Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

سياسة ترامب لتسوية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.. قرارات مؤسسية أم هوى شخصي

* أميركا تتجاهل حق تقرير مصير الشعب الفلسطيني رغم دورها في تأسيس إسرائيل
* رؤساء الولايات المتحدة منذ النشأة يعتبرون “حماية أمن إسرائيل التزام قومي”
* “الفيتو” سلاح الإدارة الأميركية في إجهاض مشاريع إقامة الدولة الفلسطينية
د.اسامة نورالدين ( باحث في العلاقات الدولية)
مقدمة:
لا يزال الرئيس الأميركي دونالد ترامب يمثل لغزا للمواطن العربي، إذ ينظر إليه البعض على أنه يتخذ قرارات يغلب عليها العصبية والتهور، وذلك على عكس ما هو متعارف عليه بالنسبة للسياسة الأميركية، غير أن المدقق في تلك السياسات يلحظ أن ترامب يسير على خطى أسلافه من رؤساء الولايات المتحدة الأميركية، خاصة فيما يتعلق بالدور الأميركي في القضية الفلسطينية، ذلك الدور الذي تصاعد مؤخرا بعد الحديث عن ما يعرف باسم” صفقة القرن” التي يراد لها أن تضع نهاية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حتى ولو كان ذلك على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالحديث عن صفقة القرن ليس وليد اليوم، وإنما سبق وأن تم التعرض له من قبل إدارات سابقة وإن بصيغ مختلفة، بل وقد يكون الحديث اليوم نتيجة للسياسة الأميركية خلال العقدين الماضيين وبالتحديد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وحديث وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس عن مشروع” الشرق الأوسط الكبير” وما يتعلق به من محاولات لتقسيم وتفتيت الوطن العربي، وبحيث تصبح إسرائيل هي القوة الإقليمية الأكبر في المنطقة. ويعني ذلك أن ترامب لم يغير في مضمون السياسة الأميركية المؤسسية تجاه القضية الفلسطينية، وإن كان يتبع استراتيجيات جديدة مغايرة للاستراتيجيات التي كان يتبعها أسلافه من رؤساء الولايات المتحدة، والذين كانوا يعتمدون علي سياسة النفس الطويل في تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
تحولات السياسة الأميركية تجاه الصراع
في الواقع، مرت السياسة الأميركية تجاه الصراع بمراحل متعددة، وكانت في أغلب تلك المراحل سببا في إطالة أمد الصراع، نتيجة لتأييدها غير المشروط، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، للممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني وحقه المشروع في إقامة دولة مستقلة على حدود عام 1967.
وكان قادة الولايات المتحدة قد أسهموا حتى قبل أن ترى إسرائيل النور بأكثر من ربع قرن في وضع الأسس الأولى لهذا البناء الجديد المخالف حتى للأسس التي وضعها رؤساء الولايات المتحدة أنفسهم والخاصة بحق الشعوب في تقرير المصير.
ففي عام 1916، تقرر وضع فلسطين كشأن دولي بموجب اتفاقية (سايكس – بيكو) التي عقدت سرًّا ما بين بريطانيا وفرنسا، وما تبعها من إعلان وزير الخارجية البريطاني “آرثر جيمس بلفور” في الثاني من نوفمبر عام 1917 بذلت الحكومة البريطانية قصارى جهدها لتسهيل إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين .
وكان هدف بريطانيا في ذلك الوقت أن يعمد الصهاينة الأميركان إلى تمهيد الطريق لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى لملء الفراغ الناشئ عن انسحاب روسيا من الحرب.
وبالفعل نجح قاضي المحكمة العليا “لويس برانديس” في عهد الرئيس ويلسون، بمراقبة ما يجري من محادثات في لندن بين الحكومة البريطانية والصهاينة مراقبة دقيقة. وإرسال أفكار تتضمن الاعتراف بفلسطين وطنا قوميا لليهود، وإطلاق العنان لليهود في كافة الأقطار للهجرة إلى فلسطين.
وكان برانديس هو من تولى المبادرة إلى إجراء مباحثات مع الرئيس ويلسن، وإقناعه بحق اليهود في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين، حيث تأثر الرئيس الأميركي في ذلك الوقت بأفكار برانديس الذي كان يعتبره ويلسون الرجل الذي يدين له بمستقبله السياسي.
وفي مقابل ذلك لم يعطِ الرئيس ويلسن أهمية كبيرة للتقرير الذي قدمته لجنة “كينغ كرين” عام 1919 إلى الوفد الأميركي الذى ظل في باريس بعد مغادرة ويلسون والذي أوضحت فيه بشكل لا لبس فيه أن إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين سيكون انتهاكا صارخا لحق الأهالي الأصليين في تقرير المصير.
ونظرا لخطورة التقرير فقد تم حجبه لأكثر من ثلاث سنوات، ليس هذا فحسب، بل وتعرض ويلسون لضغوط هائلة من زعماء الصهيونية في أميركا دفعته لأن يبعث برسالة رسمية إلى وزير خارجيته يوصى فيها الوفد الأميركي في باريس للالتزام بوعد بلفور، واعتباره وعدا قاطعا، لا يسع الولايات المتحدة تحت أي ظرف أن تنقضه أو أن تعدل فيه.
ولم يكتف الصهاينة بتأثيرهم على الرئيس ويلسون، بل واصلوا سياسة الضغط على من بعده، لاستكمال مخططاتهم الخاصة بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، إذ تكشف السياسة التي اتبعتها إدارة ترومان عن ميله إلى تأييد خلق وصاية من الأمم المتحدة على فلسطين، وذلك في مارس 1948، وعلى إثر ذلك قامت مجموعة من زعماء منظمة “بناى بريث” (أقدم المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة والتي تأسست عام 1843) بترتيب لقاء بين حاييم وايزمن والرئيس ترومان، لحث الرئيس على دعم مشروع التقسيم. واقناعه بتجاهل، أو رفض مشورة المسئولين في وزارتي الخارجية والدفاع الذين كانوا يعارضون الدعم الأميركي غير المشروط لإقامة دولة يهودية في فلسطين.
الولايات المتحدة تتجاهل حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير
على خلاف المتوقع لم يقم الرئيس دوايت أيزنهاور، بصفته الرئيس الأميركي الأول الذي يتسلم منصب رئيس الجمهورية بعد تقسيم فلسطين وإنشاء دولة إسرائيل، بأي عمل قوي لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين، ولم يحدث أي تقدم نحو تحقيق تقرير المصير للفلسطينيين خلال الخمسينيات، بل على العكس كان للقرارات التي اتخذت أثناء حكم أيزنهاور أثر كبير في التأثير في وجهة المناقشة اللاحقة عن فلسطين، وكذلك في التقليل من احتمال تعويض ذي بال للفلسطينيين وإعادتهم على نطاق واسع إلى ديارهم.
لذلك لم يكن مهما في ذلك الوقت إيجاد حل للنزاع العربي الإسرائيلي وللقضية الفلسطينية إلا بقدر ما قد يضر الإخفاق في ذلك بعلاقات الولايات المتحدة والغرب بالعالم العربي، ويجعل الدول العربية قابلة لتلقى النفوذ السوفييتي، ويخاطر بأمن مصادر النفط في الشرق الأوسط.
وكان لإدارة أيزنهاور منذ البداية غرض معلن مفاده: اتباع توجه “متوازن” في الشرق الأوسط، وتطوير علاقات قوية والحفاظ عليها مع الأقطار المناهضة للشيوعية كافة. وقد قام وزير الخارجية دالاس في ربيع عام 1953 بزيارة موسعة إلى الشرق الأدنى وجنوب آسيا لتقصي الحقائق. وبعيد عودته وجه خطابا بالراديو إلى الشعب الأميركي ضمَّنه ملاحظاته واهتماماته واستنتاجاته التي أشار فيها إلى تجمع معظم اللاجئين الفلسطينيين البالغ عددهم 000ر800 نسمة بالقرب من إسرائيل، وإنه لذلك يتعين أن تصبح إسرائيل جزءا من مجتمع الشرق الأدنى وأن تتوقف عن النظر إلى نفسها، أو يتوقف نظر الآخرين إليها، كغريبة عن هذا المجتمع. وان تحقيق ذلك يتطلب تنازلات من الطرفين، ويعتبر هذا الكلام قريبا جدا مما يتم طرحه الآن من قبل إدارة الرئيس ترمب فيما يعرف بصفقة القرن ومحاولات إدماج إسرائيل في المنطقة.
ومن الواضح أن هذه السياسة لم تكن تتضمن فهما للفلسطينيين كجماعة وطنية متميزة وذات حقوق سياسية. على العكس، فقد جرى النظر تحديدا إلى الفلسطينيين على أنهم لاجئون بحاجة إلى إعادة التوطين والعودة والتأهيل والتعويض، حتى يمكن حل الصراع العربي الإسرائيلي، وحتى يمكن للولايات المتحدة أن تستمر في تكوين تحالفات سياسية مع الدول العربية المحافظة، مثل الأردن والسعودية، وكذلك مع إسرائيل.
كما أنه وعلى الرغم من محاولة الرئيس جون كيندي (1961- 1963) تفهم مشاكل المنطقة، إلا أن تصوره لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كان يقوم على التزام بلاده بأمن إسرائيل ورخائها بشرط أن تراعي إسرائيل مصالح أميركا في المنطقة.
وكان كيندي هو أول رئيس أميركي يرسى أسسا وطيدة لما أضحى بعد ذلك صداقة وثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ دشن برنامج المبيعات العسكرية إلى إسرائيل، وأخذ يُفْصِح صراحةً عما هو معهود الآن من عبارات التعلق الأميركي، العاطفي والأخلاقي، بالدولة اليهودية. وكان ذلك بسبب حصوله على أكثر من 80 بالمائة من أصوات اليهود، وتصريحه أمام المؤتمر القومي للمنظمة الصهيونية الأميركية في أغسطس1960: “بأن الصداقة لإسرائيل ليست أمرا حزبيا، بل هي التزام قومي.
ولم يكتف كيندي بذلك بل ووعد بتقديم العون العسكري لإسرائيل، إذا ما نشبت الحرب مع العرب، كما أعطى تأييده الكامل لخطة إسرائيل في تحويل مجرى نهر الأردن من أجل ري النقب.
وكان ” كيندي” يرى أن السلام في الشرق الأوسط يمكن أن يأتي على مراحل، واقترح على إسرائيل الموافقة على فصل مشكلة اللاجئين العرب عن المشاكل العامة في الشرق الأوسط، كما كان يرى انه متى سويت مشكلة اللاجئين العرب تسوية شاملة، اتضح الطريق إلى السلام، إلا أنه بالرغم من امتلاكه القدرة والإمكانيات التي تمكنه من تنفيذ رؤيته لم يستطع المضي قدما في هذا الطريق، إذ تعثرت تلك الخطوات بسبب التعنت والصَّلَف الإسرائيلي الرافض لتقديم أي تنازلات.
وأخذت العلاقات الأميركية – الإسرائيلية بمرور الوقت تتحول من صداقة عادية إلى علاقات استراتيجية يصعب فكاكها أو التأثير عليها لصالح إيجاد حل عادل وناجز للصراع، ففي عهد “الرئيس جونسون” ازدهرت الصداقة الأميركية – الإسرائيلية، فالرئيس المتعاطف شخصيا مع إسرائيل، كان محاطا بدعاة أقوياء يدعون إلى هذه الصداقة التي وصلت إلى درجة تمتع كل من سفير إسرائيل أفرام هارمان والوزير المفوض في السفارة إفرايم إفرون بإذن للدخول بسهولة إلى البيت الأبيض بسبب صداقاتهما الشخصية مع رئيس الجمهورية، لذلك وعلى عكس سلفه لم يظهر جونسون إلا قليلاً من الاهتمام بقضية اللاجئين الفلسطينيين.
والواقع أن الرؤية الإسرائيلية بشأن تلك المسألة قد أضحت مقبولة في الولايات المتحدة إلى حد انها شكلت جزءا من منهاج الحزب الديمقراطي والرئيس جونسون الذي وعد بتشجيع إعادة توطين اللاجئين العرب في الأراضي التي يتوفر فيها المجال والفرص، وهو ما يعد تكرارا نموذجيا لما يقوله ترامب وأفراد إدارته فيما يتعلق بمسألة اللاجئين.
وقد ظل موقف الولايات المتحدة بشأن الفلسطينيين كما كان عليه من قبل حتى نهاية فترة جونسون التي شهدت نكسة 1967 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة.
وجاء ريتشارد نيكسون إلى السلطة عام 1969 وهو على اطلاع أكثر من أي رئيس من الرؤساء الذين سبقوه بتطورات الاحداث في منطقة الشرق الأوسط، ولو أنه كان على جهل كبير بالجانب الفلسطيني من الصراع، كما أنه وعلى خلاف ترومان أو كينيدي أو جونسون من قبله، لم يكن يدين بديون سياسية لأنصار إسرائيل المحليين الأقوياء. إذ لم يحظ إلا بـ 15 بالمائة فقط من أصوات اليهود في انتخابات 1968، إلا أنه لم يحد عن مناصرة إسرائيل ورفع من حجم المساعدات، الاقتصادية منها والعسكرية، وجعل أميركا تصطف دبلوماسيا في صف إسرائيل على نحو لم يسبق له مثيل، حتى إلى درجة الإسفاف في استخدام الفيتو الأميركي في الأمم المتحدة، وذلك باستعماله مرارا وتكرارا لحماية إسرائيل.
واستمر كيسنجر بالطبع في عمله بصفته سيد سياسة أميركا الخارجية طوال البقية الباقية من ولاية نيكسون الثانية التي لم يتمها، وخلال ذلك الوقت، استمر كيسنجر في سياسته الداعمة لإسرائيل دعما قويا مقربا بين القطرين بصفتهما “حليفين” كل التقريب. وقد توج إنجازه هذا بالاتفاقية الاستثنائية جدا التي لم توقع الولايات المتحدة مثلها في السابق قط، وهى التي تسمى “اتفاقية سيناء”، والتي جرى توقيعها في الأول من سبتمبر 1975، والتي صاحبها أضخم تنازل من الخزانة الأميركية وأكبر دعم دبلوماسي تقدمه واشنطن على الإطلاق إلى قطر آخر، والتى وافقت إسرائيل بموجبها على أن تعيد إلى مصر حقول نفط سيناء التي استولت عليها في حرب 1967، وان تنسحب مسافة تتراوح بين عشرين إلى أربعين ميلاً شرق قناة السويس، وذلك مقابل إلزام كيسنجر الولايات المتحدة بمجموعة مذهلة من العطايا إلى إسرائيل ابتداء من وعد بمعونة سنوية قدرها بليونا دولار، وحق الاطلاع على أحدث الأسلحة الأميركية وضمان حاجاتها النفطية، إلى آخر ذلك من الوعود الأخرى. وقد تضمنت هذه الوعود امتيازين دبلوماسيين مهمين: أحدهما التنسيق الكامل بشأن التطورات الدبلوماسية، والآخر وعد” بعدم الاعتراف أو التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية ما دامت هذه المنظمة لا تعترف بحق إسرائيل بالوجود ولا تقبل بقراري مجلس الأمن رقمي (242) و (338)” .
إن هذه الوعود البعيدة الأثر لم تلزم الولايات المتحدة فحسب بوضع فريد يضمن وجود إسرائيل اقتصاديا وعسكريا، بل إنها قضت كذلك بتنسيق سياسات أميركا دبلوماسيا مع سياسات إسرائيل .
إسرائيل منفعة استراتيجية
لم يختلف الرئيس جيمى كارتر عن سابقيه، بل على العكس بدأ الرجل حملته الانتخابية على أساس برنامج يناصر إسرائيل بقوة ويناهض الفلسطينيين بقوة أيضا، إذ تمسك كارتر طوال حملته بصيغة كيسنجر، وهي “لا مفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية حتى تعترف بقرار الأمم المتحدة رقم (242) وبحق إسرائيل في الوجود”. وكان كارتر قد قام بزيارة إسرائيل عام 1973 وهو حاكم لولاية جورجيا، وكان، بصفته سياسيا ومسيحيا ورعا، يعرب باستمرار عن تعاطفه العميق مع الدولة اليهودية وعن التزامه تجاهها.
ولذلك عملت إدارة كارتر جاهدة، من أجل تمهيد الطريق أمام معاهدة سلام عربية إسرائيلية، ولكن بالنظر إلى الطريقة التي جرى فيها وضع “إطار السلام”، وإلى ما في لغته من التباسات أساسية وغموض شديد، فان الاتفاق لم يؤدِّ إلا إلى معاهدة سلام مصرية إسرائيلية، وقد كانت معاهدة ثنائية بين طرفين فقط من أطراف الصراع.
وفي فترة الرئيس ريجان خطت العلاقة خطوة كبرى إلى الأمام، إذ رأت إدارته في إسرائيل، منفعة استراتيجية يعول عليها في الصراع الإقليمي ضد الاتحاد السوفييتي من أجل إحراز الموقع الأول في الشرق الأوسط .
وقد جاءت واحدة من التصريحات المبكرة والصريحة عن وجهات نظر رونالد ريجان في شكل رأى له، نشرته ” واشنطن بوست ” يوم 15 أغسطس عام 1979، في الوقت الذى بدأ فيه حملته من أجل الرئاسة. وكان هذا الرأي منحازا بقوة في لهجته إلى إسرائيل، إلا أنه كان ينطوي على أكثر من ذلك، إذ إن ريجان حدد القضية الرئيسية في المنطقة بأنها التهديد السوفييتي المنذر بالخطر، وأن إسرائيل وحدها هي التي تقف كحصن يعتد به في مواجهة هذا الخطر، كما تضمن الرأي أن الخلافات بين الدول العربية أخطر كثيرًا من الصراع العربي الإسرائيلي، وأنه من الخطورة بمكان إنشاء دولة فلسطينية راديكالية على حدود إسرائيل.
واعتقد ريغان أن المسألة المهمة هي في كيفية التوفيق بين الأمور الأمنية المشروعة التي تهم إسرائيل والحقوق المشروعة للفلسطينيين، وأكد على الفكرة القاضية بفترة الحكم الانتقالي لمدة خمس سنوات بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة الواردة في اتفاقيات كامب ديفيد، باعتبار ذلك الطريقة لضمان النقل السلمي والمنظم للسلطة من إسرائيل إلى السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة .
وقد امتازت معظم سنوات إدارة ريغان التي امتدت بين عامي 1981 و 1988 باستمرار السياسة الأميركية التقليدية المناهضة للفلسطينيين من حيث الإصرار على عدم تميز القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني ومقاومة مشروعة ووجود كيان شرعي ممثل للشعب الفلسطيني، ومن ثَم دمج القضية الفلسطينية في إطار أوسع هو الكونفدرالية مع الأردن.
ومع انتهاء فترة الرئيس ريغان وبداية إدارة الرئيس بوش الأب أبدت هذه الإدارة على لسان وزير خارجيته جيمس بيكر تعبيرها عن دعمها المستمر لدولة إسرائيل، على الرغم من حوارها مع منظمة التحرير الفلسطينية.
الفيتو الأميركي وفرص السلام الضائعة
بعد انتهاء الحرب الأميركية ضد العراق وتحرير الكويت بدأت الدلائل تتجمع بأن بوش وجيمس بيكر وجدا أن هناك فرصا للسلام نشأت عن أزمة الخليج للبدء في عملية السلام.
وبالرغم من نجاح إدارة بوش الأب في عقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، إلا أنها حافظت على النسق التاريخي لسياسة الولايات المتحدة نحو الفلسطينيين، بما في ذلك رفض حقهم في تقرير المصير، وفي دولة مستقلة، وفي اختيار زعمائهم.
كما حرصت على استخدام الفيتو مرارا لدعم إسرائيل ضد الفلسطينيين، كما شنت حملة ناجحة في الأمم المتحدة لإلغاء قرارها الصادر عام 1975 بتسوية الصهيونية مع العنصرية، بالاضافة إلي الدعم الأميركي الدبلوماسي والاقتصادي واللوجستي من أجل هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل، وكذلك هجرة يهود الحبشة إليها، والتعاون الاستراتيجي المتعمق بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والمبالغ المتزايدة من المعونة المالية إلى الدولة اليهودية، وإن كانت تتبع سياسات تتناقض مع مبادئ الولايات المتحدة المعلنة .
وبعد انتهاء فترة الرئيس جورج بوش تبنى الرئيس كلينتون خلال فترتيه الأولى والثانية استراتيجيات وتكتيكات متعددة بهدف إحراز نتائج ملموسة على أرض الواقع، ومن هذه الاستراتيجيات تعيين مبعوث خاص لعملية السلام حتى يضع الرؤى والتصورات وآليات التنفيذ فيما يتعلق بهذا الملف، إذ من المعروف أن إدارة كلينتون عينت “دينس روس” كمبعوث خاص لعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين لمرحلة ما، في الوقت نفسه الذي تدخلت الإدارة الأميركية عبر الرئيس كلينتون لفرض رؤى سلمية قادرة على جلب السلام وتوقيع اتفاق بين الطرفين يضمن انتهاء الصراع والبدء بترتيبات لمرحلة جديدة، إلا أن جهود كلينتون توقفت عام 2000، حيث فشل اجتماع كامب ديفيد بين الفلسطينيين والإسرائيليين في صيف ذاك العام، واندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
ولم تختلف سياسات الرئيس ترامب عن سياسات كلا من الرئيسين جورج دبليو بوش وباراك أوباما، بل تسير في نفس الاتجاه ولكن بطرق واستراتيجيات مختلفة، وإن كان ترامب يهدف هذه المرة ليس لتسوية الصراع وإنما لإنهائه بالشكل الذي يصب في مصحلة أمن واستقرار إسرائيل.
إلا أنه على الرغم من الضغط الشديد الذي يتعرض له الفلسطينيون في الوقت الحالي، وحالة الضعف العربي الشديد والتي توحي بقرب نجاح الولايات المتحدة في تنفيذ ما يعرف بصفقة القرن، فإن صمود الشعب الفلسطيني الكبير والدور المصري والأردني الرافض لتلك الصفقة، لن يجعل نجاحها سهلا، وهو ما يجعل إدارة ترامب كغيرها من الإدارات السابقة تعول من جديد على عامل الوقت، حيث تظن أن استمرار الحصار المفروض علي قطاع غزة، وقطع المعونات المقدمة لمنظمة الأنروا، والضغط على السلطة الفلسطينية والأردن ومصر قد يساعد في تمرير هذه الصفقة.
ويعني ذلك أن الرئيس ترامب يسير على خطى أسلافه من رؤساء الولايات المتحدة الذين أكدوا أن حماية أمن إسرائيل التزام قومي لم يخل به أي رئيس في السابق ولن يخل به أي رئيس في المستقبل، وأن ما يقوم به قادة الولايات المتحدة بما في ذلك تامب، إنما يتمثل في السعي إلى التوفيق بين الاحتياجات الفلسطينية الرمزية، والاحتياجات الإسرائيلية الحقيقية خاصة ما يتعلق منها بالأمن والمصالح الوطنية العليا، لذلك لا يتوقع أن تسفر مساعي ترامب الخاصة بصفقة القرن عن تقدم حقيقي في طريق عملية السلام، بل قد تزيد الأوضاع توترا وتزيد من حالة الاحتقان في منطقة الشرق الأوسط.
المراجع
Mark P. Cohen, “U. S. Legal Involvement in Violations of Palestinian Rights,” (Journal of Palestine Studies, Vol. 18, No. 3, Spring 1989), pp. 76-95.
Leonard J. Stein, The Balfour Declaration, (London: Vallentine; New York: Simon, 1961), frontispiece.
Anthony Nutting, The Tragedy of Palestine from the Balfour Declaration to Today, (London: Arab League Office, 1969).
Frank Edward Manuel, The Realities of American- Palestine Relations, (Washington DC: Public Affairs Press, 1949), p. 165.
New York Times, 11-5-1917.
Mohammed K. Shadid, The United States and the Palestinians, (London: Croom Helm, 1981), p. 25, and Daniels, The Wilson Era: Years of Peace, 1910-1917, p. 543.
Reuben Fink, (Ed.), America and Palestine: The Attitude of Official America and of the American People toward the Rebuilding of Palestine as a Free and Democratic Jewish Commonwealth, (New York: American Zionist Emergency Council, 1944), p.30.
David Hunter Miller, My Diary at the Conference of Paris: With Documents, (New York: Appeal Printing Company, 1928), Vol. 15, pp. 104-108.
Harry Nicholas Howard, The King- Crane Commission: An American Inquiry in the Middle East, (Beirut: Khayats, 1963), pp. 11-12.
Walid Khalidi, Ed., From Haven to Conquest: Readings in Zionism and the Palestine Problem until 1948, I. P. S. Anthologie Seies; No. 2 (Beirut: Institute for Palestine Studies, 1971). pp. 213-218.
Tillman, Anglo- American Relations at the Paris Peace Conference of 1919, p. 227.
Congressional Record, 67th Congress, 2nd sess, S. J. Res. 191, (Washingtion, DC: U. S. Government Printing Office, 1922), 62, p. 5: 5376.
House of Representatives, 67th Congress, 2 nd sess, “National Home for the Jewish People in Palestine, ” Report No. 1038. May 31, 1922 (Washington DC: U. S. Government Printing Office, 1922).

حسين شريف، الولايات المتحدة من الحرب الباردة إلى أنون فيتنام 1945 – 1966، الجزء الثاني، )الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 2001(، ص ص 45-50.
محمد حسنين هيكل، سنوات الغليان، (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1988)، ص 532.
حسين الشريف، الولايات المتحدة من الحرب الباردة إلى أنون فيتنام 1945 – 1966،مرجع سابق، ص ص 120- 130.
جانيس تيري، “إدارة كارتر والفلسطينيون” في فلسطين والسياسة الأمريكية من ويلسون إلى كلينتون، تحرير: ميخائيل سليمان، (لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1 1996)، ص ص 227-229.
وليام كوانت، “محاضرة حول الحوار الأمريكي – الفلسطيني”، ألقاها في الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشئون الدولية، (القدس: 27/7/1989)، ص 7.
رونالد ريجان، “الاعتراف بالرصيد الإسرائيلي”، واشنطن بوست، (15 أغسطس 1979).
وليام كوانت، ” ماذا بعد عاصفة حرب الخليج، رؤية عالمية لمستقبل الشرق الأوسط ( القاهرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1992) ، ص 370.
محمد ربيع، الحوار الفلسطيني الأمريكي، (عمان: دار الجليل 1995)، ص ص 119 – 204.
برهان غليون، في أزمة الخليج وتداعياتها على الوطن العربي، (بيروت: ندوة مركز دراسات الوحدة العربية، تشرين الأول، أكتوبر، 1991)، ص ص 21 -22.


تاريخ النشر: 1 سبتمبر,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/280365

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014