الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / المغامرة ولكن بشروط

المغامرة ولكن بشروط

عادل سعد

تظل المغامرة، أية مغامرة منفذًا من المنافذ التي لا يمكن للإنسان أن يتخلى عنها شرط أن تكون محسوبة وبغطاء واقعي جزئي وذات حافز إيجابي، وإلا فإننا نقع تحت طائلة التنميط وأصولية الواقع الرتيب المنقطع عن فرصة الاستكشاف وما يتبعها من دهشه وانبهار وتجدد.
ومع تعدد المغامرات، من مغامرة اكتشاف قارة مجهولة، أو جرم سماوي، أو سمكة عمياء في أعماق البحار، أو عقار طبي للقضاء على مرض إيبولا، أو مغامرة عاطفية على طاولة الشاعر الراحل نزار قباني في التوليف بين العصافير والبيادر، أو الهجرة غير المشروعة عبر بحار لا ترحم، أقول مع تعدد المغامرات تحتل المغامرة العلمية، أي الإنجاز العلمي غير التقليدي قصب السبق لأنها بالضرورة تستدعي الخروج من دوائر الدراسات الرتيبة الموظفة لصالح النمط العلمي التقليدي الذي دأبت عليه أغلب المؤسسات الأكاديمية العربية باقتفاء أثر السابقين على هذا الطريق من خلال تصفح الواقع البارد من المعرفة، وليس الصفيح الساخن، وهكذا تتلوى الحقيقة بين الجفاف والطراوة، وبين التبسيط والإثارة الفارغة التي قد ترضي، لكنها في كل الأحوال لا تؤسس لشيء إضافي حتى استحق التشخيص أن أغلب الأكاديميات العربية تحولت إلى مقابر زاخرة بالموتى من البحوث، بل استحق القول إن هذه الأكاديميات تجيد الابتعاد عن طروحات على درجة من المعاينة الذهنية المشرفة.
إن ما أشرت إليه لا يلغي حقيقة أن بعض الأكاديميين والدارسين تجاوزوا هذا التنميط لكنهم دفعوا أثمانًا باهظة لم تقل في يوم من الأيام عن الثمن الذي دفعه ابن المقفع لاجتهاده فضرب على رأسه بحزمة من مخطوطاته حتى مات، والقائمة تطول من ابن رشد الذي أحرقت داره، إلى ابن سيناء وابن خلدون وطه حسين وفرج فودة ونجيب محفوظ، وبالعودة إلى أجواء المغامرة العلمية الحديثة فلنا أن نتوقف عند جهد باحث أميركي كتب رسالة ماجستير على درجة من الدقة عن المعالم النفسية لمستشار الأمني القومي الأميركي الأسبق كيسنجر، وكانت مصادر رسالته قمامة هذا السياسي البارع من علب طعام فارغة وقصاصات ورق ودبابيس ونظارات طبية عاطلة وعلب معاجين أسنان، واستنتج الباحث من قمامة كسنجر أنه كان بخيلًا، لأنه أي الباحث لم يعثر في يوم من الأيام على دولار واحد في أكياس تلك القمامة.
ومن المغامرات العلمية التي لا بدّ من الإشارة إليها دراسة أكاديمية ما زالت في طور الاستكمال تضطلع بها باحثة في جامعة بغداد بعنوان يبدو مضنيًا هو (خصخصة الحرب) في العراق وكأنها بذلك تريد أن تدحض نظرية جان جاك روسو الذي قال (إن الله خلق المرأة وخلق الزهرة مرادفًا لها).
إن الإبحار في موضوع خصخصة الحرب يمثل بحق ورطة دراسية متشعبة، فأية ضريبة ذهنية معقدة على الباحثة أن تؤديها لتفكيك معنى خصخصة الحرب، وأية شجاعة نادرة ينبغي أن تتنكب بها في قهر الخشية من احتمال أن يمس الموضوع ديناصورات سياسية وأمنية على درجة من الشراسة والتسلح بالدراية والفراسة العسكرية.
إن خصخصة الحرب تعني الشركات الأمنية بكل ما فيها من مجالس إدارات ومنظري أسلحة، وحراس يتمنطقون عقليا بأحدث كوبونات التحسب مع هامش من فطنة الأرانب تماهيا مع حقيقة أن العيارات النارية تحمل بذور عشوائيتها معها.
وخصخصة الحرب أيضا هي مفازات من الشك ومحاضر صفقات أسلحة يتم بعضها تحت الأضواء وأخرى في أعالي البحار حيث تحولت بعض السفن العملاقة إلى سوق عائمة لتجارة من هذا النوع.
وخصخصة الحرب أيضا لن تفلت من مسؤولية الرصاص الذي تكررت له مشاهد في أفغانستان وباكستان والعراق وبلدان أخرى.
وفي هذا السياق أيضًا، أحد الشكوك الأساسية التي دائما ما ترمي ظلالها على بعض الساحات في البلدان النامية، أن البعض يجد في المغامرة السياسية المرهونة بخصخصة أمنه الشخصي عنوانًا لتسويق نفسه!
وعودة على بدء، نحن في البلاد العربية بحاجة ماسة إلى لائحة عمل من أجل اعتماد المغامرة العلمية التي تضع في الاعتبار كيف يمكن أن ننتشل بلداننا من التعتيم البيئي، والنقص الزراعي، والولع في تشييد الهياكل الإدارية الفارغة، وكيف يمكن أن تكون إرادتنا الصناعية مبنية على براءات اختراع من عقولنا، وأن نعلم أطفالنا التحلي بالمتعة والفطنة والبشارة وهم يتلقون علومهم، مثلما يتمتع أغلبهم الآن في المنافسة بين فريقي ريال مدريد وبرشلونة!

إلى الأعلى