Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

نَحْنُ.. بينَ فَكَّيْ كَمَّاشة..

علي عقلة عرسان

”العقل في الصراعات السياسية تحكمه الانفعالات وردود الأفعال والمصالح الضيقة ونزوات الرجال أحيانا.. حيث يتحكمُ بمُجريات الأحداث، وبمناخ التفكير والتدبير، وبالعقل والضمير في نهاية المطاف، يتحكم بذلك أشخاصٌ أيا كانوا، وأيا كانت قدراتهم، وتوجهاتهم، ونيَّاتُهم.. فإنهم في وضعهم الحاكم المتحكم، سيكونون كمَن يبحر في مركب يصارع أمواج بحر هائج، هو في حالتهم “معارك، ودماء، وأحداث وتحديات وتطورات عسكرية وأمنية وسياسية واقتصادية و.. و..”، تتصل بالحرب،”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

منطقتنا المَنكوبَةُ، تدخل مرحلَةً جديدة من الصراع، ليست معركة “ادلب”المنتظَرة ذروتُها، لكنها قد تكون مُبتداها.. وسيكون الاتفاق العسكري الإيراني – السوري الذي وقعه وزير الدفاع الإيراني العميد أمير حاتمي في دمشق يوم الاثنين ٢٨ آب/أغسطس ٢٠١٨ مع وزير الدفاع السوري اللواء علي أيوب، ذريعة الكيان الإرهابي الصهيوني لتصعيد عدواني جديد. وقد جاء في الاتفاق، على لسان حاتمي، في تصريح صحفي لوكالة أنباء “تسنيم”الإيرانية:” أن الاتفاقية تهدف إلى تعزيز البنى التحتية الدفاعية في سوريا التي تُعتبر الضامن الأساسي لاستمرار السلام والمحافظة عليه، كما تسمح بمواصلة الوجود والمشاركة الإيرانية في سوريا.. وأن “أهم بند في هذه الاتفاقية، هو إعادة بناء القوات المُسلحة والصناعات العسكرية الدفاعية السورية، لتتمكن من العودة إلى قدرتها الكاملة .. ومن خلال هذه الاتفاقية مهدنا الطريق لنبدأ بإعادة بناء الصناعات الحربية السورية، وهي تشمل أي شيء تعلن الحكومة السورية أنها بحاجة إليه لحفظ أمنها، وتستطيع إيران أن تقدمه”. حاتمي قال، في إشارة إلى معركة إدلب:”الحرب لم تنته بعد، لذلك يجب أن تستمر المواجهة حتى تطهير كل الأراضي السورية، وأعتقد أننا لسنا بعيدين عن هذا اليوم”.. وبمناسبة توقيع الاتفاق، أكد المُلحق العسكري الإيراني في دمشق عبد القاسم علي نجاد، “أن استمرار وجود مستشارين إيرانيين في سوريا هو أحد بنود الاتفاق الدفاعي والتقني الإيراني -السوري.”.. وهذا الاتفاق بمجمله وما رافقته من تصريحات ودِلالات، ستتخذ منه “إسرائيل”، كما أسلفنا، ذريعة للتصعيد العسكري ضد سوريا، مدعومة بصورة مُطلقة من الولايات المتحدة الأميركية، ومدفوعة منها بقوة وشراسة. وقد أعلنت “إسرائيل”عن مواجهة هذا الاتفاق على الأراضي السورية مواجهة مفتوحة، تتخطى كل المَواثيق والاتفاقيات والقوانين والخطوط الحمراء، إن وجدت أو إن هي احترمَت أصلاً في يوم من الأيام، كما أعلنت عن أنها ستواجه الجيش السوري، إن هو تدخل لحماية أهداف وقوات إيرانية في سوريا، أو لحماية ميليشيات موالية لإيران.. أعلن ذلك رأس الإرهاب الصهيوني نتنياهو، وأكَّد “يسرائيل كاتس”، وزير الشؤون الاستخبارية هذا التوجه نحو التصعيد العدواني في تصريح ضد الاتفاق، نشرته صحيفة ها آرتس الإسرائيلية، حيث قال:”إنه اجتياز للخط الأحمر الذي حددناه.. وإسرائيل لن تسمح لإيران بالتَّموضع في سوريا. سنتصرف بكل قوتنا ضد أي هدف إيراني في سوريا يهدد دولة إسرائيل، وإذا تدخل الدفاع الجوي للجيش السوري ضدنا فسيدفع الثمن.. وإذا دافع الأسد عن القوات الإيرانية، فسوف يتحمَّل العواقب على الفور”. وسبق هذا التهديد والوعيد الصهيونيين، تهديد أميركي لسوريا متصل بمعركة إدلب المتوقَّعة، شاركت فيه بريطانيا وفرنسا.. ردَّ عليه وزير الخارجية السورية وليد المعلم من موسكو يوم الخميس ٣٠ آب/أغسطس بقوله: إن “الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ليست سعيدة بأن ترى مخططاتها قد فشلت في سوريا، ولهذا تريد أن تعتدي على سوريا من خارج إطار مجلس الأمن، لعرقلة العملية السياسية ومساعدة تنظيم “جبهة النصرة”الإرهابي، وإطالة أمد الأزمة.. وبالتالي من حقنا المَشروع أن ندافع عن أنفسنا وعلى الدول المعتدية أن تتحمل النتائج الكارثية لعدوانها”.
الإعداد والاستعداد لمَعركة إدلب، والتهديد الصهيوني -الأميركي -البريطاني لسوريا، المُزامن لتلك المعركة، لا يتمان بمعزل عن تطورات واستعدادات عسكرية أكبر بكثير، تشكل مُناخا دوليا مشحونا بالمنازعات والتحديات والمَخاطر، وبتوقع حدوث كوارث كبيرة، سيدفع الثمن الفادح فيها، سوريا الشعب والدولة، لا سيما المدنيين فيها، لأن مركز الحدث الأساسي ما زال في سوريا وفي الصراع عليها. والمواجهة القادمة/القائمة، لم تعد شأنها وحدها، ولا هي سياسة دولية مُموَّهة، بل عسكرية بامتياز، ومكشوفة بعري تام أمام العالم، وهي مواجهة تنذر بتوسُّع دوائرها، وبإطالة مداها.. فالولايات المتحدة الأميركية، ذات الأطماع ورأس العدوان، ومعها شركاء لها، أقامت رادارات متطورة في الجزيرة السورية التي تحتلها، وطوَّرت قواعدها العسكرية وقدراتها ووجودها العسكري هناك، وحرَّكت أدواتها والمَنضوين تحت لوائها من “العملاء السوريين؟!”، مُنعِشة آمالهم الانفصالية، ومجددة شراستهم حتى ضد المدارس السورية الرسمية، وأعلنت الولايات المتحدة الأميركية أنها لن تسحب قواتها من سوريا، وعن أن لها أهدافاً تسوِّغُ بقاءها الطويل في المنطقة، وحَشدَت قوات بحرية متطورة في البحر الأبيض المتوسط وفي الخليج العربي، وطائرات في قواعدها القريبة. وقد دفع هذا روسيا الاتحادية إلى التلويح بالمواجهة، واللجوء للمنطق ذاته .. فاتهمت واشنطن بالتصعيد والتهديد، وبعرقلة كل سياسة تفضي إلى حلول سياسية في سوريا، وقالت على لسان لافروف:”إنها سوف تستأصل التقيح في إدلب”، أي “جبهة النصرة وغيرها”، وأن الولايات المُتحدة الأميركية تحمي “جبهة النصرة، وتدعم الإرهاب، وتريد تكريس الأزمة السورية واستمرارها.. وقال لافروف:”إن روسيا تدين الوجود غير الشرعي للقوات العسكرية الأجنبية على الأراضي السورية، حيث هناك قوات تمثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى.. هذه ليست حربا بالوكالة، بل مشاركة مباشرة في الحرب.”.. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية عن أن أكثر من 25 سفينة حربية، بقيادة الطراد “مارشال أوستينوف”ستشارك في مناورات في البحر المتوسط بين ١ و٨ أيلول /سبتمبر ٢٠١٨. كما ستشارك 30 طائرة في تنفيذ المهام في المجال الجوي الدولي، بما في ذلك القاذفات الاستراتيجية “تو-160″والطائرات المُضادة للغواصات من طراز “تو-142إم كا”و”إيل-38″والمُقاتلة “سو-33″وطائرات “سو-30إس إم”، التابعة للقوات.”.. ودعا الرئيس الروسي إلى “التفكير بتعليق الاتفاق بشأن الصواريخ النووية مع واشنطن، ونشر أسلحة نووية في بلدان عدة، بينها سوريا.”، حيث يوجد عندنا قاعدة جوية محمية”.
التوتر الدولي، لا سيما بين روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأميركية، يتوسع ويتصاعد، وليست العقوبات والرد عليها، هي مظهره الرئيس أو الأخطر، بل التطورات والتحديات وردات الفعل، والاستعدادات العسكرية المُنذِرة بكوارث رهيبة، وبحرب كُبرى، هي الأشد خطورة. فمناورات النجم الساطع التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية، وستجري في قاعدة محمد نجيب في مصر، بين ٨ -٢٠ أيلول /سبتمبر ٢٠١٨، وتشارك فيها عناصر من القوات البرية والبحرية والجوية والقوات الخاصة لكل من مصر والولايات المتحدة واليونان والأردن وبريطانيا والسعودية والإمارات وإيطاليا وفرنسا، كما وجهت الدعوة لعدة دول للمشاركة بصفة مراقب بينها لبنان، ورواندا، والعراق، وباكستان، والهند، وكينيا، وتنزانيا، وأوغندا، والكونغو الديمقراطية، وتشاد، وجيبوتي، ومالي، وجنوب إفريقيا، والنيجر، والسنغال وكندا..”.. تردُّ عليها روسيا الاتحادية، بمناورات منظمة شنغهاي للتعاون، التي ذكر في ٢٩ و٣٠ آب/أغسطس ٢٠١٨، أنها أنهت مناورات شاركت فيها روسيا والصين وكازاخستان وقرغيزستان والهند وباكستان.. واستخدمت فيها الطائرات الحربية والمروحيات والدروع والقوات الخاصة للبلدان المشاركة.”..
وردا على مناورات حلف شمال الأطلسي التي ستقام في النرويج، خلال شهري أكتوبر ونوفمبر ٢٠١٨ تحت اسم “ردع روسيا”، تلك التي قال سفير روسيا ومندوبها المُتجول لدى مجلس القطب الشمالي، فلاديمير باربين، في مؤتمر “موسكو “٢٠١٨:” إنها تدريبات سيجريها الناتو في أراضي النرويج ومياه شمالي المحيط الأطلسي، وسيشارك فيها نحو 40 ألف جندي و150طائرة و70سفينة حربية.”، وأكد السفير قيام الولايات المتحدة بإعادة تشكيل الأسطول الثاني الأميركي الذي تم تفكيكه بعد انتهاء الحرب الباردة، وتتواجد سفنه غالبا في شمال المحيط الأطلسي.”.
ردا على ذلك وعلى المخاطر في منطقة القطب الشمالي وعلى حدودها الغربية، قررت روسيا الاتحادية القيام بمناورات عسكرية مع الصين ومنغوليا، مِن ١١ إلى ١٥ أيلول الجاري ٢٠١٨، لم تجر مناورات مثلُها منذ عام ١٩٨١، وقال وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو عن تلك المُناورات، إنه سيشارك فيها أكثر من ألف طائرة و300 ألف عسكري، وأسطول المحيط الهادئ، والأسطول الشمالي، وقوات الإنزال بالكامل.”، وقال الكرملين إنها “ضرورية ومبرَّرة ولا غنى عنها، بسبب الوضع الدولي الراهن الذي يتسم عادة بالعداء تجاه بلدنا”، وإن “المشارَكة الصينية فيها تدل على أن البلدين الحليفين يتعاونان في كل المجالات”. وعلَّق عليها ممثل حلف الأطلسي ديلان وايت بقوله: “إن المناورات الروسية المُقبلة تهدف إلى إعداد العسكريين الروس لنزاعات واسعة النطاق”.
ومن المعروف المَكشوف المُعلَن، أن مواجهات الكبار وردود أفعالهم، بعضهم على بعض، تشمل العالم، لكنها تنطلق من بؤر محددة، وقد تتركَّز فيها، وتلك البؤر تبقى مترابطة سياسيا.. وفي المشهد الدولي الحالي، الكل يلجأ إلى خيار القوة أو يُلوِّح بها، على حساب السياسة الحكيمة التي تلاشت وأصبحت “منطق قوة”، وردود فعل على تمظهرات القوة.
إن هذا المناخ العام مخيف، ومخاطره تتركز في البؤر وعليها، وسوريا الوطن العزيز إحدى تلك البؤر. وهو مناخ ينذر بكوارث جديدة تحل على سوريا والسوريين، وسيكون معظم ضحاياها من المدنيين والنازحين والمُهجرين في محافظة إدلب، وشمال حماة، وغرب حلب.. تلك المناطق المرجَّحة للاشتباكات، عدا ما قد تفرضه المواجهات من مواقع أخرى، ومن تطورات. إن سوريا تخوض هذه المَخاضة عسكريا، ولا تستطيع ألا أن تخوض فيها لأن الأرض أرضها، والشعب شعبها، والعدوان سيكون عليها، ولأن الخيارات الأخرى البديلة تكاد تكون معدومة.. ومن ثم فإنها، شاءت أم أبت، ستكون بؤرة دوامة الحدث/الإعصار، ومَن سيدفع الثمن الفادح، مع كل ما تحمَّلته ودفعته من أثمان للحرب/الكارثة المستمرة منذ ثماني سنوات.
إن القوى والدول والتحالفات الدولية المُتصارعة في سوريا وعليها، لا تأخذ الجانب الإنساني لشعبنا ومواطنينا بالاعتبار، وإن هي قالت بذلك ورددته، لأن أقوالها لا تتعدى اللَّغْو ولن تتعداه.. والأمم المتحدة التي تحذر من كارثة إذا ما نشب قتال في المَنطقة، لا تملك أكثر من بضاعة “الإعلان عن القَلَق”، والتحذير الكلامي الذي لا يرتِّب شيئاً في نهاية المَطاف، وعندما يطفح الكيل، ويضج العالم مُطالبا الهيئات الدولية المَعنية بموقف، يكون منها “تنديد”بلا طعم ولا معنى ولا قيمة.
العقل في الصراعات السياسية تحكمه الانفعالات وردود الأفعال والمصالح الضيقة ونزوات الرجال أحيانا.. حيث يتحكمُ بمُجريات الأحداث، وبمناخ التفكير والتدبير، وبالعقل والضمير في نهاية المطاف، يتحكم بذلك أشخاصٌ أيا كانوا، وأيا كانت قدراتهم، وتوجهاتهم، ونيَّاتُهم.. فإنهم في وضعهم الحاكم المتحكم، سيكونون كمَن يبحر في مركب يصارع أمواج بحر هائج، هو في حالتهم “معارك، ودماء، وأحداث وتحديات وتطورات عسكرية وأمنية وسياسية واقتصادية و.. و..”، تتصل بالحرب، وتزجُّهم فيها وفي المِحن التي تُنتجها، وتكبر أكثر وأكثر.. ومن ثم فإن كلاً منهم سيرى ويتصرف من خلال ما يعتقد أنه “واجب وطني”، ضيق ويضيق، ومن خلال ما يرى أنه مصالح، حتى لو ضغطت حبالُها على عنقه.. فيتسبب كل منهم بكارثة تنصب على الإنسانية، سواء أكان رابحا أم خاسرا، منتصرا أم مهزوما.. ولن يكون هناك مجال لأي تفكير عقلاني حاكم أو مؤثر، يراعي الجانب الإنساني.. أمَّا الأخلاقي، فهو جانب مُلغىً في السياسية أيام السلم، فكيف سيكون حالُه ومآله في أيام الحرب؟! وهكذا يتسبب أولئك الأشخاص بكوارث يعرفها تاريخ الحروب، وقد تَسبَّب بمثلها كثيرون سبقوهم، ممَّن وضعوا البشر بين فَكَّيْ كَمَّاشَة، وأدخلوهم مداخل الحروب والكوارث والمِحَن، تلك التي أضحت رَحِما للحروب، وولَّدَت صراعات وكوارث ومِحَنا، وأنجبَت ساسة وقادة يتسببون بالمَصائب والبؤس والكوارث للبلدان والشعوب، للقيم والإنسان.. .. لخلق الله، كل خلق الله، إلا من رَحِمَ ربُّك، وهم قليل.


تاريخ النشر: 1 سبتمبر,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/280280

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014