الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م - ١٣ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / آهٍ.. صديقي

آهٍ.. صديقي

علي عقلة عرسان

آهٍ.. إلهي، مِن أَفاعٍ شكلها شكل القَصَب.. من ساعةٍ تفضي إلى سيلِ الفظائعِ، والغَضب.. من وقفةٍ، فيها الحساباتُ تُصَفَّى بالخناجرِ، والقنابلِ، واللَّهب.. آهٍ إلهي، من أَفانينِ النُّوَب”.

الدنيا عيد.. عيدكم سعيد..
وكل عام وأنتم بخير..

إنِّي لأرسم أحلاما أزيِّنها.. والعيش يرفض أحلامي ويطويها
* * *

آهٍ.. صَديقي..
وَحيدا أَمضي بعيدا..
عُمري خَلفي، وزَادي أَمامي،
وأَعبائي فوق كاهلي، وطريقي مَجْهَلٌ يطول،
خوفي شَديد، وأَملي لم ينقطعْ..
ومهجتي على راحتي.. وداخلي يقول:
“تزوَّدوا.. إنَّ خيرَ الزَّادِ التَّقوى “.
راحةُ النفسِ خيرُ رفيقٍ، يا صديق..
ونورُ الرُّوحِ يُفضي إلى مَجرَّاتٍ لا تعرفُها الرُّوح.
في الفجرِ، ينتشرُ الضَّوءُ، ويرتفعُ نشيدُ الحياة..
الكائناتُ من حَولي تتحرَّك.. تتكلَّمُ..
وتعبِّرُ عن وجودِها..
كلٌّ بأسلوبه الفريد..
تسعى إلى رزقِها، تَتصادَمُ، وتَقْتتل..
تسيلُ اللَّعَناتُ، وتسيلُ الدِّماء..
ثم تؤوبُ الأنفسُ إلى ذَواتٍ، إلى ما يشبِهُ الذَّوات،
تقبعُ في كهوفها.. مشبعةً بالخوفِ والجراح،
بالقهرِ والعذاب..
تلجأُ من عذابها ورعبها، إلى رِغَابها في غابها..
ترتعُ ثم تَهدأ.. وتسكنُ مثلَ رمادِ المَواقِدِ، والتُّراب..
تلفُّها عتمةٌ، تفوقُ عتمةَ الفسادِ، والظَّلامِ، والعَفَن..
يبابٌ في يباب..
ترابٌ في ترابْ
ـ 2 ـ
آهٍ.. صَديقي..
مِن زَمن..
حضورُه غِياب،
ولهوهُ شَجن..
أخاطبُ الضَّبَاب..
أقول: آنَ يكون في المَدى حُضور،
يكتسحُ الذُّباب، ويُبْطِلُ الغياب..
أقول في ضُحاهُ، في البكورِ، في سويعاتِ الإياب:
” الله.. يا.. صَمَد..
يا واحدا أَحد..
باركْ قلوبَ الناسِ، باركْ وعيَها،
واجعلْ طريقَ الظُّلمِ مَسدُودا،
ويومي خَاليا من النَّصبْ..
في الظُّلمِ رُعبي يا إلهي، والنَّصَبْ..
ومِن نُفوسٍ حقدُها ملءَ الحِقَب..
رصيدُها.. كلُّ مفازاتِ العَذابِ والنُّوَب..
آهٍ.. إلهي، مِن أَفاعٍ
شكلها شكل القَصَب..
من ساعةٍ تفضي إلى سيلِ الفظائعِ، والغَضب..
من وقفةٍ، فيها الحساباتُ تُصَفَّى بالخناجرِ، والقنابلِ، واللَّهب..
آهٍ إلهي، من أَفانينِ النُّوَب”.
ـ 3 ـ
يا.. يا صديقي..
تبزُغُ الشَّمسُ..
وأَمشي في طريقي..
يَغْمُرُ النَّفسَ رُذَاذٌ، لا يدانيهِ المطَرْ..
ما أَلَذَّ المشيَ في النورِ، ويسقيك رُذاذٌ من مَطر،
ما أَلَذَّ الماءَ رَهوا، فوق وجهٍ يشتهي وقع الرُّذاذِ والمطَر..
إنَّ الطَّبيعةَ حينَ يُسفِرُ وجهُها،
أَبهى، وأَشهى للحزينِ.. من القَمر.
ما أجملَ الأشياء، يُكشَفُ سِرُّها،
تُفضي إليكَ بسحرها.. وتصيرُ كالأمِّ الرَّؤوم..
يجتاحُك الحبُّ، وتحيا في الأمان..
هل يا تُرى تدريه ما معنى الأمان؟!
أَمشي وأَمشي.. يا صديقي في المَطر..
دربي جَهولٌ، عالمي مَجهول..
وكُلِّيَ الذُّهول..
في مَجْهَلٌ أَنا، أَخشى المهَولَ والجَهول..
في.. كلِّ خطوي خَوف..
من بَشَرٍ، من لغمٍ.. سيارةٍ مفخَّخة..
برميلِ شَرٍّ ينفجر…
قذيفة عيارُها ثقيل..
أَمشي وأَبقى قَلَقَا، تَحَسُّبا، وهْجَ جَحيمٍ،
تائها، طريقه يطول،
أخافُ من رصاصةِ، قَنَّاصةٍ، تفجِّرُ الرُّؤوس..
من قاتلٍ يقبعُ خلْفَ القَلْب والعَصَب،
يسرقُ أمني، مُهجتي،
يقتلُ صوتَ الناسِ، يفعلُ العَجَب..
أَمشي.. وأَمشي.. يا صديقي في المَدى..
وليس لي سوى الإله مرشدا..
فهديُه هو الهُدى..
لسانيَ العَليل،
لسانُ حَالٍ ذابِلٍ، كَلِيل..
ينطقُ عن قلبي بصوتِ الرُّوح..
حَرْفُهُ صِدقُ النَّفسِ، إذ يقول:
“أسأَلُكَ اللَّه الهُدى..
وأنْ تهيِّيِّ رَشَدا..
للحاكمِ الضِّلِّيل
لعابرِ السَّبيل
أَقولُ.. ثُمْ أَقولُ.. ثُمْ أَقول..
أديرُ ظهري للكلامِ، للعَويل..
لأنهرٍ من الدِّماءِ والدُّعاءِ، في الصباحِ، والأَصيل..
لسَاسَةٍ، وجوهُهم قوسُ قُزَحْ..
أَقوالُهم أَلوان..
أَفعالُهم أَلوان..
وقتلُهم لكلِّ أشكالِ الحَيا.. أَلوان..
أُديرُ ظَهري للرَّدى، وللنَّدى..
لكلِّ وغدٍ قاتلٍ مَجهول،
وأَرْقَطٍ مُمَوَّهٍ بالرَّملِ والصّوان..
يصول
يُدَمِّرُ العمران والعقول
ـ 4 ـ
أَمشي.. وأَمشي..
قدماي في الفخ..
وبينَ كلِّ تفجيرَيْنِ أَو طَلقتين..
أَسمَعُ موسيقا الرُّعب في الرُّوح،
وتَنْثالُ في أَعماقي الأَسئلة:
إلى أين؟ وإلى متى..؟!
أحارُ بأمرِ عُصفورِ الدّوريِّ الذي يقفز أَمامي..
أَهمسُ له كي لا يخافَ مِنِّي،
أقول له: لستُ ذلك الذي يحملُ القَسوةَ في قلبِهِ، والموتَ على كَتفه،
لا تخفْ مني..
يا عُصفورَ الدُّوري الذي يحْجِلُ في فضاءِ روحي.. مهلا.. مهلا..
هلْ تملأُ فضاءَ دَربي سَلوى، أمْ تخفِّفُ عليَّ البَلوى،
أم تحملُ رسالةً، إنذارا، تذكارا.. ماذا..؟!
ماذا تُراك ترى ممَّا لا أَرى، وتعطيني ممَّا أَفتقدُ إليه؟
وماذا تقول لي، إنْ كنتَ تعرفُ أكثر مِنِّي، عنِّي..
عن حاجاتي وعيوبي ودروبي وخطوبي؟
لماذا تلازمني، وتقفز أمامي، ومِن حولي..
إذا كنتَ لا تعرفُ شيئا ولا تزوِّدني بشيء..!؟
هل تُلْهيني عن نفسي، أمْ تفرِّجُ عنِّي كربي،
أمْ تزرعُ أمامي الأسئلة..
توسِّع مفازات الوهمِ، لأتلهَّى عن الغمِّ، الهَمّ؟!
خففْ من حركتكَ أرجوك.. فقد زاغَ بَصري،
دُختُ، وكدتُ أسْقط..
أَصرُخُ في هذا المَدى، وأَصرُخ..
إلى أين..؟ لا أعرف..
ومن أين..؟ لا أعرف أيضا..؟!
إخالُ أنَّ لَدَيَّ من الأوهام عن المَكانِ الذي جِئتُ منه،
أكثر بكثير ممَّا لدَيَّ من الحقائق عنه،
وعن المَكان الذي أَمضي إليه..!!
لا أريدُ أنْ أغرَقَ في متَى وكَيف،
بَشِمْتُ من متى وكيف..
كلُّ ما حولي: متى، وكيف.
تعبتُ.. تعبت..
أسلمتُ أمري إلى لله..
به آمنتُ، وعليه توكَّلتُ، وإليه أنبتُ، وبه استَعنت..
أسأَلُه أن يساعدَنا على ما نحن فيه،
فنحنُ نستحقُّ أفضلَ ممَّا نحن فيه..
أسأَلُه.. إذ لا مُعينَ سواه.
اتركني يا عُصفورَ الرُّوح،
أبعدْ عني..
أنقذْ روحَكَ مِنِّي.
ـ 5 ـ
يا صدقَ صَديقٍ..
إنَّ الليلَ يزول..
زهوُ الفجرِ يزول..
وهجُ الشمسِ يزول..
قهرُ الظُّلْمِ يزول..
والإنسانُ الحيُّ يزول..
وجهُ اللهِ بقاءٌ وحدَه..
نحنُ السَّفَهُ الدّامي..
نحن القيدُ، النُّكرُ، الكَيد..
نحنُ تَمرُّد..
عندَ الحَقِّ تمرُّد،
عندَ البُطْلِ تمرُّد..
عندَ الله، وعندَ الخلق تمرُّد
منه الصّالحُ، منه الطَّالح،
منه الفائضُ حدَّ الحاجة،
لكنْ.. مهما كنَّا، أيّا كان..
يُرفَضُ قَهرُ الخَلقِ،
أكلُ الناسِ، وشربَ دِماء الناس،
ليعلنَ فاتِكْ:
“هذا يخلد فوق الناس..
وهذا يحُكمُ كلَّ الناسِ،
وهذا يَفضلُ كلَّ الناس.. ؟!
يُرْفَضُ فرضُ النَّاسِ، بقوةِ بأسِ الناس..
وقدرة بعضِ الناسِ على الإبلاس..
يُرْفَضُ بأسٌ يقتلُ، يُرفَضُ يأسٌ يقتل..
سعيٌ قاتل، يقتل..
يقتل شَخصا، يرفعُ شَخصا، باسم القُوَّة
كلّ الناسِ عبادُ اللهِ..
الدَّم حرامٌ، لَحمُ الأخِ الحَيّ، المَيتِ.. حَرام،
كلُّ الفتنةِ شَرُّ، فعلُ حَرامٍ..
كلُّ الكِبْرِ.. الظُّلمِ.. القهرِ.. القَتلِ.. حَرام..
كلُّ فجورِ القومِ حَرام..
يا ظُلَّامْ..
من أعطاكمُ حكمَ اللهِ، وشرعَ اللِه، وعدلَ الله..
ما أَنتمْ، إلا ظُلَّام..
ما أَنتمْ، إلَّا الإجْرام.
ـ 6 ـ
نحنُ تَمَرُّدْ..
خَلْقٌ يَفْسُدُ، يُفْسِدُ.. لا يَتَرَدَّدْ.
نحنُ تَمَرُّدْ.
حينَ نَصيرُ رَمادا، نَرفُضُ أَنْ نَتَرَمَّد..
نَنْسى المَوتَ، نُزَوبِعُ ذاتَ الموتِ، كي نَتَجَدَّدْ..
نسعى نحوَ خُلودٍ أَوحَد..
يا الله.. ماذا فينا، كي نَتمرَّدْ؟؟!
بَشَرٌ نَحنُ، خَلْقُ الله..
فينا مَنْ يعبُدُ غَيْرَ الله..
فينا مَنْ يَرْفُضُ حتى الله..!!؟
يا الله.. ماذا فينا، كي نَتَمَرَّد؟!
إبليسُ، خَلْقُ اللهِ، تَمرَّد،
آدمُ، خلْقٌ، خالفَ أمرَ الله، تَمَرَّد..
غِلغامشُ أيضا..
خاضَ مَخاطرَ جَمَّة،
بَحْثا عَنْ سِرٍّ، يُبْعِدُ عَنهُ المَوتَ..
لِيَحْيا عَبْرَ خُلودٍ غَامر..
هذا أمرٌ، ما قَدَّرَهُ اللُه..؟!
لا يوجدُ حَيٌّ خالد..
أَمرُ اللهِ.. ويبقى الله.
فينا نَحْنُ، الخَلْقَ، تَمَرُّدٌ،
فينا كلُّ التَّوقِ، الشَّوْقِ، العُنفِ، الشَّرِّ، الخَيرِ..
وفينا لَوْنُ الثَّورَة..
ما سِرُّ الناسِ..
هَدَفُ الناسِ..
يَقينُ الناس؟!
أَشعُرُ أَنِّي العَجْزُ عن التَّخْمِين..
أَشْعُر أَنِّي أُمْحَى، إنْ قارَبتُ السِّر،
إن قَارَبَ طِيني النُّورَ.. نَشَدْتُ، بعْضَ يَقين.

- 7 -
لم أَفتَح البَوابةَ اليَسار،
لم أَفتَح البَوابةَ اليَمين،
لِأَحْصُدَ اليقين..
قد سِرْتُ، حسبَ أَمرِ اللِه، في الوَسَط،
فلامَني الأَنام..
لأَنَّني أَسيرُ في الوَسَط..
لم أَدر أَنَّ كثرةً، تُحاربُ الوَسَط..؟!
أَتعَبني الكلامُ، والمَلامُ، والزّحام..
زَهِقْتْ..
فَنِمتُ نَوما ما به أَحلام،
تَرَكَني الأنام..
أَنام.
واستيقظَ الظَّلام..
في دَاخلي،
من فوقِ رأْسي،
في عيوني،
في الطريق.. في الأحلام..
من كلِّ ثُقْبٍ، كُلِّ جرحٍ، ينَزفُ الظَّلام..
في كلِّ دَربٍ عَسْكَرَ الظَّلام..
في كلِّ زَهرٍ فَتَّحَ الظَّلام.
سَالتْ دموعي من فَمي.. وقلتُ: يا مُعِين..
أَعنْ قلوبَ المُتعبيَن البائسين..
أَعنْ قلوبا عمرُها عمرُ البراعمِ، والنَّدى،
وعُمرُ زهرِ الرَّوضِ، عُمرُ الياسمين..
أعنْ أناسا زادُهُم: بعضُ المحبَّةِ، والتوكُّل، واليقين..
أعنْ شعوبا أرهقَتها الفِتنُ الحمراءُ، والحقدُ الدَّفين..
أعنْ.. أعنْ..
أَعنْ.. وجنِّبنا المذلَّةَ، والتشرُّدَ، واحتقارَ الآخَرين..
أَعنْ.. أَعنْ..
أَعنْ.. أَعنْ..
فقدتُ صوتي، ثمَّ نفسي، والطريق،
صرتُ من بعضِ الرُّكام الغَثِّ..
تحتَ سقفٍ من ظَلام..
سَقفُ طُغيانٍ، وهِذيانٍ، وإرهابٍ زُؤام،
صرتُ أعمى، هائما وسْطَ الزّحام..
صرتُ أهذي: يا أخي ارشَدْ،
بعضُ حبٍّ، بعضُ ودٍّ، بعضُ رفقٍ بالأنام.”..
فيردُّ وحشٌ من فِتَنْ..
جَوفٌ تفجَّرَ بالنَّتَن..
سَيفٌ تَجَرَّدَ للمَهالِكِ، للمِحَن..
وتلُفُّني صَرخاتُ موتٍ في الظَّلام..
وأَصيرُ رعبا، بعض رُعبٍ في الأنام!!
ـ 8 ـ
آهٍ.. صديقي..
يتَّمَتْ قلبي أَناشيدُ العبيد..
لا عيد في ليل العبيد..
لا عيد..
بل هيْنماتٌ من رُخام..
وأَعْيُنٌ فيها تلاوينُ الظَّلام..
ضارعاتٌ في بلادِ الشَّامِ، ينشُدْنَ الطَّعام..
ودمارٌ لِبلادي، وسلامٌ ثَعْلَبِيٌّ لا يُرَام..
أينَعتْ رُوحي.. تَعِبْت..
يا.. صديقي..
أَينَ رشدُ الناسِ في هذا الخِصَام.
أَصْحَرَتْ كُلُّ بلادي؟!
أَصْحَرَتْ كُلُّ الشَّآم!؟
* * *

إلى الأعلى