Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

شـذرات مـن هـدي القـرآن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (15)

ناصر بن محمد الزيدي
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين ، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الـحـيث مـوصـولاً عـن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في الـنـفـس: إن قـوله تعالى:(الْخَاسِرُونَ)، تــدل عـلى أن الـصـفـقة انتهـت وضـاع كل شيء لأن نتيـجـتـها كانت الخـسـران الـمـبين الـدائـم، ولـيس خـسرانـاً مـوقـوتـاً لـفــتـرة ثــم ينتهي إلى غـير رجـعـة، ولـيـس هـو الخـسران الــذي يمـكـن أن يـعـوض في الـصفـقـة الـقـادمة، بـل هــو الخـسـران الأبــدي لأن الـصـفـقـة الأولي هـي الـصـفـقـة الـوحـيـدة، فـلـيست هـنالك صـفـقـات، إن خـسـر صـاحـبها في الـصـفقـة الأولى يأمـل أن يـسـاعـفه الحـظ في الـصفـقـة الـثانية.
والـنـدم عـلـيها سـيكـون شـديـدا، واقـرأ قـوله تعالى:(إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) (الـنـبـأ ـ 40).
لـماذا يتـمنى الـكافـر أن يـكـون تـرابا في ذلك الـمـوقـف الـعـظـيم؟ لأنـه يـرى هـول الـعـذاب مـاثـلا أمامه يـنتـظـره، فـهـو مصـيره، وذلك هـو الخـسـران الـذي تـعـرض له، وهـذا دلـيـل عـلى شـدة الـنـدم، يـوم لا ينـفـع مال ولا بـنـون، يـوم لا ينـفـع الـنــدم.
عـلى أن الله عـز وجـل تحـدث في هـذه الآيـة عـن الخاسـرين، ولـكـنه جـل جـلالـه تحـدث في آيـة أخـرى عـن الأخـسـرين أعـمـالاً، فـقال تعالى:( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا، ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) (الكـهـف 103 ـ 106).
إذن: فـهـناك خـاسـر، وهـناك مـن هـو أخـسـر، والأخـسـر هـو الـذي كـفـر بالله عـز وجـل وكــذب بـيـوم الـقـيامة، واعـتـقــد أن حـياته مـقـصـورة في الـدنيـا فـقـط، ولـم يـكـن الله فـي باله وهـو يـعـمـل أي عـمـل، بـل كانت الـدنـيـا هي التي تـشـغـله، ثـم فـوجيء بالله أمـامه يـوم الـقـيامة يحـاسـبه حـساباً عـسـيراً، ولـم يحـتسـب له أية حـسنة، لأنه يـقـصـد بحسـناته الحـياة الـدنـيـا، فـلا يـوجـد له رصـيـد يـوصـله إلى سـعـادة الآخـرة.
والعـجـيـب أنـك تـرى الـناس، يـعـدون للحـيـاة الـدنيا إعــداداً قـوياً، فـيرسـلـون أولادهـم إلى مـدارس لـدراسـة اللـغـات، ويتـحـمـلـون في ذلك مالا يـطـيـقـون، ثـم يـدفـعــونـهــم إلى الـجـامـعـات أو إلى الـدراسـة في الخـارج، وهـم بـذلك يـعــدونهـم لـمسـتـقـبـل مـظـنـون، ولـيس يـقـينـياً، لأن الإنـسان يـمـكـن أن يـمـوت وهـو شـاب، فـيـضـيـع كل ما أنـفـقـه أهـلـه مـن أجـله، ويـمـكـن أن يـتـم هــذا الاعــداد، ولـكـن ينـحـرف في آخـر مـراحـل الـدراسـة، فـلا يـحصـل عـلى شيء، ويـمـكـن أن يـتـم هــذا الاعــداد كله، ثـم بـعــد ذلك يـرتـكـب جـريـمـة يـقـضي فـيها بـقـية عـمـره في الـسـجـن فـيضيـع عـمـره كله ومـا أنـفـق مـن أجـله.
لكـن الـيـقـين الـذي لاشـك فـيه، هـو أنـنا جـميعـا سـنلاقي الله تعالى يـوم الـقـيامة، وسـيحـاسبنا الله تعالى عـلى أعـمالـنا بـغـير ظـلـم ولا حـيـف، ومع أن هـذا يـقـيـن لا شـك فـيه ولا يمـاري فـيه أحــدر، فإن كـثيراً مـن الـناس لا يـلتـفـتـون إلـيه، ولا يـسـعـون إلا للـمـسـتـبـل الـمـظـنـون، ولا يحـس واحـد مـنهـم بـيـقـين الآخـرة.
فـتـجـد قـلـيـلاً مـن الآبـاء والأمـهـات، هـم الـذين يـبـذلـون جـهـداً لحـمـل أبـنائـهـم عـلى الـصلاة وعـبـادة الله والـمحـافـظة عـلى الأمـانـة، واحـتـرام الآخـريـن ويـحـرضـونـهـم إلى كل عـمـل يـقـربـهـم إلى الله، فـهـم بـذلك أدركـوا الأمـانـة التـي اتـمنـهـم الله عـلـيـها، ويـتصـورن قـولـه تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّـهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (الـتحـريـم ـ 6).
إن الله يعـجـب مـمن خـلـقه مـن عـــدم ورزقـه مـن عــدم ، ولا يـتـذكـر خـالـقه ولا يـتـذكـر تـلك الـنـعـم التي أنـعـم الله بـها عـلـيه، ولا عـلى التـفـضـيـل والـتـكـريـم قال تعالى:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسـراء ـ 70)، وقال الله تعالى:(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّـهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (الـبـقـرة ـ 28)، كـيف في اللـغـة للسـؤال عـن الحال، والله جـل جـلاله أوردهـا في هــذه الآيـة الكـريمـة لـيس بـغـرض الاستـفـهام ولـكـن لطـلب تـفـسير الأمـر العـجـيـب، الـذي ما كان يجـب أن يحـدث، وبـعـد كل ما رواه الله تعالى في آيـات سـابقـة مـن أدلة دامـغـة عـن خـلـق الـسمـوات والأرض وخـلـق الـناس، أدلة لا يسـتـطـيـع أحـد أن يـنـكـرها أو يخطـئها، فـكـيـف بـعـد هـذه الأدلة الـواضحـة تكـفـرون بالله؟، وقـد خـلـقـكـم مـن عـدم ورزكـم مـن عــدم، وأسـبـغ عـلـيـكـم نـعـمه ظـاهـرة وبـاطـنة وفـضـلكـم عـلى كـثير ممـن خـلـق.
لـقـد كـفـرتـم بالله وكـأنـكـم غــير محـتاجـين إلـيه سـبحانه وتعالى، ثـم إنـك مـا الـذي يـفـيـدكـم كـفـركـم بالله، ولا مـبرر لـهـذا الكـفـر ولاحـجـة لـكـم فـي ذلك ولا مـنـطـق يـسـعـفـكـم عـلى كـفـركـم بالله، والـسـؤال يـكـون مـرة للـتـوبـيخ، كأن تـقـول لـرجـل: كـيـف تـسـب أباك وكان سـبب وجـود في هــذه الـدنيـا؟.
فأنت تـتـعـجـب مـن شيء قـد فـعـله، مـا كان يجـب أن يـفـعـله وكـلاهـما مـتـلاقـيان، سـواء كان الـقـصـد الـتـوبـيخ أو الـتـعـجـب، فالـقـصـد واحـد، لـهـذا ما كان يجـب أن يحـدث مـنـكـم.
حـكـمة: إلـهـي قـد دفـعـتـني العـوالـم إلـيـك، وقـد أوقـفـني عـلـمي بـكـرمـك عـلى عـبادك.
.. وللحـديث بـقـية.


تاريخ النشر: 24 أغسطس,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/278995

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014