السبت 15 ديسمبر 2018 م - ٧ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “أزمات النظام العالمي” كتاب للباحث عليان عليان

“أزمات النظام العالمي” كتاب للباحث عليان عليان

عمان-العمانية:
يهدف الكتاب الجديد للباحث عليان عليان، إلى التأكيد على أن الأزمات المالية والاقتصادية للنظام الرأسمالي العالمي منذ نشأته، وخاصةً منذ أزمة الكساد الكبير (1929-1933) مرورا بجميع الأزمات في سبعينات القرن العشرين وثمانيناته وتسعيناته، وصولاً للأزمة المالية الكبرى عام 2008 والمستمرة في تداعياتها حتى الآن، لا يمكن عزلها عن الأزمة العامة والبنيوية للرأسمالية، رغم أن السبب المباشر لكل أزمة يختلف عن الأخرى.
ويؤكد الكتاب الذي يحمل عنوان “أزمات النظام الرأسمالي”، استنادا إلى قراءات معمقة لمنظري الاقتصاد السياسي للرأسمالية، أن هذا النظام جُبل على خلق الأزمات، وأن هذه الأزمات ظاهرة ملازمة للاقتصاد الرأسمالي منذ تشكل النظام الرأسمالي واقتصاد السوق.
ويبرهن الباحث أن الحلول التي تطرحها الرأسمالية لأزماتها لا تعدو كونها مسكنات، فالكينزية التي وجدت حلاً لفترة من الزمن لأزمة الكساد الكبير، فشلت لاحقا في حل أزمة الرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية، في حين أن الأيديولوجية النيوليبرالية التي جاءت كبديل للكينزية منذ مطلع سبعينات القرن العشرين، انتهت هي الأخرى للفشل إثر أزمة 2008 المالية والاقتصادية الكبرى. لكن عليان يؤكد أن ما حصل حتى الآن هو انهيار الرأسمالية في نسختها النيوليبرالية، وليس انهيار الرأسمالية، بحكم قدرتها على التكيف وعبر توظيف عوامل عديدة لإطالة أمد عمرها مثل تصدير رأس المال ونهب دول العالم الثالث، واللجوء إلى إجراءات ذات طابع اشتراكي لخدمة رأس المال.
ويوضح المؤلف أن نهوض حركات التحرر الوطني، وتشكل الدول المستقلة خلال العقدين الخامس والسادس وحتى منتصف العقد السابع من القرن العشرين، الذي عبر عن نفسه بالسعي نحو سياسات التنمية المستقلة، والتحرر من التبعية واللجوء إلى تأميم الثروات النفطية وقطاعات الإنتاج الأساسية، ساهم بشكل كبير في أزمة الدول الرأسمالية، ووجه ضربة كبيرة وموجعة لسياسات “النهب” الاستعمارية.
ويعرض المؤلف في كتابه الصادر عن “الآن ناشرون وموزعون” بشكل مفصل لمختلف النظريات الرأسمالية في تفسيرها للأزمات المتلاحقة للرأسمالية، وخاصةً أزمات الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، وأزمات الألفية الجديدة، والأسباب المباشرة لها، مبينا أن أيديولوجية النيوليبرالية مسؤولة بشكل رئيسي عن تلك الأزمات، بحكم تحول رأس المال الصناعي إلى رأس مال مالي وخدمي، وتحول رأس المال بشكل عام إلى أسواق المال والمضاربات بدلاً من التوجه للإنتاج.
ويبين الكتاب بشكل مفصل وعميق أن الليبرالية الجديدة كما الكينزية لجأت إلى إجراءات تنتمي لعالم الاشتراكية لحل أزمة الرأسمالية ولخدمة الطبقات البرجوازية، ففي حين لجأت الكينزية بعد أزمة الكساد الكبير (1929-1933) إلى إعادة الاعتبار لدور الدولة في الاقتصاد وللقطاع العام ولسياسة الاقتصاد الموجه، لجأ أصحاب النهج النيوليبرالي إلى إجراء تأمييم البنوك الكبرى المفلسة في أعقاب أزمة 2008 وإلى دعمها بمئات المليارات من الدولارات من جيوب دافعي الضرائب من الطبقات المتوسطة والعمال والفلاحين.
ويستعرض الكتاب بشكل مفصل النتائج السلبية والخطيرة للأزمات المالية المتلاحقة وخاصة أزمة 2008 على مختلف دول العالم ومن ضمنها الدول العربية، مؤكدا وباعتراف كبار منظري الاقتصاد السياسي للرأسمالية أن الرأسمالية فشلت فشلا ذريعا في نسختها النيوليبرالية.
وهذا الفشل دفعَ منظر الليبرالية الرأسمالية الجديدة ميشيل فوكوياما – الذي سبق أن أعلن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية، وانتهاء الحرب الباردة بين القطبين، أن “الرأسمالية هي نهاية التاريخ”- للاعتراف بفشل نظريته ومن ثم التراجع عن معظم ما جاء فيها.
ويورد الباحث عليان في نهاية كتابه جملة استخلاصات نظرية أبرزها: أن أزمة النظام الرأسمالي هي أزمة بنيوية مرتبطة بسياسات النظام الرأسمالي وتطوره التاريخي، وبالتالي فهي ليست أزمة ناتجة عن سوء تصرّف مدير هذا البنك أو ذاك، أو عن خلل في قوانين التنظيم المصرفي في هذه الدولة أو تلك، مثلما يروج له منظرو الرأسمالية الذين وجدوا أنفسهم في وضع لا يُحسدون عليه.
ومما خلص إليه الباحث، أن التطور التاريخي للنظام الرأسمالي، وصل إلى مرحلة التمركز الأضخم للرأسمال المالي بيد فئة وقليلة تمسك بين أيديها بالقرار الاقتصادي العالمي، عبر توظيف المؤسسات المالية العالمية (صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والمنظمة العالميّة للتجارة)، وتتحكم بالقرار السياسي والاجتماعي عبر توظيف الدولة البورجوازية، وتسيطر أيضا على البنوك والبورصات التي بُنيت على قياسها لخدمة مصالحها.
ويؤكد عليان أن السبب الرئيس في حدوث الأزمات، هو وجود تناقض في الإنتاج الرأسمالي، أي التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والملكية الرأسمالية لوسائل الإنتاج.

إلى الأعلى