الخميس 15 نوفمبر 2018 م - ٧ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / ” كيدها ” .. شذرات لقاريء آخر
” كيدها ” .. شذرات لقاريء آخر

” كيدها ” .. شذرات لقاريء آخر

أرشد العاصي ـ أربيل أديب وناقد عراقي

أرشد العاصي ـ أربيل أديب وناقد عراقي

منذ الوهلة الأولى من قراءة كتاب (كيدها) للأديب عبدالحميد الطائي، تيقنتُ بأن هذه الشذرات المزركشة بوميض الحكمة ويواقيت العبرة والعظة ليست لقاريء عادي. فقد انبثقت ذكرياتي العتيقة مع أول كتاب قرأته بنفس المنوال ـ من حيث السبك ـ للكاتب الكُردي (عباس عبدالله يوسف) لاسيما فيما يتعلق بخصوصية التجربة وجذب المتلقي نحو منعطف مُلغز لتنجلي إزاء عينيه لوحاتٍ دامغة وغير مألوفة لم يبصرها من قبل.
هناك ثلاث نقاط مهمة في هذا الكتاب الصغير بحجمه والأثيث في فحواه ـ النقطة الأولى تتعلق بهذه اللغة الرزينة التي تشبّ صعوبة الفهم والقراءة أحيانا ـ إذا جاز التعبير ـ فالجيل الجديد يلقى عراقيل باثقة في إدراك اللغة بهذه السَحنة ومفرداتها الأثيلة بغضّ النظر عن المعاني المبجّلة والمقاصد الجازمة والأفق النطيسة. فاللغة قد وصلت للقنّة، وأنا قاريء لا أحبّذ الجُمل المكشوفة، أهيمُ صبوة في الشِعر الذي يقودني للتأملات الفارعة والوقفات السامقة والتحديق الصقب، وهذا الكتاب كان عز الطلب، فقدّم لغة وارفة وتعامل غير دارج مع الكلمة ليعرب عن الواقع الوجيع.
أما النقطة الثانية فهي عن الحكمة التي تحملها الكلمات في طيّاتها فكل كلمة تفيضُ صرصراً من المعاني الثاقبة و زوبعة شزراء من التأثير ـ كومُ جيَشانٍ من الغيظ تترجمُ على خلقة أحرفٍ غير تقليدية تلفّكَ بحشدٍ من رعشات التمرّد السويّ، وتجعلكَ أن تغوص في معالمها بلا شك.
النقطة الثالثة هي ثورة الذات من أجل المبادئ وعدم الانقياد للبغي والزيغ وامتناع المشي مع القطيع ـ براكينُ متأججة للنفوس الحرة التي تصرخ عن هول المآسي والنكسات المتتالية والانكثام، دعوة حق للرجوع إلى الأصل والبحث عن البوصلة الأخلاقية التي فقدتها أمته. لهذا مع قراءة أول سطرٍ يجرّكَ للنسائم التي اختنقت بالدخان والأصابيح المصفدة بأغلال القتامة والليالي اللامتناهية ـ ولكن مع كل ذلك يتجلّى وهج المعنى في الأخير ليتمتم لنا: ستشرق شمس الوعي.
في كتاب (كيدها) سلاف الومضات مقشوبٌ بماء الرُشد والجزالة ويقدم لنا صوراً شعرية ملأى بالحصافة والفروهة والمَضاء. ولا ننسى بأن إخراج الكتاب بهذا الشكل المفعم بالصور اللاذعة والمؤثرة حد خدش المشاعر واتقاد القلب كان مكملاً لحالة الخذلان التي تنبعُ من النصوص. وفي الختام أني سعيدٌ بمعرفة أديبٍ نبيل مثل عبدالحميد الطائي من خلال هذا العمل المُشرق، والحب كلّ الحب لمن أهداني الكتاب لأتأمل في عصيانٍ قائظ أكثر من قبل.
يُذكر أن كتاب (كيدها) صدر عن منشورات جريدة (الوطن) العمانية سنة ٢٠١٧ ـ جاء بـ (٥٠) صفحة ومن القطع الصغيرة بحجم الكف.

إلى الأعلى