الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: هل وظفنا الحج الأكبر في تقوية أرصدة التكامل وترقية سنن الاختلاف؟

في العمق: هل وظفنا الحج الأكبر في تقوية أرصدة التكامل وترقية سنن الاختلاف؟

د. رجب بن علي العويسي

تعيش أمة الاسلام أيام الحج الأكبر المباركة بما تحمله من آمال وأحلام بتغير الحال وتعديل المسار، ونهضة تأخذ بيدها إلى تحقيق الغاية من وجودها في وسطيتها وتسامحها وقوة مبدئها ورقي فكرها وسمو هدفها، ولعل شعيرة الحج بما تحمله من قيم الاختلاف الواعي والايجابية والتكامل والوحدة والتعاون والثقة بالله والأمل به بتحقيق خيري الدنيا والآخرة، منطلق لإصلاح حال الأمة وإعادة الهيبة إليها، وتعزيز وحدتها وضمان قدرتها على إدارة التحولات التي يعيشها عالمها وإعادة هيكلة واقعها من جديد وفق نواميس الاختلاف المؤصلة لفقه التكامل والمؤكدة على مبدأ الوحدة، على أن تحقق ذلك واقعا ملموسا يضعها أمام مراجعة طريق العودة إلى الله وتعظيم حرماته وشرائعه، في ظل عالم يعيش الكثير من التناقضات وتتجاذب شعوبه العديد من التيارات الفكرية التي تتجه به نحو الفتنة ومستنقع الخلاف، فإن ما تعيشه الأمة اليوم من أوضاع أرهقت الإنسان وأضاعت الأوطان وعطلت الأحكام وألبست الإنسان لباس الجوع والخوف، وأسست لمنهج الفرقة والتحزب والمذهبية، بحاجة إلى من يأخذ بيدها ويوجه مسارها ويهدي سبيلها، فكان الحج في احتوائه هذه المعاني قاطرة عبور ومحطة مراجعة لحياة متجددة وواقع جديد يتوافق مع نهج الرشاد ويستجيب لفطرة السماء، وهل من مواسم الدين وشعائره العظيمة أقوى أثرا في ترجمة هذا التحول إلى سلوك راق في ظل اختيار الإنسان ورغبته وتشوقه لأداء شعائر الله والتزام حدوده وتعظيم حرماته، وهي تحمل رسالة الألفة والتعاون والسلام والوئام ووحدة الهدف والتقارب والتناغم في وجهات النظر بما ينعكس في قدرة الأمة على إعادة ترتيب أوضاعها وتحديد أولوياتها وتأطير ممارساتها وتوجيه مواردها وثرواتها لصالح التنمية والبناء والتطوير والاستقلالية والاعتماد على الذات.
إن شعيرة الحج بذلك صرخة في وجه كل التناقضات التي تعيشها البشرية والتوجهات السلبية التي باتت تعكر صفو الوداد بين شعوبها وأقطارها، ودحض لكل الافتراءات التي باتت تصور الاختلاف كوحش مفترس وأنه نهاية المطاف وطريق الفوضى ومسلك الاستعلاء والسيطرة ونهب الثروات وانتزاع سيادة الاوطان والوصاية والاملاء عليها وغلبة جانب المصلحة الشخصية على كل القيم والأخلاق، والطريق المشؤوم الذي يؤسس لمرحلة التصادم وعدم فتح أي فرصة للتفكير في الحوار وإعادة النظر في القرارات، فمثل هؤلاء واهمون عن الحقيقة بعيدون عن الحق مجانيون للصواب يعيشون حياة التيه الفكري والانحراف المعرفي، وهي دعوات مسيسة تنظر لفطرة الاختلاف من منظور مادي سطحي وقناعات ذاتية فقط، إذ إن فلسفة الحج الفكرية والعقدية بُنيت على أساس أن الاختلاف البشري في اللغة والجنس والشكل والبلد والاستطاعة والقدرة، مسلمات واردة لا تحتاج إلى تفسير أو دليل اثبات، وهي اختلافات دنيوية ليست في مقياس الحق بشيء ولا تؤثر في ميزان العدالة الإلهية قيد أنملة، فالله جل جلاله خلق الإنسان في أحسن تقويم، وجعل من التعددية والتنوع حكمة التعارف التي هي مصب الاختلاف، وميزان التقوى غاية العمل ومنتج القبول، وبالتالي فهي منطلقات لمشتركات أقوى وتكاملات أفضل، إنها فرصة التحول بوحدة اللباس” الإزار والرداء” إلى تمازج الأفئدة وتقاسم الآمال والتشارك في الطموحات، وغلق أبواب الضرر وفتح منافذ التواصل والحوار والتفاعل، وبناء مناخات أصدق لأخوة إنسانية تتشارك التاريخ واللغة والدين والقرآن والغايات والأهداف والتحديات، ونقل محور العدالة الظاهرية التي تبرزها مناسك الحج وأحكامه، وطُرق المساواة التي يصنعها في بني البشر إلى عمق الإنسان الواعي الذي يستشعر دوره في نهضة الحياة وجلال قدرها، بصفائه وصدق ضميره ونقاء سريرته وسمو أخلاقه وثقته في بني جنسه، إنه بذلك يقطع الطريق أمام أي محاولة لانتزاع فرص التفاؤل والايجابية، وسد أي ذريعة للاقتتال وزرع بذور الفتنة بين الأخوة والأشقاء والأصدقاء مهما اختلفت أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم وألوانهم، فجملة الدلائل التي تبرزها شعيرة الحج من وحدة اللباس والطواف والرمي والسعي والوقوف بعرفة والهدي والتحلل بالحلق أو التقصير وغيرها، أو بالدعاء والذكر والتكبير والتسبيح والعج والثج، محطات لتقوية أرصدة التكامل بين بلدان المسلمين وشعوبهم، وتصبح عمليات التمازج الحاصلة في أداء المناسك في المشاعر العظام موجهات لاستشعار قيمة الحياة في ظلال الوحدة، وعمق العطاء في سمو الفكرة وقوة الرأي في صدق الأخوة، في ظل ترسيخ لعرى التكامل وانتزاع عقدة الأنا من النفس وتأصيل ثقافة احترام الآخر والاعتراف به والتقارب معه ويصبح الحج الهوية الجامعة والعروة الوثقى في اتصالها وتواصلها في بناء محطات السلام الداخلي ونقل تأثيرها لتعم الكون بأسره أمنا وأمانا، ويبقى زاد التقوى المحصلة الكبرى التي تترجم هذه الغايات وتحتوي مسارات الاختلاف في مشهد ايماني لم تأت الحياة بمثله ولن يتكرر في غير المشاعر العظام.
إن الحج بذلك منطلقات لبناء محطات التغيير وإذابة فوارق الاختلاف السلبي وتعميق فرص التكامل وتعزيز الحوارفي كل ما من شأنه تعزيز وحدة العمل المشترك بين قيادات الأمة والاسهام في بناء سلوك حضاري راق يصنع الفارق في حياة الإنسانية جمعاء، وفي ظل المشهد السياسي المتأزم الذي بات ينعكس على مسار العمل العربي والاسلامي، يبقى دور المخلصين من قيادات الأمتين العربية والاسلامية المعتدلة وما تحمله من رسالة السلام والأمن والاستقرار نافذة أمل تشرق لتغير وجه الأرض السلبي في محاولة منها للأخذ بيد السياسة الدولية وردها إلى رشدها وتوجيهها إلى إصلاح ذاتها ونزع فتيل الفتنة بين الأشقاء والأصدقاء والأخوة وإذابة كل المسوغات التي باتت تنتزع الثقة وتشوه صورة المنافسة وتؤصل الكراهية والأحقاد، فإن لحكمة السياسة ودبلوماسيتها وصدق الإرادة وثبات العزيمة وحس الاصرار على انتشال واقع الامة من حالة الضياع والذوبان السلبي والضعف عبر البحث في القيمة المضافة لهذه المواسم والقواعد الايمانية التي تعتمدها والحكم الربانية التي تؤسسها والقيم النبيلة التي توجه بوصلتها لتكون بمثابة محطات للمراجعة وإعادة هندسة التغيير، فتقوى أواصر التعاون وتتلاشى مسببات الخلاف وتتقشع حالات التأزم وتزول منغصات اللقاء، عندها يستلهم المسلمون من شعيرة الحج الأكبر طريقهم للوحدة ومنهجهم لترقية جوانب التواصل وتعميق مساحات اللقاء وتقريب وجهات النظر وفق قاعدة التواصي بالحق والتواصي بالصبر، باعتبارها معايير إنجاز وشواهد تتيح للأمة بناء محطات أكبر لجمع الشمل ورأب الصدع وتحقيق منهج التسامي فوق كل مسببات الخلاف والتكامل في ظل اختلاف، فإن ما تحمله مبادئ الحج وقيمه وأخلاقياته وما تعكسه رؤيته الايمانية من مفردات حياتية راقية ومفاهيم دقيقة تتعايش في ظلالها القيم وتنمو في مواردها المودة والرحمة، وتتصالح فيها النفوس ويعيش فيها البشر سلامهم الداخلي وفرص السلام والوئام بين بعضهم البعض في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، موجهات لرسم خارطة الوجود الإنساني بدايته ومنتهاه واقعه وتحدياته اهتماماته وطموحاته، تأخذ بأسباب العلم والعمل ومنهجيات التقدم والبحث والابتكار والاكتشاف والمبادرة الجاد، في ظل رؤية أوسع للعالم وأحداثه، وقراءة واعية معمقة للتحولات التي تحيط بإنسانية الإنسان أمنه واستقراره وتعليمه وتعلمه.
من هنا فإننا نراهن على شعائر الاسلام العظيمة، منطلق لإعادة مسار الأمة وتوجيه إرادتها نحو بناء عالم يسوده الأمن والأمان والسلامة والاستقرار، وإن على قياداتها والقائمين على سياساتها الداخلية والخارجية وقراراتها وإعلامها وتعليمها وإدارة شؤون مناسكها، أن يكونوا أحرص الناس على توظيف هذه الدلائل التي يحملها الحج في بناء مسار الأمة الصحيح فيتنازلوا من أجل الوحدة والتعاون والتكامل عن اختلافاتهم الشخصية ومصالحهم الذاتية لتكون لهم كلمة في الواقع ورؤية في المستقبل وحضور في انتاج الفكر ومصانع الانتاج، فهل سيراجع قادة الأمة وحكامها أنفسهم ويجدون في الحج الأكبر نقطة تحول في تغيير ذواتهم وإعادة تأهيل طريقتهم في إدارة واقع أمتهم والاستفادة من محطات العمل المشتركة في مواجهة تحدياتها والوقوف على اولوياتها والتعاطي مع منغصات وحدتها ومقلقات إنسانها؟

إلى الأعلى