الإثنين 19 نوفمبر 2018 م - ١١ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / المكتبة الوطنية في حلب وثراء معرفي لما يزيد على 100 ألف كتاب
المكتبة الوطنية في حلب وثراء معرفي لما يزيد على 100 ألف كتاب

المكتبة الوطنية في حلب وثراء معرفي لما يزيد على 100 ألف كتاب

دمشق ـ “الوطن” :
تشكل المكتبة الوطنية في حلب معلما بارزا من معالم الشهباء .. ولهذه المكتبة في وجدان الحلبيين حيز كبير من الذكريات بما مر عليها من شخصيات ثقافية كبار ..وبما تتضمنه مكتبتها من ثروة هائلة من الكتب. تزيد على 100 ألف كتاب. وتحمل دار الكتب الوطنية تاريخا عريقا، وهو جزء لا يتجزأ من تاريخ المدينة. عام1937، وبرعاية الأمير مصطفى الشهابي الذي كان يشغل منصب محافظ حلب، انتقلت الدار من خان الجمرك إلى مكانها الحالي بمنطقة باب الفرج مقابل الساعة الشهيرة وكان مسؤولاً عنها الشيخ كامل الغزي، الذي حمل معه 6000 كتاب من المقر القديم. تم الانتهاء من بناء مقر المكتبة الجديد في عام 1939 لكنها لم تفتح أبوابها حتى عام 1945 بسبب الحرب العالمية الثانية، لتصبح مركزا لبحوث المثقفين من أبناء حلب وشقيقة المكتبة الظاهرية في دمشق وهي من أقدم مكتبات بلاد الشام وأهمها. ولشغف أبناء حلب بالعلم، اعتاد مثقفوها تقديم الكتب إلى الدار إما في حياتهم أو بعد مماتهم.
تداور على إدارة دار الكتب أدباء ومفكرون أمثال الشاعر الكبير عمر أبو ريشة، الذي سميت إحدى قاعاتها باسمه فيما بعد، وسامي كيالي وعلي الزيبق. وطيلة تلك السنوات زارها وحاضر في قاعاتها الكثير من المفكرين والأدباء أمثال محمد حسنين هيكل وعباس محمود العقاد وميخائيل نعيمة.
وتسلم إدارة دار الكتب الوطنية خلال فترة الازمة السورية وأدارها في أقصى الظروف صعوبة محمد حجازي، الذي يوضح في حديث صحفي أن المنطقة التي تقع فيها الدار كانت منطقة اشتباك ومع ذلك لم يتخلَّ موظفوها عنها باذلين أقصى الجهود مع القيادة السياسية والإدارية والعاملين فيها للمحافظة على محتوياتها، ولا سيما مخزن الكتب فيها الذي يحوي على نحو 100 ألف كتاب، هذه الكتب التي تُعد ثروة حقيقية.. من هنا وبتوجيهات من مدير الثقافة في حلب تم إغلاق كافة النوافذ في مخزن الكتب وتصفيح بعض المناطق الضعيفة في جدرانها بالصفائح المعدنية لحماية مخزن الكتب من قذائف الحقد، وقد حالت الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الإدارة دون فقدان أي كتاب على عكس كل الإشاعات التي تحدثت عن تعرضها للحرق والتخريب، في حين أن كتبا قليلة جدا تعرضت للفقدان بعد أن تمت إعارتها خارجيا ونتيجة خروج المستعيرين من حلب أو نتيجة سفرهم خارج القطر وهي أعداد قليلة يمكن استعاضتها بسهولة.
ويشير “حجازي” إلى أن الدار فقدت العديد من موظفيها خلال الحرب بسبب التهجير أو السفر أو الوفاة، ولم يبق في الدار إلا نحو عشرة موظفين من أصل أربعين.
ونوه “حجازي” إلى أنه في العام 1930 بدأ التفكير بمشروع إنشاء دار الكتب الوطنية، وقد تم إنشاؤها في مكان آخر تحت مسمى المجمع العلمي، وفي العام 1937 تقرر نقلها إلى المكان الحالي، وقد تأخر افتتاح الدار نتيجة الاحتلال الفرنسي الذي اتخذ من هذا المكان قاعدة عسكرية ومقراً له.. وفي العام 1945 افتتحت الدار وتناوب على إدارتها كبار أدباء حلب كالشيخ كامل الغزي والشاعر عمر أبو ريشة، وأشار حجازي إلى أن الدار تحتوي على طابقين: البهو السفلي ويحتوي على مسرح وغرفة استقبال وبعض الغرف الأخرى كالديوان، في حين يحتوي الطابق الثاني على مخزن الكتب الذي يضم 100 ألف كتاب وقاعة مطالعة للدارسين، وقاعة أخرى لطلبة الدراسات العليا والمسماة قاعة عمر أبو ريشة إلى جانب غرف الإدارة.

أمهات الكتب
وعلى الرغم من صغر المكتبة مقارنةً بالمكتبات العربية والعالمية، إلا أن الدار تُعتَبَر من أهم المكتبات لما تحتويه من أمهات الكتب الأدبية والتاريخية والفلسفية والعلمية والدراسات ومختلف أنواع العلوم، ونوه مدير الدار إلى أن الكثير من الأساتذة والجامعيين كانوا يقيمون في الدار ونالوا من خلالها شهادات عليا بعد مطالعتهم للكتب الموجودة فيها، وما زال طلبة الجامعة على الرغم من وجود مكتبة في الجامعة يرتادون الدار لحاجتهم للكثير من الكتب الموجودة فيها. وعن نظام الإعارة في المكتبة أوضح حجازي أن الإعارة كانت داخلية وخارجية، أما اليوم فأُلغيت الإعارة الخارجية حرصا على الكتب من الفقدان.
مشيرا الى ان المكتبة كانت تقدم حق الاستعارات الداخلية والخارجية، إذ يُسمح لأيِّ شخصٍ أن يقرأ الكتاب الذي يرغب به سواءً للمطالعة الخاصة أو لضرورات البحث الأدبي أو العلمي، وذلك ضمن نظام الإعارة من دار الكتب الوطنية ودون قيد أو شرط، بموجب ورقة استعارة تربط بها هوية المطالع ويدوَّن بالورقة اسم الكتاب ورقمه، وتوقَّع حسب الأصول. وبعد إعادة الكتاب تسلَّم الهوية للمستعير.
أما الإعارة الخارجية فكانت تتم حصرا عن طريق اشتراك مقابل مبلغ مادي زهيد كتأمين على الكتاب، علما أن هذا المبلغ يمكن استرداده في الوقت الذي يحب المشترك. ويمكن تجديد الإعارة إن لم يكن الكتاب مطلوبا من شخص آخر، علما أنَّ الكتب التي لا يمكن إعارتها خارج الدار هي المراجع والكتب المطلوبة لحلقات البحث والقديمة والتراثية والقواميس والمعاجم والأجزاء. وكما ذكرنا هناك ثلاث قاعات للمطالعة، الأولى منهما قاعة المطالعة العامة (خير الدين الأسدي)، وتَّتسع لحوالي 250 شخصا.
والثانية قاعة الدراسات العليا (عمر أبو ريشة)، وهي مخصَّصة للمؤلفين وطلاب الدراسات العليا والصحفيين وحاملي الإجازة الجامعية، وتَّتسع لحوالي 50 شخصا. وقاعة المحاضرات (سناء محيدلي)، وهي مخصَّصة للمحاضرات والندوات والنشاطات المسرحية، وتَّتسع لحوالي 300 شخصا.

آلية حفظ الكتب
ويبين حجازي أنه وفي بداية تأسيس المكتبة تم اختيار مكان الحفظ بما يتناسب مع الشروط الفنية المعتمدة على صعيد الرطوبة والحرارة والتهوية، والكتب محفوظة ضمن رفوف حديدية، مع الأخذ بعين الاعتبار الاهتمام الدائم بالنظافة تجنبا لوجود القوارض التي تتسبب بتلف الكتب عادةً.
أما الموظفون فيها فيوضح حجازي أن أمين المكتبة يحمل شهادة الدراسات العليا في اللغة العربية وهو خبير بأنواع الكتب وتصنيفاتها، وآخر يملك خبرة طويلة ومعرفة كبيرة في تصنيف الكتب وترتيبها، ونوه إلى أن الدار سترمَّم قريبا بعد أن تم الانتهاء من إجراء الدراسات الهندسية، وأن الترميم تزييني ويتعلق بالأبواب والشبابيك والزجاج والأسقف المستعارة وأجهزة التكييف والتبريد.

مكتبة الكترونية
الطموحات الآن برأي حجازي العمل على تأسيس مكتبة الكترونية أسوة ببعض المكتبات العربية التي تضم كل الكتب العالمية وأرشفة كتب الدار فيها لتصبح في متناول الجميع بأيسر الطرق وأسرعها والرغبة بإحداث مكتبة للأطفال، خاصة وأن عدد هذه النوعية من الكتب في الدار قليل جدا.

تغذية مستمرة
تغذي دار الكتب بشكل دائم بالكتب الجديدة من خلال لجنة من مديرية الثقافة التي تحرص دائما على مدِّ الدار بكافة أنواع الكتب التي تشتريها من المكتبات الخاصة والمعارض التي تقام من قبل وزارة الإعلام والهيئة العامة السورية للكتاب وقد أُدخل للدار خلال العامين الماضيين أكثر من 10 آلاف عنوان جديد، إضافة إلى ما تتلقاه من هدايا من قبل أفراد يقومون بإهداء مكتباتهم الخاصة إليها، ويذكر حجازي أن أهم من أهدى مكتبته للدار هو خير الدين الأسدي وهو علامة كبير، وأهم الأدباء في الوطن العربي كانوا قد حاضروا فيها أمثال طه حسين وعباس محمود العقاد وبنت الشاطئ وعمر أبو ريشة وسليمان العيسى ومحمد مهدي الجواهري، وقد صُنفت هذه الدار رغم حداثة سنها تاريخيا من الآثار العظيمة لما هيأت له على صعيد الواقع الثقافي ولمن حاضر فيها والتأثير الكبير الذي أحدثته على أجيال مختلفة.

واكبت التكنولوجيا
وبيَن حجازي أن مخزن الكتب في الدار اعتمد في الماضي على التصنيف اليدوي الذي يصنف الكتب حسب حجمها وأهميتها، وكانت هناك خزائن لها أدراج توضع فيها بطاقات يقوم الباحث من خلالها بالبحث عن كتابه المطلوب حسب حرف معين، أما اليوم فقد تمت أتمتة هذا الأمر وأصبح هناك كمبيوترات يمكن من خلالها البحث عن الكتاب المطلوب خلال لحظات، كما قامت الدار وخلال تحرير مدينة حلب بإعادة هيكلة التصنيف بعد أن فقدت بعض الكتب ليس نتيجة القذائف وإنما بسبب خروج الناس من حلب ونتيجة وجود عدد كبير من كتبها في مركز الفنون التطبيقية بهدف تجديدها وترميمها، وهناك تعرضت لقذائف الإرهابيين وقد وافقت وزارة الثقافة على ترقيم الكتب، وأكد حجازي أن أمهات الكتب في الدار لم تُفقد لأنها لا تعار خارجيا، وهي كتب متنوعة وكثيرة، ومنها ما يعود لمئات السنين، وتُعتبر كتب ابن قدامى أقدمها.

إلى الأعلى