Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

خطبة الجمعة : فِي مَدْرَسَةِ يـُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ

مِنْ أَجَلِّ الدُّرُوسِ الَّتِي تُسْتَفَادُ مِنْ قِصَّةِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ أَنَّ الْحَيَاةَ خُلِقَتْ عَلَى كَدَرٍ، لا نَعِيمَ يَدُومُ فِيهَا وَلا هَنَاءَ وأَنَّ الْفَضْلَ كُلَّهُ مِنَ اللهِ ، وَالْخَيْرَ كُلَّهُ بِيَدِهِ وأَنَّ الْكَفَاءَةَ مَطْلَبُ دِينٍ، وَمُتَطَلَّبُ حَيَاةٍ.

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أَخْبَارِ الأَنْبِيَاءِ مَدْرَسَةً لِلصَّادِقِينَ، وَفِي قِصَصِهِمْ عِبْرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ تَصْرِيفُ الْمَقَادِيرِ وَفَصْلُ الْقَضَاءِ، وَيَبْتَلِي عِبَادَهُ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، سَيِّدُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَخَيْرُ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، الصَّابِرُ الشَّاكِرُ، وَالْعَابِدُ الذَّاكِرُ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فــ ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) ” الحشر . وَاعْلَمُوا -إِخْوَةَ الإِيمَانِ- أَنَّ فِي قِصَصِ السَّابِقِينَ عِبْرَةً، وَفِي أَخْبَارِ الْمَاضِينَ عِظَةً، لِذَا حَوَى الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ طَائِفَةً مِنْ أَخْبَارِ مَنْ سَبَقَنَا مِنَ الأُمَمِ، وَقِصَصًا لِلأَنْبِيَاءِ أُولِي الْعَزَائِمِ وَالْهِمَمِ، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ” وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ (120) هود وَيَقولُ: ” نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) يوسف ” وَقِصَصُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي حَقِيقَتِهَا مَدَارِسُ تُقَوِّمُ الْفِكْرَ وَتُوَجِّهُ السُّلُوكَ، وَوُقُوفُنَا فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمُبَارَكِ مَعَ مَدْرَسَةٍ مِنْ تِلْكَ الْمَدَارِسِ الْمُبَارَكَةِ، وُقُوفُنَا مَعَ مَدْرَسَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وَقِصَّةُ يُوسُفَ مِنْ أَرْوَعِ قِصَصِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، فَهِيَ عِبْرَةٌ لِكُلِّ ذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ، وَهِيَ مَدْرَسَةٌ حَوَتْ دُرُوسًا عَظِيمـَةً، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجـَلَّ: ” لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) يوسف ”
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّ الدُّرُوسَ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْ قِصَّةِ يُوسُفَ – عَلَيْهِ السَّلامُ- دُرُوسٌ يَطُولُ الْمَقَامُ بِالْوُقُوفِ عِنْدَهَا، غَيْرَ أَنَّنَا سَنَقِفُ عِنْدَ ثَلاثَةِ دُرُوسٍ مِنْهَا بِإِذْنِ اللهِ. فالدَّرْسُ الأَوَّلُ هُوَ أَنَّ الْحَيَاةَ خُلِقَتْ عَلَى كَدَرٍ، لا نَعِيمَ يَدُومُ فِيهَا وَلا هَنَاءَ، سَرِيعَةُ التَّقَلُّبِ، مُسْتَمِرَّةُ التَّغَيُّرِ، وَلَمْ يَكُنْ نَصِيبُ يُوسُفَ – عَلَيْهِ السَّلامُ- هَيِّنًا، فَقَدْ وَاجَهَ عَدَاوَةَ إِخْوَتِهِ وَقَسْوَتَهُمْ وَكَيْدَهُمْ، ثُمَّ بِيعَ بَعْدَ ذَلِكَ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ: ” وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) يوسف ” ، ثُمَّ عَاشَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي خِدْمَةِ قَصْرِ الْعَزِيزِ غُلامًا، وَذَاقَ عُزْلَةَ السِّجْنِ أَعْوَامًا؛ وَهُوَ الْفَتَى الصَّالِحُ الأَرِيبُ، وَالْعَبْدُ الْمُخْلِصُ الْقَرِيبُ، غَيْرَ أَنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ مَعَ كُلِّ ذَلِكَ كَانَتْ تَفُوقُ عِنْدَهُ مَرَارَةَ الأَحْزَانِ. إِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَبْوَابُ الْحَيَاةِ، وَتَعَسَّرَتْ عَلَيْهِمْ سُبُلُهَا، لَوْ نَظَرُوا إِلَى مَا قَاسَاهُ يُوْسُفُ – عَلَيْهِ السَّلامُ- وَغَيْرُهُ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ، لَهَانَ عَلَيْهِمْ مَا يُعَانُونَ، وَخَفَّتْ عَلَيْهِمْ وَطْأَةُ مَا يُقَاسُونَ. فًالشُعُورُ النَفْسِيٌّ َبِالارْتِيَاحِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالرِّضَا، الَّذِي هُوَ مِفْتَاحُ السَّعَادَةِ لا يُمْكِنُ أَنْ يُقَاسَ قِيَاسًا مَادِّيًّا، إِذْ هو أَمْرٌ قَدْ يَجْعَلُهُ اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ مَعَ ضِيقِ الْعَيْشِ، وَقَسَاوَةِ الْحَيَاةِ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ عَنْ أَوْلِيَائِهِ: ” أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) يونس ” فَهُمْ أَهْلُ السَّعَادَةِ فِي الْمَنْزِلَيْنِ، وَلَهُمُ الْبُشْرَى فِي الدَّارَيْنِ، وَمَعَ كُلِّ ذَلِكَ، فَإِنَّ فِي كُلِّ أَمْرِ اللهِ وَقَدَرِهِ حِكْمَةً، أَدْرَكَتِ الْعُقُولُ كُنْهَهَا، أَوْ حَارَتْ فِي فَهْمِهَا، وَنَحْنُ نَرَى فِي قِصَّةِ يُوسُفَ – عَلَيْهِ السَّلامُ- أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُلْقَ فِي الْجُبِّ مَا دَخَلَ مِصْرَ، وَلَوْ لَمْ يُسْجَنْ مَا صَارَ عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ، فَقَدْ تَأْتِي الرَّحْمَةُ أَحْيَانًا فِي أَثْوَابِ الشِّدَّةِ، وَقَدْ تُوْلَدُ الْمِنْحَةُ مِنْ رَحِمِ الْمِحْنَةِ، يَقُولُ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ بَعْدَ أَنْ مَكَّنَ اللهُ لَهُ: ” وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) يوسف ”
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ:
وَدَرْسُنَا الثَّانِي مِنْ قِصَّةِ يُوسُفَ – عَلَيْهِ السَّلامُ- هُوَ أَنَّ الْفَضْلَ كُلَّهُ مِنَ اللهِ لا مِنْ غَيْرِهِ، وَالْخَيْرَ كُلَّهُ بِيَدِهِ، فَمَا يَعِيشُ فيهِ الْخَلْقُ مِنْ فَضْلٍ، وَمَا يَنَالُهُمْ مِنْ نِعْمَةٍ، إِنَّمَا هُوَ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ، لِذَا كَانَ لا بُدَّ مِنْ شُكْرِهِ وَحَمْدِهِ، إِذْ لا يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ وَالشُّكْرَ سِوَاهُ. فَاللهُ سُبْحَانَهُ هُوَ وَحْدَهُ الَّذِي يَصْرِفُ السُّوءَ وَالْمِحَنَ، كَمَا يَصْرِفُ الْمُغْرِيَاتِ وَالْفِتَنَ، فَقَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ : ” قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ” يوسف وَالْعِلْمُ هِبَةٌ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ، إِذْ يَقُولُ يُوسُفُ لِصَاحِبَيْهِ فِي السِّجْنِ:” قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي (37) يوسف ” ، وَاللهُ وَحْدَهُ الَّذِي يُمَكِّنُ لِعِبَادِهِ فِي الأَرْضِ، يَقُولُ سُبْحَانَـهُ وَتَعَالَى : ” وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) ” يوسف وَاللهُ وَحْدَهُ الَّذِي يَمُنُّ عَلَى عِبَادِهِ بِالْفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، يَقُولُ اللهُ تعالى حِكَايَةً عَنْ يُوسُفَ –عَلَيْهِ السَّلامُ-: ” قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) يوسف ”
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
*** *** ***
الْحَمْدُ للهِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْـبِهِ وَمَنْ وَالاهُ.
أَمَّا بَعْدُ،
فَاعْلَمُوا -عِبَادَ اللهِ- أَنَّ مِنْ أَجَلِّ الدُّرُوسِ الَّتِي تُسْتَفَادُ مِنْ قِصَّةِ يُوسُفَ – عَلَيْهِ السَّلامُ- أَنَّ الْكَفَاءَةَ مَطْلَبُ دِينٍ، وَمُتَطَلَّبُ حَيَاةٍ. فَلَمَّا أَدْرَكَ نَبِيُّ اللهِ يُوسُفُ أَنَّهُ الْكُفْءُ لِمَنْصِبِ الْعَزِيزِ، اخْتَارَ ذَلِكَ الْمَنْصِبَ” قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) ” يوسف إِنَّهُ مَنْصِبُ أَمَانَةٍ وَتَكْلِيفٍ، لا رَفَاهِيَةٍ وَتَشْرِيفٍ، وَإِنَّمَا طَلَبَهُ بِدَافِعِ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ غَيْرَهُ بِهِ أَلْيَقُ مَا طَلَبَهُ. إِنَّ فِي هَذَا دَرْسًا لِكُلِّ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ التَّنَازُلَ عَنِ الْمُهِمَّاتِ لِغَيْرِ الأَكْفَاءِ خُلُقٌ وَتَوَاضُعٌ، أَوْ أَنَّ التَّخَلِّيَ عَنِ الْمَسْؤُولِيَّاتِ زُهْدٌ وَتَنَسُّكٌ، بَلْ ذَلِكَ وَاللهِ تَضَعْضُعٌ لا تَوَاضُعٌ، وَتَزَاهُدٌ لا زُهْدٌ. إِنَّ يُوسُفَ – عَلَيْهِ السَّلامُ- بِتَحَمُّلِهِ أَمَانَةَ خَزَائِنِ الأَرْضِ يُعَلِّمُنَا أَيْضًا أَنَّ الْفَسَادَ قَدْ يَكُونُ فِي سُوءِ الإِدَارَةِ لا فِي قِلَّةِ الْمَوَارِدِ، فَهُوَ لَمْ يَأْتِ لأَهْلِ مِصْرَ بِمَوَارِدَ جَديدَةٍ تَقِيهِمْ مُصِيبَةَ الْقَحْطِ، بَلْ أَعْمَلَ عَقْلَهُ فِي إِدَارَةِ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنْ مَوَارِدَ، وَهَذَا مَا تُحَتِّمُهُ الأَمَانَةُ، حُسْنُ إِدَارَةٍ وَجَمِيلُ تَصْرِيفٍ. كَمَا أَنَّ فِي تَحَمُّلِ يُوسُفَ لِلْمَنْصِبِ الَّذِي طَلَبَهُ دَرْسًا لِكُلِّ مَنْ تَغُرُّهُ الْوَظَائِفُ، وَتَسْتَهْوِيهِ الْمَنَاصِبُ وَالأَلْقَابُ، فَإِنَّهُ لَحِمْلٌ ثَقِيلٌ وَإِنْ قَلَّ فِي الأَعْيُنِ، فَهَلْ يَقْوَى ظَهْرُ كُلِّ حَامِلٍ لَهُ حَمْلاً، وَإِنَّهَا لأَمَانَةٌ عَظِيمَةٌ، فَهَلْ يَقْوَى كُلُّ مُتَصَدِّرٍ لَهَا تَأْدِيَةً، يَقُولُ الْمُصْطَفى صلى الله عليه وسلم : ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ))، وَالْخَائِنُونَ لأَمَانَتِهِمْ – إِخْوَةَ الإِيمَانِ- عَادَةً مَا يَتَعَلَّقُونَ بِالشِّعَارَاتِ الْجَوْفَاءِ، وَيَتَشَدَّقُونَ بِالْعِبَارَاتِ الْفَارِغَةِ، فَقَدْ كَانَ إِخْوَةُ يُوسُفَ يُرَدِّدُونَ: ” قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) وَقالوا: ” وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) يوسف ” وادَّعَوْا: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) يوسف فَكَانُوا بِصَنِيعِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ هُمُ الْخَائِنينَ، وَالْكَاذِبينَ، والْمُضَيِّعينَ.
فَاتَّقوا اللهَ – أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-، وَاحْفَظُوا أَمَانَاتِكُمْ، وَوَفُّوا وَاجِبَاتِكُمْ، وَقَدِّمُوا مَا تَسْتَطِيعُونَ لِخِدْمَةِ وَطَنِكُمْ وَأُمَّتِكُمْ.
هَذَا وَصَلُّوْا وَسَلِّمُوْا عَلَى إِمَامِ الْمُرْسَلِيْنَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِيْنَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيْماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) الاحزاب ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، فِي العَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَعَنْ المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُوْمًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُوْمًا، وَلا تَدَعْ فِيْنَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُوْمًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوْفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالْحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الْحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوفِيقِكَ، وَاحفَظْهُ بِعَينِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَستَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنفُسِنَا طَرفَةَ عِينٍ، وَلاَ أَدنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ، وَأَصلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاء وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا في ثِمَارِنَا وَزُرُوْعِنَا وكُلِّ أَرزَاقِنَا يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ.
رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، َالْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) النحل ).


تاريخ النشر: 31 أغسطس,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/280097

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014