الأحد 18 نوفمبر 2018 م - ١٠ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مقامات السالكين إلى رضوان رب العالمين (40)

مقامات السالكين إلى رضوان رب العالمين (40)

.. ويوجد من الكفار من يتجلّد عند المصيبة فقد جاء مدح الروم في حديث عمرو بن العاص:(أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة)، تقع عليهم الكارثة فيستدركونها بسرعة، ومن تأمل ما حدث لهم وهم النصارى بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، كيف تهدمت بلادهم فما أسرع ما أعادوا بنائها وأعادوا مسيرة الاقتصاد والإنتاج والزراعة والصناعة وقد مات منهم أكثر من 40 مليوناً، قال: وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من العشق، يصبرون على ما يهوونه من المحرمات من أنواع الأذى، فربما هذا المعشوق يجعل العاشق يتعذب من أجله ويشتغل لأجله ويحاول إرضائه بشتى الطرق، فعنده صبر ولكن بلا تقوى .. وهكذا، وقد يصبر الرجل على ما يصيبه من مصائب كالمرض والفقر ولا يكون فيه تقوى إذا قدر، إذا قدر صار جباراً شقياً، وهو شر الأقسام، لا يتقون إذا قدروا ولا يصبرون إذا ابتلوا (إن الإنسان خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً).
مراتب الصبر:
للصبر مراتب، والصبر على طاعة الله أعلى منزلة من الصبر عن المعاصي والصبر عن المعاصي أعلى منزلة من الصبر على الأقدار، فالصبر على الواجبات أعلى أنواع الصبر لأن جنس فعل الواجبات أعلى درجة عندالله من جنس ترك المحرمات، وأجر ترك المحرمات أكبر من أجر الصبر على المصائب، لأن الصبر على الواجب والصبر على ترك الحرام عملية اختيارية، لكن لما نزلت به المصيبة، شيء بدون اختياره، ليس له إلا كف النفس والصبر، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن يوسف ـ عليه السلام:(كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها الذي دعته إليه من الحرام أكمل من صبره على إلقاء أخوته له في الجبّ)، فصبره على الفاحشة أكمل وأعظم وأكثر أجراً من صبره على السجن وإلقاء أخوته له لأن الأول فيه شيءاختياري وصبره عليها صبر رضا ومحاربة للنفس لا سيما مع وجود الأسباب القوية المزينة للحرام فكان شاباً أعزباً وغريباً عند البلد وعبداً مملوكاً والمرأة جميلة وصاحبة منصب وهي التي دعته فسقطت الحواجز النفسية ثم استعانت عليه بكيد النسوة وهددته بالسجن، ثم إن زوجها ليست عنده غيرة )يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك(، وغُلّقت الأبواب وغاب الرقيب، فصار داعي الزنا قوي جداً جداً ولكنه صبر )عليه الصلاة والسلام(، أما الأمور الأخرى من السجن وإلقاء أخوته له في الجبّ فجرت عليه بغير اختياره ولا كسب له فيها.
مجالات الصبر:
ـ الصبر على بلاء الدنيا (لقد خلقنا الإنسان في كبد) مشقة وعناء وبلاء وفتن، والله تعالى قال:(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين).
ـ الصبر على مشتهيات النفس (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله)، ولذلك قال بعض السلف:(ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر..)، وقالوا:(البلاء يصبر عليه المؤمن والعافية لا يصبر عليها إلا صدّيق)، والصبر على مشتهيات النفس لابدّ أن يكون من وجوه أربعة: أن لا يركن إليها ولا يغترّ بها، وأن لا ينهمك في نيلها ويبالغ في استقصائها، وأن يصبر على أداء حق الله فيها، وأن لا يصرفها في حرام.
ـ الصبر عن التطلع إلى ما بيد الآخرين، وعن الاغترار بما ينعمون به من مال وبنين، فبعض قوم قارون ما صبروا فقالوا:(ياليت لنا مثل ما أوتي قارون)، والله تعالى قال:(أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون)، (ولا تمدَّن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه)، (إنما أعطيناهم لنفتنهم ورزق ربك خيرٌ وأبقى).
ـ الصبر على طاعة الله، وهذا أعظم أنواع الصبر وأشده على النفوس (فاعبده واصطبر لعبادته)، اصطبر أكمل وأبلغ من اصبر فالزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) على الصلاة وعلى أمر الزوجة بالصلاة، والصبر على الطاعة له ثلاثة أحوال:
أولها ـ قبل الطاعة بتصحيح النية وطرد شوائب الرياء، وثانيها ـ حال الطاعة أن لا تغفل عن الله فيها ولا تتكاسل عن أدائها وتراعي واجباتها وأركانها والخشوع في الصلاة، وثالثها ـ بعد الفراغ منها بأن لا تفشي ما عملت وتُعجَب به وتُسَمّع به في المجالس (لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى)، (ولا تبطلوا أعمالكم).
ـ الصبر على مشاق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فإنه غير خافٍ على الدعاة حال الناس اليوم من البعد عن الدين و البعد هذا يستلزم دعوة كبيرة وإنكاراً للمنكرات وصدع بالحق ، عمر بن عبدالعزيز لما استشعر المسؤولية الكبيرة في تغيير الانحرافات المتراكمة من سنوات طويلة في العهود السابقة قال:(إني أعاجل أمراً لا يعين عليه إلا الله ..!)، فنوح ـ عليه السلام ـ صبر هذا الصبر العظيم في الدعوة 950 سنة، ألف سنة إلا خمسين عاماً على جميع أنواع الابتلاءات (دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً)، وهكذا سراً وجهاراً ماترك فرصة إلا قام بالدعوة، ثم الدعوة ليست عملية سهلة لأن الإنسان يجد كيد من الأعداء وحسد حتى من الناس الذين يظنهم معهم والقريبين منه على ما آتاه الله من فضله فيتمنون أن يوقع به ويضر ويتوقف ولذلك لابد للداعية أن يصبر في الداخل والخارج، القريبين والبعيدين، مع الناس الذين هم ضده علناً أو الذين يضمرون له الشر في داخل أنفسهم، (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعنّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً)، والحل: (وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور)، (واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً)، الرسل كان من رأس مالهم وبضاعتهم الصبر على إيذاء أقوامهم بل أكّدوا على ذلك وقالت الرسل لأقوامهم:(ولنصبرنّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون)، (ولقد كُذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا)، وهكذا يصبر الداعية على طول الطريق وعقباته وبطء النصر وتأخره، (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب)، (حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين).
ـ كما إن هناك صبراً حين البأس وفي الحرب وعند لقاء العدو والتحام الصفين فيكون الصبر شرط للنصر والفرار كبيرة ولذلك أوجب الله الثبات (إذا لقيتم فئة فاثبتوا) وحذر من الفرار وتولي الأدبار، وعندما تضطرب المعركة وينفرط العقد فيكون الصبر أشد (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)، (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً)، وحدثنا الله عن الثلة المؤمنة البقية الباقية بعد عمليات الترشيح المستمرة في قصة طالوت، (إن الله مبتليكم بنهر) وعصوه من قبل ومن بعد وما بقي معه إلا قليل، (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه)، حتى الذين جاوزا النهر كان بعضهم استسلاميين فقالوا:(لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده)، (قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله)، لذلك كان المسلمون صُبُر عند اللقاء، يصبرون وكانوا يتناقلون بينهم عبارة (إنما النصر صبرُ ساعة)، والمراغمة والمدافعة الآن بين فريقين، الذي يصبر أكثر هو الذي ينتصر، فأوصى الله عباده بالصبر على ما يلاقونه من ضرر الناس وأن لا يقابلوا السيئة بمثلها (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن)، فالصبر يكون أحياناً للمعلم على أذى التلميذ، للداعية على أذى المدعوّ، للمربي على أذى المتربي .. وهكذا، ولذلك يقول الخضر لموسى:(إنك لن تستطيع معي صبراً، وكيف تصبر على مالم تحط به خبراً)، فتعهّد وقال:(ستجدني إن شاء الله صابراً)، تعهد ولكنه لم يستطع أن يصبر في تلك المواقف، فإذاً الصبر له مواقف ومواطن وحالات ومجالات ينبغي علينا أن نكون من الصابرين لله فيها.

أحمد محمد خشبة

إلى الأعلى