الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م - ٦ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / رحاب : المعلم بوصفه صاحب رسالة

رحاب : المعلم بوصفه صاحب رسالة

أحمد المعشني

أمضى أحمد عادار باعمر سنوات شبابه الأولى في الغربة، قضاها في الدراسة حتى تخرج من جامعة الكويت تخصص فلسفة واجتماع، لا أعلم عنه كثيرا، سوى أنه عاد إلى السلطنة في الثمانينات من القرن الماضي، رجع إلى بلده يحمل شهادة البكالوريوس بتفوق يوم كان عدد الخريجين في السلطنة محدودا؛ أتيحت له فرص عمل كثيرة في أكثر من موقع وأكثر من وزارة لكنه اختار أن يعمل في مدينة مرباط بمحافظة ظفار؛ حيث نشأ وترعرع، وعاش سنين طفولته، مكرسا حياته لمساعدة طلاب مدرسة ابن خلدون في وظيفة أخصائي اجتماعي، كان قريبا جدا من طلابه، وكان محبا للبيئة يوجه نشاط طلابه إلى الخدمة العامة والزراعة والاعتناء بنظافة المدرسة ومساعدة الآخرين، كان غريبا بالنسبة إلى اقرانه وزملائه الذين كانوا يتساءلون باستنكار: كيف يرضى هذا الشاب المثقف أن يدفن طموحه و مواهبه وقدراته في مدرسة اعدادية بعيدا عن أماكن الصدارة والبريق الوظيفي؟! لكنه كان مدركا ومقتنعا جدا بقراره، ومحبا جدا لما يعمل، قريبا من والديه يخدمهما في أوقات فراغه. لقد وجد أحمد عادار نفسه بقوة في ذلك المجال الذي كان يتيح له أن يساعد الآخرين ويعطي بسخاء بدون شروط. استمر أحمد متفانيا في عمله، مقبلا عليه بكل حماس واخلاص، يرى ثمرات جهده يوما بعد يوم في تطور طلابه وتقدمهم واستيعابهم و وعيهم بأنفسهم. في ذات يوم رأى عاملا وافدا منتظرا سيارة تنقله من مرباط الى صلالة، كان الطريق سيئا، وكانت السيارات التي ترتاد ذلك الطريق قليلة، ما دفعه أن يركن سيارته ودعى العامل الوافد المسكين الى الركوب، وانطلق بسيارته يريد أن ينقله إلى صلالة، ولكنه تعرض لحادث سير طوى صفحته في الدنيا. كان أحمد نموذجا لذلك الجيل من المثقفين الذين يجعلون بناء الوطن ومساعدة الآخرين رسالتهم ويكرسون حياتهم وطاقاتهم لأهداف إنسانية نبيلة. أتذكر قصة أحمد عادار وأبناء جيله ممن التحقوا بالتربية بعد عودتهم من الغربة، وعملوا في تعليم الناس، وكان بعضهم يُسخّر ما يملك لخدمة الطلاب على اختلاف أعمارهم و مراحلهم الدراسية. ومن بين من شرفت بمعرفتهم المربي الفاضل الأستاذ عوض بن علوي آل حفيظ، عاد من غربته يحمل شهادة الصف الثاني الثانوي فقط، لكنه كان يعلمنا كل شيء، واستطاع أن يعبر بجيل كامل من أبناء ولاية طاقة عقبة الأمية وينقلهم إلى فضاءات النور والمعرفة. ما زلت أذكر يوم كنت أحد طلابه في “دهليز” في أحد بيوت مدينة طاقة القديمة” بيت بن طيشقان” كان هو كل المدرسة وكان ذلك في عام 1971، استقبلني في غرفة ضيقة تجمع تلاميذ من مختلف الأعمار، كانوا يجلسون معا بالرغم من تباين أعمارهم ومستوياتهم، وكانت الغرفة مكتظة بهم، لكن حسه الإنساني والتربوي كان يدفعه إلى منحهم من حبه وعطفه بسخاء. كان بعضهم يعرف القراءة والكتابة وكنت أنا من التلاميذ الجدد لا أعلم شيئا، لكن تشجيعه وتحفيزه منحني الأمان لكي أتعلم. ذات يوم حضرت بدون أدوات مدرسية، فغاب عن الصف للحظات ثم عاد يحمل كراس كتابة وقلم رصاص، لم أكن أعرف من أين اشترى لي تلك الأشياء، لكنه قدمها إلي مبتسما. مضت السنوات ثم صرت زميلا للاستاذ عوض علوي آل حفيظ كمدير مدرسة، لم يتغير الأستاذ عوض بالرغم من المعاناة التي عاشها بعد ذلك، حيث أحيل الى التقاعد الاجباري الذي أغلق ملف عطائه بدون أن يتلقى كلمة شكرا، استلم تقاعده فجأة بدون مقدمات. كان ذلك الرعيل من المربين سببا في اختياري لمهنة التدريس التي أحبها وأمارسها بشغف. إن المعلمين لكي يكونوا ناجحين ليس بالضرورة أن يحملوا درجات علمية عليا كالماجستير والدكتوراة؛ فحسبهم أن يكونوا مخلصين و صادقين وسيحققوا النتائج المدهشة مع طلابهم.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى