الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / أوقات صعبة: أميركا في مواجهة العالم

أوقات صعبة: أميركا في مواجهة العالم

محمد بن سعيد الفطيسي

”… على ما يبدو فإن ما تبقى من الوقت للرئاسة الاميركية الحالية بقيادة الرئيس دونالد ترامب, ستكون من اكثر الاوقات غير المستقرة للسياسة الخارجية الاميركية وحلفائها الاستراتيجيين في مختلف مناطق العالم, التي تعاني التناقض في الكثير من قراراتها ما بين ما هو واجب عليها تجاه حلفائها ومصالحها السياسية, والتغيرات الجديدة التي يصر الرئيس ترامب على ان تكون من ضمن حزم وادوات الصراع الاميركي في الساحة الدولية,”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قد تكون الاوقات المقلقة وغير المستقرة التي تمر بها الولايات المتحدة الاميركية في الداخل – انعكاس التجاذبات الحاصلة على مستوى الرئاسة والسلطة التنفيذية على السياسية الخارجية الاميركية – , او في الخارج – نتيجة استمرار التراجع الواضح في قوة الجذب الاميركية “المركزية القطبية” في الساحة الدولية منذ مطلع القرن 21 – فرصة تاريخية مواتية للعديد من القوى الدولية الرافضة للهيمنة الاميركية لاستغلالها الاستغلال الامثل لصالح تحقيق بعض اهدافها السياسية والجيوسياسية القائمة والمستقبلية على الساحة الدولية.
صحيح ان هذا التوجه, اقصد مواجهة الولايات المتحدة الاميركية والعمل على احتواء طموحاتها الجيوسياسية, قائم بالفعل منذ فترة ليست بالقصيرة بين ابرز تلك الدول والفاعلين الدوليين المؤثرين على الساحة الدولية بوجه عام والشرق اوسطية خصوصا, اقصد القوى البارزة في الواجهة الامامية للصراع وتقاسم النفوذ السياسي مع الولايات المتحدة الاميركية وهي روسيا والصين وتركيا والجمهورية الايرانية.
ولكن ما اشير اليه هنا, هو انه يمكن الى حد ما ان تعزز الأحداث سالفة الذكر من فرص ورهانات تلك القوى الدولية, سواء اكان ذلك على صعيد اكتساب مزيد من الأوراق السياسية والاقتصادية الرابحة بشكل احادي كما هو حال روسيا في سوريا, او ايران في العراق او تركيا في قطر, او عبر قيام تلك الدول بتأكيد تقاربها وتحالفها الجماعي الحذر في هذا الوقت, وعلى اقل تقدير حصول تلك الدول على تنازلات تعزز من وجودها وسلطتها في بعض مناطق الصراع والتنافس على النفوذ الدولي والتي تتلاقى فيها مصالحها السياسية والجيوسياسية مع مصالح الولايات المتحدة الاميركية.
وعلى ما يبدو فإن ما تبقى من الوقت للرئاسة الاميركية الحالية بقيادة الرئيس دونالد ترامب, ستكون من اكثر الاوقات غير المستقرة للسياسة الخارجية الاميركية وحلفائها الاستراتيجيين في مختلف مناطق العالم, التي تعاني التناقض في الكثير من قراراتها ما بين ما هو واجب عليها تجاه حلفائها ومصالحها السياسية, والتغيرات الجديدة التي يصر الرئيس ترامب على ان تكون من ضمن حزم وادوات الصراع الاميركي في الساحة الدولية, خصوصا تلك التي تخل بالعديد من التزامات الولايات المتحدة الاميركية الدولية.
أو بسبب اساليب الحرب الاقتصادية التي اطلقها الرئيس ترامب ضد بعض تلك القوى الدولية الفاعلة, والتي تعني في مضمونها اعلان حرب لا بد ان تكون الولايات المتحدة فيها حذرة للغاية ومستعدة لمواجهتها خلال الفترة الراهنة, والتي بلا شك لن تكون اقل من اعلان حرب مضادة على القوة الاقتصادية والنووية الاولى على مستوى العالم كما فعلت ذلك الصين وتركيا على سبيل المثال.
اضف إلى ذلك ان علاقة الولايات المتحدة الاميركية في عهد الرئيس ترامب مع القوى الاوروبية الرئيسية هي الأخرى في حالة سيئة بسبب الاتفاق النووي الايراني وتعزيز علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الصين وروسيا او حيال بعض قضايا الشرق الاوسط الاخرى, ما يجعل من الولايات المتحدة الاميركية تخسر الكثير من حلفائها وشركائها التاريخيين ولو بشكل مؤقت, في وقت هي في امس الحاجة فيه لتلك التحالفات والشراكات. وحاجتها إلى الشراكة ليس بسبب نقص في قوتها العسكرية, ولكن بسبب حاجتها الماسة الى تسويق سياساتها الدولية ووجهات نظرها السياسية حيال العديد من القضايا الدولية, التي بلا شك وبسبب عنجهية ادارتها الحالية ستخسر العديد من الجبهات السياسية والصراعات الدبلوماسية.
ومن المؤكد من وجهة نظري الشخصية ان استمرار الولايات المتحدة الاميركية في عهد الرئيس الاميركي ترامب في تبني هذا النهج الأحادي والصدامي مع تلك القوى الدولية, القائم على تهميش مصالحها ومخاوفها على الساحة الدولية من جهة, ومحاولة اخضاعها عبر وسائل وادوات اقتصادية سيجعلها تؤكد خلال الفترة القادمة الاعلان الرسمي عن شراكات اقتصادية وامنية عابرة للحدود الوطنية في ظاهرها التعاون الاقتصادي والشراكة التجارية وفي باطنها تأكيد استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة.
وكما يقول ريتشارد هاس- رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة الأميركية، منذ العام 2003- في كتاب الفرصة – لحظة اميركا لتغيير مجرى التاريخ – (لا يمكن ان تتعاون حكومات القوى الرئيسية في العالم مع الولايات المتحدة الا في سياق رؤية الرأي العام في تلك القوى, ان مصالحها الوطنية الاساسية محمية, فالتكامل لن يمضي بعيدا اذا كان الرأي فيه انه يخدم فقط او على الاغلب مصالح الولايات المتحدة …… السياسة الخارجية الجيدة ليست ولا يمكن ان تكون الكل او لا شيء). بل لابد للولايات المتحدة الاميركية ان تضع في الحسبان مصالح تلك الدول الاخرى, خصوصا القوى الكبرى والفاعلين على الساحة الدولية, وتتقاسم معها بعض مناطق النفوذ والسلطة, وبالضرورة ان تتعامل معها باحترام حتى لا تجد نفسها مع الوقت في مواجهة العالم.

إلى الأعلى