السبت 22 سبتمبر 2018 م - ١٢ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / عقد النقص السياسية

عقد النقص السياسية

د.احمد مصطفى

”صحيح أن الغرب قطع شوطا أبعد منا في تمكين المرأة، لكن المرأة هناك ما زالت تشكو مما يسمى بالانجليزية “السقف الزجاجي” الذي يحول دون صعودها للقيادة بالقدر المساوي للرجال. أما سياسيا، فإن ما يسمى “الحيادية السياسية” political correctness فليس في الأغلب سوى شكل من أشكال النفاق لا يعكس حقيقة عمل المؤسسات الحاكمة حتى في أعتى الديموقراطيات.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ربما يمكن فهم اهتمام الإعلام الأميركي بترشيح الحزب الديموقراطي لسيدتين مسلمتين في انتخابات التجديد النصفي هذا العام، هما الفلسطينية رشيدة طليب في ولاية ميتشغان والصومالية إلهان عمر في ولاية مينسوتا. فالإعلام يجد في ذلك تحديا للرئيس الجمهوري دونالد ترامب ومواقفه ضد المهاجرين والتي تقترب من تأييد العنصريين البيض، ولعل ذلك ما جعل أيضا الحزب الديموقراطي يرشح رشيدة وإلهان لكونهما مهاجرتين ومسلمتين. لكني بصراحة لا ابلع بسهولة ذلك التهليل العربي لترشيحهما لانتخابات الكونجرس، حتى إن بعض وسائل الإعلام تعاملت مع الأمر وكأنهما أصبحتا نائبتين فعلا. ويذكرك ذلك بالتهليل لدى طرح اسم مسلمة لرئاسة وزراء رومانيا قبل عامين لم يوافق رئيس البلاد على توليها المنصب (وان كانت أصلها تتري لكنها متزوجة من سوري). وتبدو التغطية الإعلامية وكأنها تقول للمتابع “انظر كيف يرشح الغرب مسلمات لمناصب قيادية ونحن لا نفعل”، مع أن في ذلك مبالغة إلى حد الشطط.
صحيح أن الغرب قطع شوطا أبعد منا في تمكين المرأة، لكن المرأة هناك ما زالت تشكو مما يسمى بالانجليزية “السقف الزجاجي” الذي يحول دون صعودها للقيادة بالقدر المساوي للرجال. أما سياسيا، فإن ما يسمى “الحيادية السياسية” political correctness فليس في الأغلب سوى شكل من أشكال النفاق لا يعكس حقيقة عمل المؤسسات الحاكمة حتى في أعتى الديموقراطيات. وكما أشرت في البداية اختار الديموقراطيون في أميركا مسلمة وامرأة للتميز عن ترامب في محاولة لكسب جولة الانتخابات النصفية للكونجرس ذي الأغلبية الجمهورية. ووجد الإعلام الأميركي فرصة للتشفي في الرئيس الذي يناصبه العداء. لكني لا أذكر مثلا أن المرشحة فلسطينية الأصل سبق ووجهت أي انتقاد لسياسات اسرائيل على الاطلاق، ولو حتى من قبيل عبارات الاستهلاك المحلي. رغم أننا نسمع انتقادات في حالات معينة لسياسات اسرائيل العنصرية من نواب حتى من الحزب الجمهوري المحافظ. أما الصومالية، فإن كانت دخلت انتخابات محلية وفازت فيها كممثلة لمحيطها المحلي فليس معروفا عنها أي مواقف تخص العرب والمسلمين.
ومع أني لا أقصد أي تشبيه، لكن ما زلنا نذكر ايان هيرسي علي الصومالية التي درست في كينيا (إلهان أيضا لجأت لكينيا قبل انتقال عائلتها لأميركا وهي في سن 12) ولجأت لهولندا مطلع التسعينات مدعية كذبا أنها هاربة من زواج قسري اتضح فيما بعد أنه افتراء منها وحتى انها افترت على أهلها كذبا وتزويرا. واضطرت هولندا لسحب الجنسية منها في 2006 بعدما كانت أصبحت نائبة في البرلمان واستغلت شهرتها المزيفة لمهاجمة ثقافة أهلها ـ ليس بانتقاد سلبياتها ولكن بالكذب والتزوير والمغالاة ممالأة للمتطرفين الغربيين. فلماذا إذا نهلل لمن رشحهم حزب لا يختلف كثيرا عن الحزب الآخر في الحكم في واشنطن، بمواقف لا تتقاطع في الأغلب مع مصالحنا ودائما داعم أعمى لإسرائيل وغيرها ممن يمثل ضررا على منطقتنا.
من أكثر النكت عنصرية تلك التي سمعتها في لندن عن بروفيسور هندي في جامعة مرموقة كان زميله الانجليزي يعامله بتعال شديد، فتصور الهندي أن ذلك بسبب سكنى الانجليزي في حي راق فاشترى البيت المجاور له وذهب ليعرفه بنفسه، قائلا بروفيسور فلان أنا جارك بروفيسور علان فلم يهتم الانجليزي واومأ ببرود ففكر أنه ربما لأن سيارته فاخرة فاشترى سيارة فاخرة ووضب حديقته .. وفعل كل شيء مثل الانجليزي وكل مرة يرد الانجليزي بذات البرود. فما كان من الهندي الا ان طرق باب جاره وقال له: اسمع، انت بروفيسور في جامعة كذا وأنا بروفيسور في الجامعة نفسها، وتقطن هذا الحي الفاخر وأنا كذلك وحديقتك منظمة وحديقتي منظمة وسيارتك فاخرة وسيارتي فاخرة … لكني أفضل منك. وهنا رد الانجليزي على الهندي بالتساؤل كيف؟ فقال البروفيسور الهندي: جاري انجليزي وجارك هندي. وخلاصة المزحة المرة أن الانجليزي (الذي ما زال يعتبر شبه القارة الهندية تحت التاج) يعكس عقدة النقص الحضارية لدى نظيره الإنسان، سواء كان هنديا أو مصريا أو من أي بلد كانت محتلة من الامبراطورية التي عفا عليها الزمن.
ربما كان من الأفضل لنا، ولا يعنيني هنا من يمثله ذلك السياسي من أبناء البلد الذي يعيش فيه (فهذا يحسمه الناخبون باختيار من يحقق مصالحهم بشكل أفضل)، أن يكون الخواجه (الأصلي) هو من في السلطة لأن مواقفه تجاهنا ستكون تعبيرا مباشرا عن موقف بلده والمؤسسة التي تحكمها. وظني أنه حتى بالنسبة لأبناء الجاليات في المجتمعات الغربية قد يكون من الأفضل ألا يتولى المناصب أبناء جلدتهم ليتمكنوا من تمرير ما يريده الخواجة (الأعلى) بيد من جنس من يمرر عليهم الأمر. فاختيار عمدة للندن آسيوي مسلم (صادق خان) جعله يكمل ما فعله العمدة السابق من المحافظين (بوريس جونسون) المعروف بشططه وعنجهيته. والحقيقة أن المؤسسة في بريطانيا ضربت عدة عصافير بحجر خان، فهو مسلم وآسيوي إذ كان ذلك ردا على ضغوط كي تتعامل بريطانيا مع تنظيم الإخوان، وهناك اتهامات في الوقت ذاته بتصاعد الاسلاموفوبيا، أضف إلى ذلك أن البريطانيين من أصل آسيوي من أكثر الجاليات التي تعاني عنصرية مستترة ومباشرة.
كفانا من عقد النص ما بنا ولسنا بحاجة أيضا لعقدة نقص سياسية.

إلى الأعلى