراعات لعبت دوراً فى خلق هذه الإشكالية، بسبب التنوع الثقافي والعرقي فيها، وزيادة حدة الاستقطاب بين الدينيين والعلمانيين.
وفي الخارطة الدولية في العالم المعاصر، تقف الدولة العبرية الصهيونية باعتبارها الدولة الوحيدة التي تُعرّف نفسها كدولة (ديمقراطية) و(دينية) في الوقت ذاته بالرغم من التنوع السكاني القومي والديني في تكوينها العملي (السكان الأصليين من المواطنين العرب الفلسطينيين، وقوميات أوروبية وأسيوية من يهود العالم قاطبة، فضلاً عن الأقليات القومية التي كانت في فلسطين قبل إنشاء الكيان الصهيوني مثل الشركس والأرمن والبوشناق …). فـ”إسرائيل” الدول الوحيدة في العالم التي تأسست على خلفية “رواية ميثولوجية” مسنودة بقرار دولي، هو القرار 181 (قرار التقسيم) الذي جاء في لحظة نادرة لخصت الفترة الحرجة أثناء وقوع التحولات الكبرى في المنظومة الدولية، كحاصل تفاهم والتقاء وتوافق للمصالح الاستعمارية الكبرى مع انقشاع سحب الحرب الكونية الثانية (1938ـ 1945).
وعليه، فـ “الدولة الإسرائيلية” حدَّدَت للدين مكاناً مؤسساتياً، وعملت على تغلغل التيارات الدينية في التعليم، وبالمقابل ضَعُفت وتراجعت أمام البنى (المجتمعية/الدينية) مُكونات (الخطاب الخلاصي/الشوفيني) الذي دأب على ترديده أباء الصهيونية على حساب القومية المدنية بحدودها الدنيا، الأمر الذي خلق حالة الإزدواجية والإنفصام في دولة يدعي مؤسسيها بأنها ديمقراطية وفي الوقت ذاته دينية وعنصرية بل وفاشية.
وفي أساس الوضع المتفجر تبرز العبارة الموجودة في مايسمى وثيقة الإستقلال التي أعلنها ديفيد بن جوريون ليلة 14/5/1948، وفيها “أن إسرائيل تَعَتبر نفسها دولة يهودية وديمقراطية” وهذه هوية لا تخلو من التناقض الداخلي “دولة ترى في نفسها تجسيداً للنهوض والإنبعاث القومي للشعب اليهودي ليس بإمكانها أن تنظر بتساهل ولامبالاة إلى أبناء البلد الأصليين” لذلك فان الممارسات العنصرية الصهيونية داخل كيان الدولة العبرية تدفعها للقيام باتخاذ التدابير والوسائل غير الديمقراطية من اجل حماية لبابها. والآن وفي سياقات “قانون القومية بنصوصه الجديدة” تم شطب كلمة ديمقراطية من وثيقة بن غوريون.
إن الأحزاب “الإسرائيلية الصهيونية” مازالت تُصرّ على المبدأ الأساسي الرئيسي، وهو ضمان “الهوية اليهودية للدولة العبرية”، وهي فجوة كبيرة غير قابلة للجسر أو الترقيع داخل كيان “الدولة الإسرائيلية” بين المواطنين الفلسطينيين العرب أصحاب الوطن الأصليين وبين جموع المُجتمع الإستيطاني اليهودي على أرض فلسطين التاريخية، وهي فجوة تُبشّر بالمزيد من تكريس المزيد من الشروخ القائمة في داخل الكيان الصهيوني بين ماتبقى من أبناء الشعب العربي الفلسطيني أصحاب الوطن الأصليين وباقي التجمع الصهيوني، وذلك بالرغم من محاولة البعض من الجيل الثالث من قيادات الصف “الإسرائيلي” “أسرلة ودمج وتذويب الهوية الوطنية لفلسطينيي الداخل المحتل عام 1948″، والقول بأن “إقامة الدولة الفلسطينية قد تُلبي احتياجات عرب إسرائيل القومية من خلال إفساح المجال للتضامن والتماثل معهم”، بينما تنحو بعض الأوساط البراغماتية “الإسرائيلية” المحسوبة على تيارات “اليسار الصهيوني” ومن داخل حزب العمل وكتلة ميرتس تحديداً للقول “من الأفضل التركيز على توفير حلول عملية للضائقة التي يعاني منها الوسط العربي بدلاً من التمحور حول القضايا الأيديولوجية المبدئية” بينما يقول يوسي بيلين من قيادة كتلة ميرتس المحسوبة ايضاً على تيارات “اليسار الصهيوني” بلغة مليئة بالديماغوجيا بأن “إسرائيل تستطيع أن تكون دولة يهودية، وفي نفس الوقت دولة لكل مواطنيها”، بينما يقول زعيم حزب شاس اليميني التوراتي الأسبق ايلي يشاي “أنه لا يوجد تناقض على المستوى الديمقراطي بين ضمان طابع الدولة اليهودي وبين وجود الأقلية العربية”. وعند الإتجاهات الأكثر يمينية نجد اليهودي الروسي المستوطن على أرض فلسطين وزعيم حزب “إسرائيل بيتنا” افيغدور ليبرمان الذي لا يؤمن بالتعايش ويعتقد “أن كون إسرائيل يهودية أهم من كونها ديمقراطية”، ومن هنا تصبح التفرقة ضد المواطنين الأصليين من أبناء البلد من الفلسطينيين العرب فيها مسألة مُبررة مع تواصل النظر إليهم كتهديد إذا لم يكن أمنياً فديمغرافياً.

إلى الأعلى