Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

باختصار: جروح الفرح

زهير ماجد

سوف ينتظر أطفال من أمة العرب مجيء الفرح كي يتعلموا منذ نعومة أظفارهم أن ثمة حركة في الشفاه وفي العينين يجب أن تتدرب على معاني الكلمات أو مشاهد مستوحاة أو عطاء ما.
من تجرأ من هؤلاء الأطفال على ممارسة فرحه، فقد نسي عالمه، أي تناسى أن له أخا صامتا من شدة آلامه وخسائره، وأنه لن يعرف الفرح، وإذا عرفه فلسوف يجرح دواخله.
لكن من يمكنه إسقاط العادات التي تربينا عليها ونهلنا منها كل طفولتنا. لا بد أن يلبس الأطفال ثيابهم الجديدة، كما لا بد للبسمة ولو مجبولة بالحزن أن تقول وتكرر ما يكرره الكبار بهذه المناسبات التي تمر كل عام.. المؤسف أن الشر يحرم الكبار تعليم الصغار كيف يكون الفرح، هو فقط يعلمهم أن ثمة وحشا بشريا يريد قتلهم، وحين يسألون عن السبب سوف يصمت، وإن تكلم فلسوف يقول الحقيقة .. تنغرس في الطفل الكلمات، يحتفظ بها طوال عمره إلى أن يأتي اليوم الذي يفجرها بأي أسلوب وشكل.
يتبادل العرب المعايدات فيما بينهم .. من المؤسف القول “كل عام وأنتم بخير” وهم يعيشون العام في قمة الشر وفي عهدة أشرار قرروا أن لا يجعلوا للفرح مطرحا سواء في العيد أو في غيره. من جهتي أحزن كلما قرأت تلك الجملة المتبادلة بين أهل العيد من الكبار .. أعرف أنه العرف الذي تربت عليه أمة، صار تعبيرا عن شخصيتها.
بدأ “العيد” يومه على عزف الجروح إذن، كنت أقول يوم كان الشباب يملأ حياتنا ووجوهنا، إن ما عشناه من أحداث رغم عمرنا الصغير يعادل دهرا، فكيف لو أردنا الاعتراف ونحن في سن متقدمة عن جروح وصلت إلى الحد الذي يمكن من خلاله ترداد قول المتنبي “فصرت إذا أصابتني سهام/ تكسرت النصال على النصال” .. من كثرة الإصابات في الروح وفي الجسد ثمة مشكلة أصابت الجهاز العصبي فتبلد الإحساس والحس.
يا لها من سنوات مرت عصرت قلوبنا من آلامها المبرحة .. قد تكون جروح الجسد أهون من جروح الروح بكثير .. من يصاب في روحه يتحول إلى مجرد إنسان انفصل عن محيطه وغادر أجمل ما كان في عمره. كلنا في لحظات المصاعب نتذكر ماضينا، نحاول أن نسرع هذا الماضي كي نلتقط أنفاسنا من أجل خلق توازن في النفس قبل أن تتحطم. في يوم الهزيمة الكبرى عام 1967 أمام العدو الإسرائيلي، استحضر كل منا تاريخا قرأه عن أمجاد العرب، لولا هذا التاريخ، صدقوني، لكان من الصعب الانسجام مع الذات المهزومة .. لا بد أن يصدق المرء أن له في ماضيه انتصارات وأفراحا عكس خيباته في الحاضر.. يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش “عندما كنت طفلا صغيرا وجميلا/ كانت الوردة داري والينابيع بحاري”.
هكذا تتقلب حياتنا العربية على جمر وأسئلة طفولية لا يمكن التخلص منها. كل سؤال لديهم بمثابة جرح عالق في الجسد ثم يتحول إلى الروح وعندها يبدأ دمار الشخصية، فكيف إذا عايش الرعب ومشاهد الدمار وتعرض للموت ورأى بأم عينيه موت أهله أو أحدهم .. لا تصدقوا أن الطفل ضعيف وعاجز، هو أقوى من أبيه وأمه في لحظة مصير كونه لا يملك القدرة على التفسير الصح لما يجري حوله. الوعي مشكلة الكبير.


تاريخ النشر: 22 أغسطس,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/278785

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014