الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حلاّق بغداد

حلاّق بغداد

أ.د. محمد الدعمي

اشتهر “حلاق بغداد” في الفن الأوروبي الحديث باسم “عبدالحسن علي بن بكّار”، وهو الحلاق الذي عُرف بقدرته على تجميل الشبان حتى يبدوا بدرجة من الوسامة أنهم يسحرون الصبايا ويسلبوهن لبابهن، كما يقدمه بيتر كوميليو Comelius في العمل الأوبرالي الألماني Der Barbier von Baghdad. في الصفحات أدناه سأوظف حكاية حلاق بغداد بمعنى مختلف ولغرض محوّر مقارنة بالغرض الملخص أعلاه بعد ليّها قليلًا.
كما هي الحال مع حكاية “حرامي بغداد”، لا بد لفكرة “حلاق بغداد” أن تجد لها جذورًا في أجواء بغداد (ألف ليلة وليلة) في العصر الوسيط، عاصمة الإمبراطورية العباسية التي تستذكر كمدينة غنية تحتضن موزائيك من الأقوام من جميع أصحاب الحرف والاختصاصات، أي هؤلاء الذين جيء بهم، أصلًا، من جهات الأرض الأربع لبناء “المدينة المدورة”، بغداد. حتى اللحظة، غالبًا ما يتم التندر بالحلاقين في بغداد لأن أغلبهم فضوليون ومهذارون، يقحمون أنفسهم في مشاكل سواهم، خاصة عندما يستغرقون في لغوهم أثناء العمل حد الخروج عن الموضوع، بل وأحيانًا حد فقدانهم القدرة على التركيز على “الرأس” الذي يشذبونه. بيد أن الأكثر خطورة من الحلاقين بالنسبة للوسيمين من البغاددة، وهو الحلاق المتدرب المبتدئ في المهنة الذي يحتاج للوقت والتدريب الكافيين لاكتساب المهارات الأساس لقص الشعر ولتصفيفه، الأمر الذي يجعل المتدرب بحاجة لعدد من “الرؤوس” الكثة كي يطبق عليها مهاراته غير المكتملة. هذا التطبيق المختل يستمر لعدة أشهر، مستهلكًا أكثر ما يمكن من “رؤوس الضحايا” حتى يتمكن الحلاق المبتدئ من إجادة صنعته. لذا، فإنه من المهم للبغدادي المحترم الذي يهمه هندامه وذوق الناظرين إليه أن يتأكد من أن الحلاق الذي يأتمن عنده رأسه ليقص شعره ليس بمتدرب، كي لا يستدرجه الكلام حتى يخرب رأسه.
تنطبق حال “حلاق بغداد” هذه بشكل دراماتيكي على الحكومات التي تعاقبت على حكم العديد من دول الشرق الأوسط الفتية بعد سقوط العثمانيين حتى اليوم، أي طوال مرحلة الاستقلال السياسي، إذ، ما أن يبدأ الحاكم باكتساب مهارات الحكم والإدارة الراشدة، حتى يحل محله حاكم آخر لا يجيد شيئًا، فيبدأ بالتدرب بـ”رؤوس” العباد من الرعية، كي يحسن الصنعة، ثم يحل محله حاكم جديد ليأخذ نفس دورة التدريب برؤوس الناس.
هكذا جاء تواتر الحكام العسكريين عبر دول الشرق الأوسط الفتية على نحو “مزمن”، تواصلًا لسلطة الولاة العثمانيين العسكريين، ومن ثم الحكام العسكريين الإنجليز والفرنسيين الذين كانت ترسلهم الأستانة ولندن وباريس إلى الأقاليم العربية الشاسعة، حيث كان يراد لهم التدرب على صنعة الحكم والإدارة. وهكذا، ابتليت أغلب شعوب الإقليم عبر مرحلة العثمانيين وما بعد العثمانيين بطغاة بلا خبرة. لقد توالى على سدة الحكم في هذه البلدان أفراد أو تحالفات قبلية أو جماعات سياسية لم تكن متمرسة في فنون السياسة والإدارة لأنها لم تحظَ بالفرصة المناسبة لاكتساب المعرفة الإدارية. وعلى سبيل اختيار الوصف الدقيق، كان هؤلاء الحكام المتوالون أشبه بحلاق بغداد الذي تنقصه المهارة.

إلى الأعلى