الأحد 23 سبتمبر 2018 م - ١٣ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: العودة إلى الوظائف ورصيد الذكريات

في العمق: العودة إلى الوظائف ورصيد الذكريات

د. رجب بن علي العويسي

يأتي طرحنا لهذا الموضوع للقناعة بأن ترقية الشعور المزاجي للموظف ما هو إلا انعكاس للحالة النفسية والفكرية والترويحية والذوقية التي قد تشكل الإجازة الصيفية والإجازات في المناسبات الوطنية والدينية أحد خيوطها بما تضيفه عليها من مساحات التغيير وفرص التحول، وها هي الاجازة الصيفية قد آذنتنا بالرحيل لتبدأ مرحلة جديدة من العطاء بعد فترة وجد فيها البعض فرصتهم لتغيير نمط الروتين وإعادة برمجة الواقع الوظيفي بما أضافته من لمسات التجديد لحياتهم والرصيد اليومي الناتج عنها، بما حملته من متعة السفر وفرصة الاطلاع على حياة الشعوب وثقافاتها وأساليبها في إدارة متطلبات الواقع، وما أوجده تعدد البيئات السياحية وتنوعها في النفس مساحات الرضا والايجابية والاستمتاع، والمفردات الحياتية التي يمكن ان يعكسها المواطن على واقعه الوظيفي، لتبقى رصيدا مهما له، وذاكرة في قاموس التغيير وفلسفة التصحيح التي يمارسها في معالجة اخفاقات الذات بما يعيد انتاج مساره الوظيفي القادم.
وبالتالي إلى أي مدى يمكن للرصيد الذي تنتجه الإجازات الصيفية وغيرها في ذات الموظف من تغيير الحالة المزاجية له وترقية جانب الشعور المهني لديه عبر ذكريات حالمة وأحداث مثيرة تحمل معها المغامرة والألق والرقي، فتغذي النفس وتبهج الخاطر بما ينعكس على الممارسة الوظيفية، وتنقله إلى عوالم مختلفة يستقرئ خلالها منتوج الثراء المعرفي والقيمي والأخلاقي الذي يحتاجه في تقوية أساليب العمل ومعززات الأداء، وهي إن أُطرت معالمها ومناظرها ومحطاتها الجميلة في حنايا الأمل ومكامن التأمل ونبض الشعور، فرصة لإعادة صناعة الواقع الوظيفي وتغيير هويته ليصبح رصيدا إيجابيا داعما للإنتاجية مؤصلا للكفاءة، تتفاعل فيه مقومات الشخصية العمانية في تفردها مع ما اكتسبته من مكونات البيئات السياحية من بساط أخضر ومنظر بهيج أو ما رصدته عدساتها من ثقافات متنوعة واساليب حياة متعددة وأنماط مختلفة في إدارة ملامح التطوير، لتقترب بالفرد من مبدأ التغيير الذاتي في الممارسات وطريقة التفكير في أساليب العمل وإعادة صياغة لحن التجديد في مفهوم العمل الوظيفي وطريقة أداء المهام، فيعبر عنها الموظف في طريقة إدارته لمعطيات الواقع المتجدد له في اختصاصات الوظيفة التي يمارسها ليضيف إلى بعدها المهني والإنساني والاجتماعي والوطني أبعادا أخرى ولمسات أنقى تعبر عن فرص الذوق والتقدير والاخلاص التي يصبغها في أداء متطلباتها ووصولها إلى المستهدفين منها بجودة عالية وبأمانة لا تتدخل فيها ذاتية النفس، وقد اكتسب من ممارسات الناس وقيمهم وهو يتجول في بلدان العالم ويقيم أسس المعاملة وطريقة التعامل والأسلوب الذي يمارس عليه في إنجاز معاملته أو السرعة في تسهيل دخوله، مشاهد حية ترسم أمامه واقعا مغايرا أو متناغما مع ما يسلكه في وظيفته، وكيف يمكن أن يسقط على ممارسته لوظيفته لحنا جديدا وعملا مبتكرا، قوامه التجديد المستمر والعطاء النوعي والابتكارية في الأداء وجاهزية البديل، وفهم بيئة العمل وثقافته وفق مؤشرات جديدة ومدخلات متنوعة، بالشكل الذي يضمن للممارسة الناتجة عنه قوة في الأداء وتحولا في السلوك وجدية في الانجاز ومنهجا في التعامل وأريحية في التواصل.
من هنا فإن قدرة الموظف على الاستفادة من رصيد ذكريات الإجازات بما تحمله من فرص وما أسسته من قيم ومبادئ، مرهونة بسمو قناعات التغيير ذاتها، ورغبة التطوير التي ينتجها في صناعة فارق الممارسة، وهو يبدأ بممارسة مهام عمله التي انقطع عنها في فترة إجازته، وما يضفيه عليها من حماس العودة وتفاؤلية الحديث، وبشاشة الطلة، ورونق الأسلوب، منطلق لرسم اطار قادم يتفاعل فيه عن اختيار ورغبة مع متطلباتها، ويستشرف به جودة الاداء فيها، ليصبح تعاطيه مع الوظيفة معادلة تعكس جملة من المعطيات الحياتية كنتاج لما اكتسبه من معارف وخبرات وتجارب ومواقف سابقة، فيعمل على بلورتها في سلوكه وتأطيرها في خططه وأجندة عمله اليومية، كونها مدد يستمد منه طاقة معالجة ضغوط العمل لتنطبع في ممارساته القادمة موجهات عمل رصينة يستنطقها لخدمة وطنه وبناء سلوك المواطنة عبر صدقه في عمله وإخلاصه في أداء الأمانة، والتيسير على الناس وحفظ حقوقهم وحسن توجيههم ورعاية مصالحهم، وفهم القانون، وادارة وقت العمل الرسمي بفاعلية، ليتجاوز منغصات الانجاز ومعطلات الأداء، ويمحو من ذاكرته سلوك الاحباط، ليبدأ صفحة بيضاء ناصعة تحمل نوافذ الأمل وتضيء مصابيح العمل وتتيح للنفس فرص استدراك ما فات من تقصير، فيزيل عنها جانب الذاتية ويصقلها بضابط الالتزام، فتكبر في ذاته قيمة الانتاجية، وتعلو في نفسه فضيلة العطاء، وتتلاشى في قاموسه مفردات السلبية والتذمر، واع لمسؤولياته، يقظ في تعامله مع مستجدات الوظيفة، متفاعل مع الظروف والمتغيرات بأسلوب راق، وذوق تعلوه حكمة التصرف ونبل الخطاب ومصداقية الكلمة.
إن العودة إلى الوظائف ليست حالة اعتيادية متكررة بعد إجازات الصيف أو إجازات المناسبات الوطنية والدينية، بل محطات استراحة في ميدان العطاء والمنافسة، لتضيف في انطلاقتها القادمة نكهات أجمل وميزات أوسع تتناغم مع متطلبات التجديد التي يستكشفها واقع الوظيفة العامة، ويصبح الثبات على مبدأ الوفاء للمنجز واحترام ثقافة الانجاز، وحس المبادرة في التطوير والاستمرار في رصد بدائل التميز واغتنام كل الفرص المتاحة، مرتكزات تجد في رحم الاستراحة طريقها لصناعة مستقبل الإنجاز والاستثمار في المهام والاختصاصات، إنها بذلك مرحلة العد الفعلي في استدراك الأفضل واستكمال النقص وإعادة صياغة التجربة وتعظيم قيمة الوقت وتوظيف البدائل، بما يضع رصيد الذكريات المتعلم أمام بصيرة ناقد ومسيرة مخلص، فيبني في ظلاله قيمة الحياة في إنجاز والتنمية في ابتكار والجهد المؤسسي في تكامل.
ويبقى على المؤسسات أن تعمل على توظيف هذا الرصيد الفكري والثقافي والحياتي لموظفيها الناتج عن اطلاعهم على ثقافات الشعوب وقيمها ومنصاتها السياحية والتعليمية المختلفة في تحقيق مسارات تحول نوعية في سلوك الموظف والأخذ بيده وتمكينه من قيادة الانجاز والاعلاء من سقف التوقعات التي يمكن أن يحققها للمؤسسة، ليكون عامل بناء وشاهد اثبات على ما يمكن أن تشكله الذكريات المنتجة من رصيد نوعي يعيد رسم خارطة الأداء الوطني بصورة تتوافق مع قاموس الانجاز المطلوب، فإن مشهد دوام المعلمين ومن بعدهم الطلبة وغيرهم في مؤسسات التعليم، والموظفين بمختلف مستوياتهم الوظيفية بالمؤسسات والقطاعات المختلفة في الجهاز الإداري للدولة يحكي قصة عطاء ماجدة، ومشاعل وطن تنبض بالجد والمبادرة والصدق والامانة، وتعكس روح الولاء والانتماء وتؤصل مسارات الانتاجية وقيم المسؤولية، وقد صادفت من ذكريات الإجازة الصيفية وإجازة عيد الأضحى المبارك ما يضيف إلى قاموس المواطن المخلص مفردات متجددة في عمق الممارسة الوظيفية الواعية، فما أجمل الانجاز عندما يجد في الاستراحات دفعا له للأمام، فيصبح الانتظار محمدة والاسترخاء فضيلة والترويح فرصة لتغيير المزاج، فهنيئا لكل موظف ومعلم ومسؤول ومتعلم وولي الأمر وكل العاملين في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والاهلية والقطاع الخاص، عودتهم للوظائف بعد أعراس الفرح والبهجة، وقد كانت لهم الاجازة استراحة تأمل، يستنطق بها القيم ويستقرئ بها القادم من الفضل، ويضيف اليها من دلالات المواقف ذكريات لن تنسيها الأيام، فيراقب انجازه بصمت، ويحتكم إلى فكره وضميره بوعي، ليُثبت بها بصمات انجاز قادمة على درب العطاء لعمان الغالية .

إلى الأعلى