الخميس 20 سبتمبر 2018 م - ١٠ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (16)
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين، وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد :
فـلا زال الـحـيث مـوصـولا عـن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في الـنـفـس:
قال الله تعالى:(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّـهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (الـبـقـرة ـ 28)، وبـعـد أن نـبهـهـم، عـلى كـفـرهـم بالله بـغـير مــبر لـذلك، ثـم يأتي الله تعالى بأدلة أخـرى لا يـسـتـط،يـع أحـد أن يـنـكـرهاأو يـكـذب بها،فـيـقـول الله تعالى:(.. وكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (الـبـقـرة ـ 28)، وهـكـذا ينتقـل الكـلام إلى أصـل الحـياة والـموت، فـبعـد أن بـين الله تعالى ما ذا يفعـل الكافـرون الـفـاسقـون والـمـنافـقـون مـن إفـساد في الأرض ، وقـطـع لـمـا أمـر الله به أن يـوصل صـعـد الجـدل إلى حـديـث عـن الـحـياة والـمـوت قال تعالى:(..وكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ) قـضية لا تحـتـمـل الجـدل.
وربـما اسـتـطاعـوا الـمجـادلة في مـسألة عـدم اتـباع الـمنهـج، أو قـطـع ما أمـر الله بـه أن يـوصـل، ولـكـن قـضية الحـياة والـمـوت لا يـمكـن لأحــد أن يجـادل فـيـها، فالله عـزوجـل خـلـقـنا مـن عـدم، ولـم يـدع أحـد قـط أنه خـلـق الـناس أو حـتى خـلـق نـفـسه، وعـنـدما جـاء رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلم) وقال للـناس إن الـذي خـلـقـكـم هـو الله الـذي خـلـق كل شـيء فـقـدّره تـقـديـراً، لـم يـسـتـطـع أحـد أن يـكـذبه، ولـن يـستـطـيع ذلك لأنـنا كـنا فـعـلاً غــير مـوجـوديـن في الــدنيا، فـمـن أوجـدنا غــير الله تبارك وتعالى، فـهـو الـذي أوجـدنا ووهـب لـنا الحـيـاة، مـنه الـمـبـدأ وإلـيه الـرجـعـى، وقـوله تعالى:(يُمِيتُكُمْ)، فإن أحـدا لا يشـك في أنه سـيمـوت، والـموت مـقـدر عـلى الـناس جـميـعـاً، وإذا كان الخـلـق مـن الـعـدم واقـع بالـدلـيـل والـبرهـان فإن الـمـوت واقـع بالحـس والـمـشـاهـدة بـغـير نـكـران.
فإن قـضية الـمـوت هـي سـبـيلـنا لـمـواجـهـة أي مـلحـد، فإن قالـوا: إن العـقـل كـاف لإدارة الـحـياة، وأنه لا يـوجـد شـيء اســمه غـيـب، قـلـنا: الـذي تحـكـم في الخـلـق إيـجاداً، هـو الـذي يتحـكـم فـي الخـلـق مـوتـاً، والحـياة الـدنـيا هي مـرحـلة بـين قـوسـين، الـقـوس الأول هـو أن الله تـبارك وتعالى يـخـلـقـنا ويـوجـدنا وتـمضي رحـلة الـحـياة إلى الـقـوس الـثاني، الـذي تخـمـد فـيه بـشـريـتـنا وتتـوقـف فـيه حـياتـنـا وهـو الـمـوت، أي أنـنا في رحـلتى الـحـياة مـن الله وإلـيه، إذن: فحـركة الحـياة الـدنيا هـي بـدايـة مـن الله بالـخـلـق ونهـاية إلـيه بالـمـوت.
إنـهـم عـنـدما تحـدثـوا عـن:(أطـفال الأنـابيـب)، وهـي عـملـية لعـلاج العـقـم، أكـثـر مـن أي شـيء آخـر، لـكـنهـم صـوروهـا تصـويـراً جـاهـلـياً، وكل ما يحـدث أنـهـم يأخـذون بـويـضة مـن رحـم الأم، التي يـكـون الـمهـبـل عـنـدهـا مـسـدوداً، أو لا يـسمـح بالـتلـقـيح الطـبيـعي، يأخـذون هـذه الـبـويـضة مـن رحـم الأم، ويخصـبونها بالحـيـوانات الـمـنـويـة للـزوج، ثـم يــزرعـونـها في رحـم الأم.
إنـهـم أخـذوا مـن خـلـق الله بـويضة الأم، وأخـذوا الحـيـوان الـمـنـوي مـن الـرجـل، وكل ما يـفـعـلـونه هـو عـملـية الـتـلـقـيح، ومـع ذلك يـسمـون ذلك (أطـفـال الأنابيب)، كأن الأنـبـوبة يـمـكـن أن تخـلـق طـفـلاً، والحـقـيقة غـير ذلك.
فـبـويـضة الأم، والحـيـوان الـمـنـوي للـرجـل هـما مـن خـلـق الله، وهـم لـم يخـلـقـوا شـيئاً مـن عـدم، إنـنا نـقـول لهـم: إذا كـنتـم تـملـكـون الـمـوت والحـياة فامـنـعـوا إنسـاناً واحـداً أن يـمـوت، بــدلاً مـن إنـفـاق ألـوف الــريالات في معـالجـة الـعـقـم ، والله هـو الـذي يـقـول وقـوله الحـق:( لِّلَّـهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (الشـورى 49 ـ 50).
لـقـد اقـتصـر عـملـهـم عـلى أن يأخـذوا الـبـويـضة مـن رحـم الأم، الـمخـلـوقـة لله، وياخـذوامـن الـرجـل الحـيـوان الـمـنـوي الـمخـلـوق لله، وقـد ينـجح عـملهـم وقـد لا يـنـجـح، ومـع ذلك يـنسـبـون ذلك إلى الأنـابـيـب، كأن الأنـانبـيـب تـشـارك الله في الخـلـق، وهـل اســطاعـوا أن يـبـقـوا واحـدا عـلى قـيـد الحـياة ولـن يسـتـطـيـعـوا ذلك.
إن الـمـوت أمـر حـسي مـشاهــد، يشـهـده الـصـغـير والكـبـير، ولـذلك فـمـن رحـمة الله تعالى بالـعـقـل الـبشـري بالـنسـبة للأحـداث الـغـيـبيـة، أن الله قـربـها لـنا بشيء مـشاهـد كـيـف؟، نـعـم عـنـدما يـنـظـر الإنسان إلى نـفـسـه وهـو حي لا يـعـرف كـيـف أحـياه الله وكـيـف خـلـقـه ، والله سـبحانه وتعالى قــد ذكـر لـنا غـيب الخـلـق في الـقـرآن الكـريـم، فـقال تعالى: أنه خـلـق الإنسان مـن تـراب ومـن طـين ومـن حـماء مـسـنـون، ثـم نـفــخ فـيه مـن روحـه.
اقـرأ قـوله تعالى:( يا أيها الـناس إن كـنـتم في ريب مـن الـبعـث فإنا خـلـقـناكـم مـن تــراب، ثـم مـن نـطـفـة ثـم مـن عـلـقة ثـم مـن مـضـغـة مخـلـقـة وغـير مخـلـقـة ، لـنبـين لـكـم ونـقـر في الأرحـام مـا نشـاء إلى أجـل مـسمى، ثـم نخـركـم طـفـلا ثـم لـتـبـلـغـوا أشــدكـم ، ومـنـكـم مـن يـتـوفى ومـنـكـم مـن يـرد إلى أرذل الـعـمـر ، لـكـيـلا يـعـلـم مـن بـعـد عـلـم شـيئاً) (الحـج ـ 5)، وقـوله تعالى:(ولـقـد خـلـقـنا الإنـسان مـن سـلالة مـن طـين، ثـم جـعـلـناه نطـفـة في قـرار مـكـين، ثـم خـلـقـنا الـنـطـفة عـلـقـة، فـخـلـقـنـا الـعـلـقة مـضـغـة، فـخـلـقـنـا الـمـضـغـة عـظـاما فـكـسـونا العـظـام لـحـمـا ثم أنشأناه خـلـقـا آخـر، فـتبارك الله أحـسـن الخالـقـين) (الـمـؤمنـون 12 ـ 14)، وقـوله:(فاسـتفـتهـم أهـم أشـد خـلقـا أم مـن خـلـقـنا، إنا خـلـقـناهـم مـن طـين لازب) (الـصافات ـ 11)، وقـوله:(ولـقـد خـلـقـنـا الإنـسان مـن صـلصال مـن حـماء مـسـنـون) (الـحـجـر ـ 26)، وقـوله تعالى:(إذ قال ربـك للـمـلائـكـة إني خـالـق بـشـرا مـن طـين، فإذا سـويـته ونفـخـفـت فـيه مـن روحي فـقـعـوا له سـاجـدين) (ص71 ـ 72).
فالله سـبحانه وتعالى أخـبرنا عـن مـرحـلة مـن مـراحـل الخـلـق لـم نشهـدها، ولـكـن الـمـوت شيء مشـهـود لـنـا جـمـيـعـا ، ومـا دام يأتي الله سـبحانه وتعالى به كـدلـيـل عـلى مـراحـل الخـلـق التي لـم نشـهـدها، فالـمـوت نقـض للـحـياة، والحـياة أخـبرنا الله تـبارك وتعالى بأطـوارهـا، ولـكـنها غـيب لـم نشـهـده، ولـكـن يجـب أن يـكـون إيـمانـنا بـذلك أقـوى وأرسـخ في قـلـوبـنا، لأن الـمـصـدرمـوثـوق لـدى كل مـؤمـن.
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى