الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف: التاريخ وتوثيق الأحداث

أصداف: التاريخ وتوثيق الأحداث

وليد الزبيدي

في ملاحقة يومية للأحداث يصاب المرء بالصداع، فكلما ازدادت وقائع المصائب سخونة كلما شعر المتابع بالضياع والتشتت، وقبل الخوض في هذه القضية، نجد أن الكثيرين يتساءلون عن التاريخ وحقيقة الوقائع التي وصلت إلينا بعد مئات والاف السنين من حصولها، وهنا لسنا بمشككين بوقائع معينة أو أحداث ولا نريد الخوض في غمار قضية طالما تحدث بها مفكرون ومؤرخون وكانت مثارا للخلافات والجدل في حقب مختلفة، لكن النقاشات التي جرت قبل عصر التدوين اخذت مساراتها واتجاهاتها الخاصة بها نظرا لخصوصية رواية الوقائع وكيفية حفظها وتداولها عبر الأزمنة المختلفة، وكان الخلاف في صدقية الراوي الذي يحفظ الوقائع وينقلها للآخرين في المجالس واللقاءات، ولا يخفى في هذا الجانب مسألة القبلية والانحياز الجغرافي والديني والعصبية وغيرها من المؤثرات، وهذه عوامل تؤثر بدرجة أو اخرى، كذلك علاقة الراوي بالحاكم سواء كان ملك أو زعيم القبيلة، وبمرور الوقت تتحول تلك الوقائع إلى ثوابت لا يمكن تجاوزها إلا في حال وجود روايات مختلفة لهذه الواقعة أو تلك.
بعد دخول العالم عصر التدوين تفاءل الكثيرون بالاقتراب من الحقيقة وتجاوز هنات كثيرة وقد تكون قاتلة في تدوين الأحداث والوقائع التي تتحول بعد ذلك إلى صفحات كثيرة في التاريخ المكتوب لهذه المنطقة أو الأمة، وفي سياق المراقبة والتدقيق التي تظهر في كل الأزمنة وحرصًا من قبل المهتمين بنقاء التاريخ حتى يكون منارًا حقيقيًّا للأجيال فقد ظهر النقاش والجدل مرة اخرى، وأصبحت المخاوف اكثر من قبل على اعتبار أن التدوين سيصبح وثيقة تعتمدها الأجيال وتعيش في كل الأوقات، كما أن المخاوف قد تصدرت واجهة الحديث والجدل بسبب ظهر وعاظ السلاطين والمرتزقة الذين يدخلون مضمار التدوين، واخطر العوامل في تلك الحقبة تباعد المناطق وضعف وسائل الاتصال أو انعدامها ما يعني أن القصة الموثقة لا يمكن نقضها من خلال اعتماد وثيقة أخرى بوقائع مختلفة، وحتى عند وجود روايات مناقضة لبعضها البعض فقد واجه الدارسون والباحثون ومعهم المؤرخون الذين يعتمدون المقارنة والعودة إلى التاريخ وجمع التفاصيل والعمل على ربط بعضها ببعض في سياق مجمل الوقائع، واجهوا صعابا وعقبات كثيرة، وخصص علماء ومفكرون اوقاتا طويلة لإجراء الدراسات المقارنة بهدف الوصول إلى الحقيقة أو الاقتراب منها على أقل تقدير، وكان للمخطوطات الأثر المهم في تنقية الكثير من الوقائع والوصول من خلالها إلى مقاربات لصفحات مهمة وحيوية من التاريخ وفي حياة مختلف الأمم والشعوب، وحتى وقت قريب كان لرواة الأحداث حضور فاعل ولم يتأثر وجودهم وفاعليتهم إلا بعد دخول وسائل جديدة كان في مقدمتها المذياع، وبعد أصبح التأثير الأكبر للتلفاز قبل غزوة وسائل التواصل الاجتماعي الواسعة والتي تنطوي على الكثير من الانفلات، ولأن الرواة تناقلوا القصص عن الأسلاف وحرصوا على حفظها فقد تم اعتماد الكثير منها في الوقوف على الوقائع وربط بعضها ببعض وحتى في عملية التنقية المطلوبة وصولا إلى الصورة الاقرب إلى الواقع. لكن الواقع اختلف تماما في الوقت الحالي.
لكن تبقى المعضلة الكبرى في زمن التوثيق بالصوت والصورة التي تعتمد الكثير من الوسائل والأساليب المتطورة لكن خطورتها لا تقل عن سابقاتها إن لم تتفوق عليها، وهو ما نناقشه في المقال المقبل.

إلى الأعلى