الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الصنميات في العمل الفلسطيني

الصنميات في العمل الفلسطيني

علي بدوان

” إن منظمة التحرير الفلسطينية وعموم فصائل العمل الوطني الفلسطيني وقد بلغت من العمر عتياً، كان ومازال يفترض بها أنها تجاوزت مرحلتي المراهقة “المبكرة والمتأخرة” بمعنى الفكر والممارسة، لكنها لم تستطع إلى الآن أن تتجاوز حالة التفكك والانقسام بين أطرافها المختلفة، بسبب من تعقيدات الحالة الفلسطينية، وواقع الجغرافيا السياسية وما تفرضه من إستحقاقات تبدو أحياناً أكبر من إمكانيات الفلسطينيين أنفسهم، ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الابتلاء العام الذي حَدَّ من تطور الفكر والعمل السياسي الفلسطيني، وأصاب الجسم الفلسطيني بمكوناته الفصائلية والحزبية بالأزمة، انطلق من الصنميات التي حكمت سياسات معظم تلك الفصائل والأحزاب والقوى التي غيّبت الجانب النقدي، واستعاضت عنه بلغة القيادة المعصومة والينبغيات، مع غياب العمل المؤسساتي الحقيقي والجدي، ومع إدارة الظهر للدروس والمحطات الثمينة التي مرت بها الحركة الوطنية الفلسطينية، والتي دفعت بها نحو التقوقع والتكلس والتحول إلى مايشبه الأحزاب السلطوية، كما هو حال العديد من الأحزاب السلطوية الحاكمة في بعض بلدان العالم الثالث، حيث إنتقلت الأحزاب المشار إليها من “الراديكالية العالية” الملونة بالألوان الجيفارية والكاستروية والماوية والتروتسكية وحتى الديمقراطية الليبرالية … الخ، إلى أحزاب “أيديولوجيا المنافع والجمهور الفضفاض “وبلباس” البراجماتيا المفتوحة السقف، وتالياً لم تجد من يدافع عنها إبان الأزمات كما حصل في الاتحاد السوفييتي السابق عندما أنهارت دولة الترسانة النووية وحزب العشرين مليون عضواً ولم تجد شوارع موسكو فرداً واحداً يدافع عن الإتحاد السوفييتي أو عن الحزب البلشفي الذي قاد الإتحاد السوفييتي لأكثر من سبعين عاماً.
حالة الممانعة للتجديد في الفكر والممارسة والعمل تَبَدَّت في الحالة الفلسطينية بشكلٍ فاقع، فالذين “يألفوا ولا يأنفوا” من كبح تدفق الدماء الشابة داخل أنسجة مؤسسات العمل الفلسطيني، والرافضين لنظرية “تدافع الأجيال الايجابي”، و”إحلال الجديد مكان القديم”، هؤلاء من دخل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية سنوات تأسيسها أو بعد ذلك بقليل، ومازالوا في مواقعهم “كأيقونات آثرية من التاريخ الروماني” رغم تجاوزهم السن القانوني و”سن التقاعد البشري”، وبعضهم تجاوز الثمانين من عمره واقترب من نهاية العقد التاسع دون أن يترك المجال لأجيال الشعب التي نمت في ميدان الحركة الوطنية والمقاومة والانتفاضة لتأخذ دورها في قيادة المؤسسات، فما زالوا خالدين مخلدين في قيادة مؤسساتها ماداموا على قيد الحياة، والنقد هنا لايمس بالضرورة أهمية دور القديم وعطائاته، ولاخميرة تجربته، لكن هذه الخميرة تصبح عديمة الفعالية ومؤذية حال بقائها حيث هي. وحسناً ماوقع في الدورة الثالثة والعشرين الأخيرة للمجلس الوطني الفلسطيني، والتي عقدت بداية أيار/مايو 2018 وفيها تم اختيار لجنة تنفيذية جديدة للمنظمة.
لقد سيطرة تاريخياً، القاعدة التجريبية على الحالة الفلسطينية والعمل الوطني في إطار المؤسسة الوطنية الجامعة كما هو مفترض ونعني بها منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك على حساب الإشتقاق البرنامجي القائم على فكر متطور وعلى إستيعاب عميق لمراحل ومحطات العمل الوطني الفلسطيني المختلفة منذ العام 1965.
والتجريبية التي نقصدها هنا لا تنتج عملاً أبداعياً متميزاً في السياسة والممارسة، ولاتنتج فكراً ألمعياً متألقاً، ولا تنتج كذلك رؤية واستشفاف وتقدير جيد للموقف، بمقدار ماتنتج سياسات قائمة على قاعدة (لنجرب ونرى) وتراجع في الاشتقاق الفكري ومرواحة بالمكان، وهي قاعدة أدت في نهاية المطاف للوقوع في مطبات كبرى كان ثمنها أليماً وقد تم دفعه من كيس وحساب الشعب الفلسطيني.
إن مرض التجريبية في العمل السياسي بجوانبه الفكرية والعملية في الساحة الفلسطينية وبشكلٍ عام، دفع نحو إحلال حالة الجمود والتقوقع في البنى السياسية والمؤسساتيه الفلسطينية.
ومع هذا، وحتى لانتهم بالمغالاة من قبل بعض المتسرعين، وبنظرة موضوعية بعيدة عن الاختزال التهديمي، أو النقد الجارح في تقييم مسيرة منظمة التحرير الفلسطينية، وعموم الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة بكل عثراتها وسلبياتها، فإننا يمكن أن نتلمس الكم الهائل من الانجازات التي حققتها منظمة التحرير الفلسطينية عبر مسارها الشائك، وأولى هذه الانجازات تمثل في الدور التاريخي الذي قامت به منظمة التحرير في الحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني، وفي لملمة شتاته القسري، وتالياً في إعادة بعث وبلورة كينونتة الوطنية بعد سنوات من محاولات الشطب والطمس والاقتلاع القومي، وفي إعادة تثبيت حضوره على خارطة الصراع في الشرق الأوسط كشعب أصيل من شعوب المنطقة له الحق الكامل في تقرير مصيره، وفي إيجاد الحل العادل لقضية اللاجئين من أبنائه الذين يشكلون نسبة 65% من تعداده في الداخل والشتات، وهكذا انضمت المنظمة الى الأسرة الدولية منذ العام 1974، وكسرت زجاج “الحقيقة المزيفة” التي قامت عليها وروجت لها الدولة العبرية الصهيونية من أن “فلسطين أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض ” وأنه ” لايوجد شيء اسمه الشعب الفلسطيني”.
ان منظمة التحرير الفلسطينية وعموم فصائل العمل الوطني الفلسطيني وقد بلغت من العمر عتياً، كان ومازال يفترض بها أنها تجاوزت مرحلتي المراهقة “المبكرة والمتأخرة” بمعنى الفكر والممارسة، لكنها لم تستطع الى الآن أن تتجاوز حالة التفكك والانقسام بين أطرافها المختلفة، بسبب من تعقيدات الحالة الفلسطينية، وواقع الجغرافيا السياسية وما تفرضه من إستحقاقات تبدو أحياناً أكبر من إمكانيات الفلسطينيين أنفسهم، وأكبر من أن يستطيعوا أن يلجموا تفعيلاتها، وصعوبة تحقيق التوازن الفلسطيني الديناميكي في المعادلة الاقليمية دون التأثر بمتحولات المعادلة على جانبيها. ولكن كل هذه الأسباب لاتبرر في حال من الأحوال فقدان وحدة “القرار والارادة” واستمرار الإنقسام الفلسطيني السياسي الذي يدلل في جوهرة على أزمة في العمل وفي الفكر السياسي الفلسطيني.

إلى الأعلى