الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الاعتبار بانصرام السنين

الاعتبار بانصرام السنين

المفتي العام للسلطنة: على الأمة أن تحاسب نفسها عند مرور هذه الأعوام، ماذا قدمت وعملت لصالح الإنسانية وتجاه رسالتها

إعداد ـ علي بن صالح السليمي:
من الخطب القيّمة والمتنوعة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة والتي ألقاها طوال سنوات ماضية .. نطرح معك ـ عزيزي القارئ ـ اليوم هذه الخطبة بعنوان:(الاعتبار بانصرام السنين)، حيث أن من أهم معالم الفكر لدى سماحته اعتماده على المنبر في الدعوة، الذي لم يكن معهوداً في عُمان في عصور سابقة ..
يستهل سماحته الخطبة قائلاً: اعلموا أن الإنسان الذي يركب دهماء هذه الحياة تتقاذف به الأمواج بين خير وشر، ونعيم وبؤس، وغنى وفقر، ورفع وخفض، وذل وعز، لجدير بأن يعتبر بكل ما يدور من حوله؛ فإن في تصاريف القضاء عبرا لأولي الألباب، والزمن يسير بالإنسان سيرا حثيثا، وكل عام من أعوامه موجة من أمواجه، تدفع بالإنسان إلى هوة الردى ومهواة الفناء، وليس هذا الفناء فناء محضا؛ ولكنه فناء محدود، ينقلب بعد ذلك إلى وجود، فالحياة التي يحياها الإنسان هنا سوف تعقبها حياة أخرى تختلف عنها كل الاختلاف، فالحياة الدنيا إنما هي حياة عمل وهي حياة محدودة، والحياة الأخرى حياة خالدة ليس لها انصرام، وهي بجانب ذلك أيضا حياة جزاء، فما يقدمه الإنسان في حياته هذه سيجده في حياته تلك، وما يزرعه هنا سيحصده هنالك، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيد) (فصلت ـ 46).
موضحاً سماحته بقوله: ولئن كانت السنون التي تمر بالإنسان هي موجات هذه الحياة التي تدفع بالإنسان إلى الفناء الذي تعقبه تلك الحياة فإنه ليجدر بهـذا الإنسان ـ وهو يمر بهذه الأعوام ـ أن يقــف عند كل عام ليعتبر وليحاسـب نفسـه: ماذا قـدّم؟ وماذا أخّر؟ وليس ذلك بالنسبة إلى الأفراد فحسب، بل هو أيضا بالنسبة إلى الأمة فإن الأفراد مطالبون بأن يحاسبوا أنفسهم كأفراد إذ الإنسان الذي يعمل صالحاً إنما يعمله لنفسه، والذي يسيء إنما يسيء على نفسه، وسيجد بين يديه يوم القيامة ما قدم في هذه الدار خيراً كان أو شراً، فعليه أن يحاسب نفسه مع مرور هذه الأيام، ماذا قدم من خير؟ وماذا عمل من صالح؟ وماذا عمل من صالح لأمته التي ينتسب إليها؟ فإنه عضو من أعضائها، يجب عليه أن يتألم لألمها، وأن يفرح بفرحها، وأن يسر بسرورها، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول:(ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).
مؤكداً بأن على الأمة أيضاً أن تحاسب نفسها عند مرور هذه الأعوام، ماذا قدمت من خير أو شر؟ وماذا عملت لصالح الإنسانية؟ وماذا عملت تجاه رسالتها التي ناطها الله تبارك وتعالى بها؟ فإن هذه الأمة أمة الإسلام ذات رسالة مقدسة، بين الله تبارك وتعالى عظم هذه الرسالة عندما قال:(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّه) (آل عمران ـ 110)، ومن أجل ذلك استحقت هذه الأمة أن تكون أمة وسطا ما بين الأمم، وكانت شهيدة على غيرها من الأمم، فالله سبحانه وتعالى يقول:(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة ـ 143)، وبيّن سبحانه وتعالى أن الفلاح إنما هو منوط بالقيام بهذه الرسالة، فمن لم يقم بهذه الرسالة التي هي أمانة منوطة بهذه الأمة فليس من الفلاح في شيء، يقول عز من قائل:(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران ـ 104)، ومعنى ذلك أن هذه الأمة مسئولة عن سائر البشر، فهي مسئولة عن الناس بحيث تأمرهم بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر، وتوجههم إلى الله، وتجرهم إلى طريق الوسطية الذي تسير عليه، فهي ملزمة قبل كل شيء أن تلتزم بنفسها الوسطية، فيكون منهجها قصداً كما أن عقيدتها وسط، وعبادتها وسط، وسائر ممارساتها التي تمارس بها الحياة وسط، فالله سبحانه وتعالى أمر هذه الأمة أن تقف عند نقطة الاعتدال، فلا تميل إلى الإفراط ولا إلى التفريط، وليس ذلك إلا بالمحافظة على أوامر الله سبحانه وتعالى، والابتعاد عن كل ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه، فليس في التزام أوامر الله عز وجل إفراط، وإنما هو اعتدال، فكل أوامر الله تبارك وتعالى تدور حول الاعتدال، فهذه الأمة مطالبة كل المطالبة أن تلتزم السير في هذا المنهج المعتدل الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، منهج يصلها بالسلامة في الدنيا، ويوصلها إلى رضوان الله تعالى في الدار الآخرة، فلو أن هذه الأمة التزمت السير في هذا المنهج الرباني ـ منهج القرآن ومنهج السنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ لم يكن هناك حيف، ولم يكن هناك خروج عن دائرة الاعتـدال، وكان بينها الوفاق والوئام، وجرت الأمـم جميعا إلى إتباع نهجها، فالسلف الصالح الذين رباهم النبي (صلى الله عليه وسلم) على القرآن الكريم وعلى سنته صلوات الله وسلامه عليه التزموا منهج الوسطية فلذلك كانوا قادة للأمم، واقتنع الناس بهذه الوسطية التي وجدوهم عليها، فدخلوا في دين الله أفواجا في وقت لم تكن تتوفر لهم فيه وسائل الإعلام، ولم تكن تتوفر فيه وسائل النقل إلا الوسائل البدائية التي كانوا يتقلون بها من مكان إلى مكان، ومع ذلك استطاعوا أن يتحدوا الصعاب، وأن يتجاوزوا العقاب حتى وصلوا إلى ما كانوا يطمحون إليه من إقامة الناس على هذا المنهج السوي منهج إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بحيث تكون عبودية الناس لله تبارك وتعالى وحده، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولا يصلح الإنسانية جميعا إلا استقامة هذه الأمة على هذا المنهج الخير.
منوهاً بأن على هذه الأمة أن تعتبر بمصير الأمم التي حادت عن هذا النهج الرباني، فالله تبارك وتعالى ضرب في كتابه الأمثال، وبين لهذه الأمة وجوب الارعواء ووجوب الازدجار ووجوب الاعتبار بما كانت عليه الأمم من قبل، وقد قال عز من قائل: (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) (الأنعام ـ 6)، ويقول سبحانه: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ) (السجدة ـ 26)، ويبين سبحانه وتعالى أن البطر في هذه الحياة يوصل إلى تلك الغاية المشئومة والعياذ بالله، فقد قال عز من قائل:(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) (القصص ـ 58)، فالقرون الخالية والأمم البائدة إنما أهلكها سوء صنيعها وانحرافها عن هذا المنهج الرباني، فواجب هذه الأمة أن تعتبر بمصير تلك الأمم، وأن ترعوي عما كانت عليه تلك الأمم من الضلالة والغي والبعد عن سواء القصد.

إلى الأعلى