الأحد 18 نوفمبر 2018 م - ١٠ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : الإشاعة .. والبحث في ضرورات تأهيل بنية الإعلام الوقائي الوطني

في العمق : الإشاعة .. والبحث في ضرورات تأهيل بنية الإعلام الوقائي الوطني

د. رجب بن علي العويسي

ما أقبح الإشاعة، وما أشدّ خطرها، وما أقذر هدفها، وما أظلم فعلها، تُنذر بخراب الديار، وضياع الأوطان، تهدم حصون الأمان، وتظلم الناس بغيا وعدوانا، تسرد حكايات البهتان، وتفتعل الكذب في الأقوال، تقصم الظهر، وتختلق الفتنة، وتثير النعرة، وتهمّش حصون السلام، وتغلق بيوت الأنس والاطمئنان، لقد وجدت لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي والواتس أب طريقا، غير مراعية لمروءة أو ذاكرة لجميل، يصفّق لها من لا يقدّرون حق الأوطان، ولا يعيهم استقرار الإنسان، فظلّت وأظلت ، أصحابها ومروجوها يتهامسون بلا استحياء، ليصلوا إلى أهدافهم الدنيئة، وليثبتوا لمن سواهم أنهم أهل إصلاح، لتطوي مهاتراتهم صفحة القوة والتميز والإنجاز، وتستبدلها بحالة التخبط والعشوائية والإفساد، حبلها قصير وخفاؤها يضعها في تردد وظلم وكيد وقبح.
وفي عالم الفضاءات المفتوحة وشبكات التواصل الاجتماعي وما أتاحته من فرص التواصل والاتصال وشيوع المعرفة بلا انقطاع، وجدت الإشاعة طريقها للنفوذ ومسيرها لتدنيس عالم الإنسان،عندما تقاصر المخلصون عن استثمارها لصالح التنمية، فاستغلها الحاقدون وضعاف النفوس مروجو الفتنة زورا وبهتانا في تجييش عالمهم الافتراضي لنشر الإشاعة وتداولها واستغلال الفضائيات في تزيينها وتدويرها في انتهاك صارخ للقيم والمبادئ الداعية لاحترام الكلمة وتقدير المعلومة الصحيحة ، فأنتج هذا السلوك ممارسات أبعدت التقنية عن أهدافها الإيجابية، ووجهتها للنيل من كرامة الإنسان حتى تدخلت في سيادة الأوطان، وأصبحت معول هدم لكل القيم النبيلة والممارسات الحسنة، فقد أدخلها مروجو الإشاعة في صفهم واتخذوها طريقهم لتحقيق غاياتهم، حتى أدخلوها في فقه الشباب وثقافتهم فأدخلتهم في معمعة الاختلاف والتناقضات الشك وغيرت مسارات التفكير لديهم وأوجدت حالة من التشويش الفكري في أذهانهم مصحوبة بإثارة الفتنة وتعمق هوة الاختلاف، وترويج المعلبات الفكرية الجاهزة وتداولها عبر شبكات التواصل الاجتماعي والواتس أب بدون تمحيص لصدق معلوماتها أو مصداقية بياناتها أو سبر أعماق الحقيقة فيها، فمنحها القوة في الظهور، استغلالا للنفوس الضعيفة واستفزازا للأفكار التي أدخلتها في دوامة الأنا في خفية واختفاء ، فإذا بها تصطاد في الماء العكر وتشوه معالم الحقيقة وتبرز وجهها المظلم بما فيه من سواد وقبح وانحراف عن منهج الصدق.
لقد نتج عن تعايش الإشاعة مع السلبية وتمجيدها للفردانية وتعميقها للفوقية وتأصيلها للمذهبية والحزبية، تشويه عطر المودة ومنهج الأخوة واختلاق مسوغات للقطيعة والانجراف نحو نزغات السوء وضلالات الفكر، فصوّرت الاخر القريب والصديق في صورة وحش مفترس، في حين أوجدت في الخائن والعدو مسار القرب والتقارب وفرص الشراكة والحوار، لذلك كانت الإشاعة صرخة في وجه القيم والأخلاق الرفيعة، فالتفكير في البدائل وتطوير أدوات العمل والخروج عن الروتين وخلق تحول في الممارسة والتناغم في الجهود والتكامل في الأدوار، لم تكن لوحدها تحلّق في سماوات العطاء المؤسسي والوطني، ولن تتركها الإشاعة تفعل ذلك بحرية دون أن تبث فيها سمومها وتلقي بتفثها، محاولة منها في تغيير المسار ونقل الناس من اليقين إلى الشك والتردد وسرعة الأحكام، وتشويش فكره بحالة الخوف والقلق التي تلازمه، وتظل الإشاعة مستمرة تبحث عن ضالتها في اقتناص أبناء الوطن، عندما تجد فيهم من يعينها إلى النفاذ ويوصلها إلى أهدافها الدنيئة المؤصلة للفتنة والتحريض والإساءة وانحراف المقصد عن الوصول للهدف، لذلك فهي مرشحة للزيادة لتجد في الظواهر العارضة والأحداث الطارئة والوقائع المفاجئة وحالة اليأس والسلبية التي باتت تبرز في حديث جيل الشباب، فرصتها للانتشار والنمو والتلون المتستر في خفاء القبح، خاصة في ظل زيادة اعداد الباحثين عن عمل ومخرجات مؤسسات التعليم العالي والجامعي والدبلوم العام، وضعف مساحات الاحتواء الأبوي والعائلي والأسري والاعلامي والمؤسسي، لتصبح الإشاعة مدخلا للتغيير في قاموس البعض وفرصة للتنفيس والترويج، وبيئة خصبة للتعبير عن حالة السخط أو الغضب أو التردد النفسي التي يعايشونها في ظل مهيجّات تطرحها شبكات التواصل الاجتماعي ومثيرات يتداولها المجتمع.
لقد واجه الواقع الوطني في فترات مختلفة الكثير من الإشاعات ومحاولات تشويه صورة المنجز التي سطّره أبناء عمان في كل مواقع العمل والمسؤولية، في محاولة منها لترسيخ النظرة الأحادية في تشخيص الحالة العمانية، وإثارة حالة من الخوف والقلق وعدم الثقة لدى المواطن في الجهود الوطنية والمؤسسية المقدمة له، وباتت عملية الجاهزية المؤسسية في التعامل مع التطورات والمستجدات الحاصلة تتطلب دورا آخر يقوم على توعية المجتمع وتثقيفه وطمأنته، وتخفيض درجة القلق لديهم وتعزيز جوانب الثقة في ذواتهم وما تتخذه القنوات الرسمية من احترازات وخطط وتوجهات في التعامل مع الحالات الحاصلة، ومعنى ذلك أن الجاهزية المقصودة تلك التي يصحبها في الوقت نفسه برامج وخطط وموجهات لوقف سيل الاشاعة الذي يبرز في صور موحشة وأساليب مقلقة ونوايا سيئة، فبقدر الجاهزية الإعلامية والأمنية والتوعوية والتثقيفية والوقائية التي تنتهجها المؤسسات فهي بحاجة أيضا إلى جاهزية أخرى تقوم على أولوية بناء مواطن يمتلك مساحات الوعي والتحليل المدعوم بالشواهد والأدلة وتصحيح المعلومات الخاطئة والرد الفوري على الاشعاعات الكاذبة وتفنيد المزاعم والافتراءات، ووضع المجتمع والرأي العام في صورة الواقع بعيدا عن أي مزايدات أخرى، فعلى سبيل المثال لا الحصر حاولت الاشاعة بث سمومها في وقت ذروة إنجاز المهمة والتعامل مع الحالة المدارية “مكونو ” في مايو الماضي، وما أثير من قضايا الخلاف السياسي بين السلطنة ودولة الإمارات العربية المتحدة، حيث أشارت بوابة الفجر الإلكترونية من تبادل رسائل بين رئيس أركان القوات المسلحة العماني ونظيره الإماراتي، أو الإشاعة الدينية حول ما نسب إلى مساعد مفتي عام السلطنة حول هلال شهر ذي الحجة، وما نسب إلى بعض الجهات الحكومية المدنية والعسكرية من توفير فرص وظيفية لكافة الباحثين عن عمل بالسلطنة، وما أثير بأن السلطنة أغلقت منافذها أمام المسافرين من وإلى الجمهورية اليمينية الشقيقة، وما انتشر من حول وجود بعض القوارض والأفاعي في ظفار والتي هدفها التأثير على السياحة الداخلية في المحافظة في فترة الخريف وغيرها كثير.
وعليه فإن البحث عن مراجعات جذرية مستدامة تضعنا أمام إيجاد استراتيجية عمل وطنية موحدة في التعاطي مع الإشاعة عبر : تأهيل بنية الإعلام الوقائي الوطني، وبناء أطر إعلامية وفكرية رصينة تضمن إكساب المواطن فرص مقاومة الإشاعة والتعامل مع نواتجها بوعي،وأن تعمل مؤسسات التعليم والتدريب والاعلام والتثقيف والأمن على توفير بدائل تضمن فاعلية الأدوات الاعلامية التي تتعامل معها وتهيئة لغة الخطاب الموجهة للشباب بشكل يعزز من مستوى الحصانة لديهم؛ بالاضافة إلى مراجعة جذرية للكثير من المحطات التي باتت تصنع ثقافة المواطن وقناعاته،وتبنّي مسارات تعزيز الوعي لديه وملامح التغيير فيه؛ لتستمر عملية المراجعة في تقوية رصيد الجهوزية الفورية للمؤسسات في التعامل معها ، عبر إيجاد مراكز مؤسسية متخصصة في التعامل مع الإشاعة، وإيجاد خط ساخن أو مركز اتصالات يمكن الرجوع إليه كحلقة وصل بين المؤسسات والمواطنين لرصد وتفنيد الاشاعات التي يتم تداولها في مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالشكل الذي يضمن توفير إجابة واضحة حولها، وتعزيز مبادرات المجتمع المدني والشباب عبر شبكات التواصل الاجتماعي وفتح حسابات الكترونية تستهدف الحد من الإشاعة، وإيجاد قاعدة بيانات وطنية بأنواع الإشاعات الحاصلة في المجتمع وتصنيفها وفق معايير محددة ويدخل ضمنها البلاغات الكاذبة ضمن كتاب الإحصاء السنوي للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات بشكل يتيح المجال للباحثين والمهتمين وطلبة التعليم العالي برصد وتحليل ودراسة هذا الموضوع وفق مؤشرات واضحة ومنهجيات دقيقة تساعد على إيجاد حلول ومعالجات تبنى عليها برامج التوعية والتثقيفية والتدريب التي يتم تنفيذها على الطلبة في مؤسسات التعليم أو كذلك الموظفين والأسر والمجتمع ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى، بالإضافة إلى تضمين مفاهيم الاشاعة ومصطلحاتها ومخاطرها وأثرها على الفرد والمجتمع وكيفية الوقاية منها في المناهج التعليمية والتدريبية والبرامج الإعلامية، والتأكيد على نافذية العمل بالتشريعات والقوانين التي تتناول الجزاءات والعقوبات المقررة للمروجين للإشاعة والمتسببين فيها كقانون الجزاء العماني وغيره؛ وتبني برامج تتبّع ورصد لمنابع الاشاعة واسبابها والحسابات الوهمية التي تعمل عليها وتؤججها في المجتمع. فإن تكاتف الجهود وتناغمها واستثمار الفرص وزيادة المنصات الإعلامية وكفاءتها والاهتمام بمراكز التحليل الإعلامي الاستراتيجي في مواجهة الإشاعة، سوف يولّد قناعة واضحة حولها، ويؤسس لسلوك مجتمعي يرتقي فوق كل صيحاتها الدنيئة ونعراتها الساذجة ونواياها السيئة.

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى