الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / لهذا كان العقاد مفكرا ودون ذلك شاعرا !

لهذا كان العقاد مفكرا ودون ذلك شاعرا !

ماذا لو أخضعنا ألف شاب عربي لبرنامج تدريبي لمدة خمس أو عشر أو عشرين سنة على كتابة القصيدة والرواية والقصة القصيرة،! هل سنجد لدينا بعد انتهاء فترة التدريب ألف أديب ؟
نعم، من وجهة نظر الصندوق العربي للثقافة والفنون “آفاق” الذي دشن في بيروت دورة تدريبية لمدة عام لتعلم كتابة الرواية! ثمة من يظنون في هذا العالم أن تلميذا مجتهدالديه مقدرة جيدة على حفظ ما يلقن يمكن أن يكون روائيا عظيما لو التحق بدورة لتعلم تقنيات الحكي الروائي، ويذكرني هذا بسؤال وجهه مرة الأديب الأميركي سنكلير لويس إلى مجموعة من الطلاب حين وجهت له الدعوة ليحاضر فيهم حول كيفية الكتابة، حيث بدأ محاضرته بسؤالهم: كم منكم لديه الرغبة الجادة في أن يكون كاتبا؟ فرفع معظمهم أياديهم، فقال ربما ساخرا: حسنا، لماذا لا تعودون إلى منازلكم لتكتبوا ! ثم غادر القاعة.
هل كان يعني بسلوكه هذا أن الرغبة في أن يكون المرء أديبا لا تكفي ليحقق حلمه! لو كان هذا هو مقصده فهو محق، حتى لو تلقى ألف دورة في التدريب على كيفية التمكن من الكتابة؟ فثمة شيء جوهري للغاية لا يتحقق الحلم بدونه، هذا الشيء الجوهري أشار إليه كاتب روايات الرعب الشهير جون كوين في كتابه “كيف تكتب رواية في مئة يوم أو أقل؟ ” حين قال :لا أظن أن أي شخص يمكنه أن يصير كاتباً بحضور حلقة عمل كتابة، أو بقراءة كتابٍ ما، أو حتى بقراءة النصائح التالية ـ يقصد النصائح التي ضمنها كتابه ـ فالكتابة تنبع من شيء ذاتي في كل كاتب.
هذا الشيء الذاتي والمتفرد جدا هو الموهبة، أي أن كوين ينبه قارئه إلى أنه لن يستفيد من نصائحه التي ضمنها كتابه هذا إن لم يكن موهوبا !
ومهمة نصائح كوين كما ينوه في مقدمة كتابه الذي قام بترجمته الكاتب والمترجم محمد عبد النبي أن توفر على قارئه “الموهوب” بعض الوقت وتوجهه الوجهة الصحيحة وتساعده على إنجاز مشروعه الروائي في مئة يوم أو أقل، ومن السخف التعالي على ما يقدمه كوين من نصائح قد تعني حتى كبار الموهوبين في فن الحكي، ومن نصائحه التي توقفت أمامها قوله: رغم عدم وجود قواعد بشأن أفكار القصص، فسوف أقدم لكم تحذيراً صغيراً: تناولوا الأفكار الصغيرة، من أسوأ الأخطاء التي قد يبدأ بها روائي عمله هو الاستعانة بالأفكار الكبيرة في محاولة للتوصل إلى قصة تختزل العالم كله بداخلها، اعتقادا منه أنه كلما كانت الفكرة أكبر كانت أفضل. وهذا ليس صحيحاً، فلتكن فكرة قصتك صغيرة ومركزة، انبش في روحك المبدعة عن قصة صغيرة لها مغزى عميق عندك. فكلنا أبناء في عائلة إنسانية واحدة، وإذا أبدعت قصة ذات مغزى عميق بالنسبة لك فغالباً ما ستكون كذلك بالنسبة للآخرين “.
غيرة سارتر
منذ سنوات طويلة يشاغلني هذا السؤال ؟ لماذا لم يبرز مفكر عملاق مثل محمود عباس العقاد في كتابة الشعر؟ وكان اجتهادي المتواضع في البحث عن إجابة ينتهي بي إلى أن العقاد توافرت لديه المعرفة العميقة بتقنيات الكتابة الأدبية بتاريخها ومعاييرها، كما أنعم الله عليه بحاسة نقدية عظيمة، لكن حاسة الإبداع الشعري كانت دون هذا بكثير، وحين كان يكتب يكون واعيا بكل معايير الكتابة؛ فيكتب بناء على ما تقول، أي يكتب بعقله ووعيه ومرجعيته المعرفية، ولا شيء عفوي ينطلق من أدغال الموهبة في كوامن المنطقة اللامرئية، هذا الذي يسميه جون كوين بـ”الشيء الجواني” ولهذا قال الناقد الكبير الدكتور جابر عصفور عن شعره: “لم يكن من شعراء الوجدان الذين يؤمنون بأن الشعر تدفق تلقائي للانفعالات، بل هو واحد من الأدباء الذين يفكرون فيما يكتبون، وقبل أن يكتبوه، ولذلك كانت كتاباته الأدبية فيض العقول”.
والذين احتفوا بشعر العقاد وأعلوا من شأنه هم من أصدقاء وتلاميذ العقاد نفسه كما قال الناقد الراحل رجاء النقاش في مقالة له بصحيفة الأهرام “عدد 25 ديسمبر 2005″، وقد بلغ الأمر بعميد الأدب العربي طه حسين أن طالب في حفل تكريم للعقاد أقيم في حديقة الأزبكية بالقاهرة بمبايعة العقاد أميرا للشعراء، بعد رحيل أحمد شوقي. ويرى النقاش في مقالته تلك أن أسبابا شخصية وسياسية وليست المعايير الأدبية وراء موقف طه حسين هذا.
وأيضا من منطلق تجربتي المتواضعة كقارئ أرى أيضا أن جان بول سارتر كان منظرا ومفكرا وفيلسوفا عظيما، لكنه كان دون هذا بكثير حين أراد أن يكون كاتبا مسرحيا أو قاصا، حيث كان يكتب بوعي المفكر وليس بوعي اللاشعور داخل المبدع، كانت القصدية جلية في كتاباته الابداعية بهدف تحميل العمل تنظيراته عن الوجود والعدم، على النقيض من صديقه المبدع الرائع ألبير كامي الذي هز وجدان جيله والجيل الذي تلاه برواياته الرائعة السقوط – الغريب- الطاعون ” أهذا كان أحد أسباب شعور سارتر بالغيرة من كامو ؟!”
ويذكرني هذا بأكثر من مخرج سينمائي عربي تعلموا في الولايات المتحدة فنون الإخراج السينمائي، وحين عادوا ووقفوا خلف الكاميرات انتهت وقفتهم تلك بمشاريع سينمائية هزيلة ! والسبب يعزى ببساطة أن محور العملية كلها – الموهبة – يفتقدونه!
لكن الأمر يختلف جذريا مع الكاتب رينيه جيرار، كان مفكرا ومنظرا عظيما، وحين كتب الرواية أبدى قدرا كبيرا من الإجادة، ويتحدث عن الدافع قائلا إنه حين قرأ روايات ميلان كونديرا وتحت تأثير الدهشة قرر أن يكون روائيا!
هل نصدقه ؟ ولم لا ؟ ينبغي أن نصدقه، لكن هذا لا يعني أن جيرار ليس موهوبا، بل ولد وفي مركز خريطته الجينية جينة الحكي، لكنه ربما لم ينتبه، واتخذ سبيلا آخر لحياته، وكما نعرف هو أحد كبار المفكرين خلال العقود الأخيرة، ونقده الأدبي لا يتكئ فقط على مرجعية معرفية تتسم بالموسوعية بل كل ما قال وكتب في حقل النقد الأدبي ينم عن أن ملكة التذوق لديه شديدة الحساسية للأدب، إلا أنه حين قرأ أعمال كونديرا ربما شعر بالغيرة، ليس الغيرة تحديدا، بل الإحساس بأن لديه ما يقوله، وأنه ليس مجرد جهاز استقبال فقط للإبداع الروائي، بل يمكن أيضا أن يكون جهاز إرسال.
لكن الأمر مرتبط بماذا ولمن أقرأ لتحفيز جينة الإبداع بداخلي ونفض غبار السكون عنها لتترعرع وتصبح شجرة تثمر إبداعا، وبالطبع قرأ جيرار لكل كبار الروائيين في هذا العالم، فليس من المنطقي القول بأن عهده بالتلقي بدأ بروايات ميلان كونديرا، ويقينا أعجبته عشرات الأعمال التي قرأها، لكن الإعجاب ربما لم يكن بالقوة الكافية ليهز جينة الإبداع بداخله فتنهض من رقدتها وتنشط، لكن حين قرأ لكولديرا باغتته سطوره كإعصار أعاد هيكلته، ليتحول من مجرد متلق للإبداع إلى متلق ومبدع معا، وهذا ما يبدو من تصريح جيرار حول تأثره بكونديرا حين قال: “المدرسة الأدبية التي ينتمي إليها كونديرا ليست إنكليزية على الإطلاق لكونها لا تولي موضوع العمل أو مضمونه الأولوية، بل الأهمية تكمن في الأسلوب الإبداعي والعمارة الأدبية في شكل عام، وعندما قرأت كونديرا في بودابست قرّرت أن أصبح روائياً تحت تأثير الدهشة والإعجاب بهذا الإبداع، قرّرت أن أكتب وإنما تبعاً لمنهج المدرسة الأوروبية وليس البريطانية”.
الكتابة كالحب
وعلى مستويات من التلقي أقل، ثمة نوعية من القراء تتوحد مع الكاتب عبر مساحة أخرى غير التلقي، فقد تتجاوز قدرات القارئ التلقي العادي إلى القدرة على الغوص في العمل وتحليله والحكم عليه من منطلق نقدي، أي أن القارئ قد تكون نائمة بدواخله ملكة نقدية في حاجة إلى تنميتها بالقراءة إبداعا ونقدا، وقد تكون بدواخله نبتة مبدع، تستيقظ مع قراءة عمل فائق في حقل الرواية فيجد نفسه ممسكا بالقلم ويبدأ هو الآخر في تشييد معمارية روائية، وهذا يفسر لماذا بعض الروائيين لم تبزغ موهبتهم إلا في سن الخمسين أو الستين أو حتى بعد ذلك.
والكتابة مثل الحب لا تأتي بقرار ولا حتى تنتهي بقرار، من يكتبون مثل من ينزلقون في بحر الحب المائج، لا خيار آخر أمامهم، وحين سئل الكاتب عزيز نيسين لماذا تكتب ؟ أجاب: وهل أمامي شيء آخر أفعله سوى أن أكتب !! وبتفصيل أكبر قال كاتب قصص الأطفال البريطاني أنتوني هورويتز: “كنت فاشلا في كل شىء إلا هذا، كنت أحب القراءة ولم يكن لي خيار آخر، وجدت نفسي كاتبا لأنني كنت مضطرا أن أكتب.
رؤية أخرى لماركيز
كن للقضية وجها آخر غير مسألتي التعلم والموهبة، وجه يتعرض له الروائي غابرييل ماركيز عبر مقالة له بعنوان “كيف تكتب الرواية ؟ ومنطلق ماركيز أن ثمة كاتبا يملك أدوات الحكي الروائي باقتدار، لكن لماذا يكتب ؟ أي ماهو دافع الكاتب للحكي الروائي ؟ والدافع هو الذي يحدد كيف تكتب الرواية، ويسهب صاحب نوبل في الإجابة ومن واقع تجربته الشخصية في مقالته حيث يقول: لأن هناك أمراً مؤكداً على ما أظن، وهو أن أكثر من يسألون أنفسهم كيف تكتب الرواية هم الروائيون بالذات، ونحن نقدم لأنفسنا أيضًا إجابة مختلفة في كل مرة، وأنا أعني بالطبع الكتاب الذين يظنون أن الأدب هو فن موجّه لتحسين العالم، أما الآخرون، ممن يرون أنه فنٌ مكرّسٌ لتحسين حساباتهم المصرفية، فلديهم معادلات للكتابة ليست صائبة وحسب، بل ويمكن حلها بدقة متناهية وكأنها معادلات رياضية، والناشرون يعرفون ذلك، فقد كان أحدهم يتسلى منذ وقت قريب موضحًا لي سهولة الطريقة التي تكسب بها داره للنشر الجائزة الوطنية للآداب.
فماذا كان يفعل الناشر لكسب الجائزة ؟ يجيب ماركيز ومن واقع حديث هذا الناشر:
قبل كل شيء لابد من دراسة أعضاء لجنة التحكيم من خلال تاريخهم الشخصي وأعمالهم وذوقهم الأدبي، ويرى الناشر أن محصلة جميع هذه العناصر توصله إلى حد وسطي لذوق لجنة التحكيم الأدبي. ويقول: “لهذا وجدت الحاسبات الإلكترونية”. وبعد الوصول إلى نوع الكتاب الذي يتمتع بأكبر الاحتمالات للفوز بالجائزة، يتوجب التصرف بطريقة معاكسة لما يجري في الحياة، فبدلاً من البحث أين هو هذا الكتاب، يجري البحث عن الكاتب، المؤهل أكثر من سواه لفبركته، سواء أكان جيداً أم رديئاً. وما سوى ذلك ليس إلا التوقيع على عقدٍ معه ليجلس ويكتب المواصفات المحددة للكتاب الذي سيفوز في السنة التالية بالجائزة الوطنية للآداب. والمخيف في الأمر هو أن الناشر قد أخضع هذه اللعبة لمطحنة الحاسبات الإلكترونية، وأعطته الحاسبات أن احتمال النجاح سبعة وثمانون بالمئة.
ينتهي ماركيز إلى أن المسألة ليست إذا في كتابة رواية أو قصة قصيرة، وإنما في كتابتها بجدية، حتى ولو لم تبع فيما بعد ولم تنال أية جائزة !
أظنهم، هؤلاء المبدعون الحقيقيون في الأدغال المجهولة والمنسية من جمهورية الأدب في عالمنا العربي، قد يجدون في كلمات ماركيز الأخيرة عزاء لهم، ليس من المهم أن يكتب أي منهم ليبيع أو ليقتنص جائزة، المهم أن يكتب بجدية !

محمد القصبي

إلى الأعلى