الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م - ١٣ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / ما لم تَرهُ في الأردن (4)

ما لم تَرهُ في الأردن (4)

إن كثيرا من الأشياء التي قد يرغب المرء في فعلها ساعة تفكيره وتخيله للسفر والأرض، التي سيكون فيها لا يفعلها حقا حينما يصبح مسافرا فعلا، وما ذاك الا لوجود عوامل نفسية أو ظرفية تحتم على المرء أن يحجم عن فعل ذلك التصرف أو تلك المغامرة، وعلى نقيض ذلك يمكن أن يصدق القول أيضا، فهناك أيضا الكثير من الأشياء التي يستحيل على المرء أن يتخيل نفسه يوما واقعا فيها حتى يجد نفسه وبسبب الظروف الآنية والمسببات المعقولة، أنه يمارسها بكل سعادة ومنطقية، بل وفي أحيان كثيرة يمارس الانسان هذا الدور المتناقض دون أن يشعر بهذا التناقض في نفسه ودون أن يدرك أن لديه خللا في مبادئه أو أفكاره، وعلى الرغم من الواقعية والصدق في هذا الاستنتاج الذي قد يشاطرني الرأي فيه كثير من القراء، فإنني مع ذلك لم يحدث أن وقعت في هذا التناقض العجيب، لقد حاولت قدر استطاعتي طوال سنين عمري ألا أكون إلا رجلا مستقيما متزنا ومحترما في أفعالي وأقوالي، وهكذا هم أصدقائي وأقاربي، إلا جمال هذا، فقد حاول ليلة البارحة جاهدا أن يدعوني إلى الخروج معه ليلا مدعيا أن خروجي معه سيبدل من مزاجي السيء، وزين لي بأسلوبه الجذاب كيف أنه سيأخذني إلى أماكن عدة لم أر لها نظيرا في حياتي كلها، وأنها ستعيدني إلى طفولتي وشبابي مرة أخرى، لكن كل ذلك لم يكن كافيا لإخراج رجل رصين مثلي عن عقله وطوره، أضف إلى ذلك أن الألم الذي لازم ظهري منذ وصولي الى الأردن أخذ يتعاظم وجعه حتى عند جلوسي، مما أثار في نفسي شك بأني مصاب بـ(الديسك)، وهذا الشك ظل يقض مضجعي ويتعاظم في نفسي طوال الليل، خاصة أنني أعطيت جمال مبلغا من المال ليقضي به سهرته المزعومة لينفقه بكل ثراء وأريحية، وحين حل الصباح وجدتني على حالة كبيرة من الاستياء والاكتئاب حتى أنني لم أستطع النهوض من الفراش إلا متثاقلا، وحين خرجت لم أجد جمال في بهو الفندق كما اتفقنا، وكذاك لم أر الفتاة الجميلة التي اعتاد أن يحادثها كل صباح، وراودتني شكوك كثيرة، أقلها أنه استمتع كثيرا في سهرته تلك حتى عاد متأخرا بعد منتصف الليل ثم أصبح غارقا في سبات عميق لن يصحو منه الا بعد الغداء، بينما أعاني أنا من الهم والوجع وضياع المال، لذلك قررت الخروج من الفندق لأسري عن نفسي، وفي طريقي التقيت بامرأة مسكينة تجر خلفها صبيا وفتاتين بعمر الطفولة، كانت ثيابهم طبقات من الصوف والفقر وأحذيتهم يكسوها الغبار والألم ووجوهم البيضاء تكاد تموت من الجفاف والبرد والحزن، وقد سألوني بعض المال فنقدت الأم بما كان في جيبي من دنانير قليلة، فشكرتني ودعت لي بكل صدق -(الله يخلف عليك)، – آمين.
لا شك أن هؤلاء هم بعض المساكين الذين جارت عليهم الظروف، وعلى المرء أن يمنحهم شيئا من ماله ليعينهم على تحمل لؤم الحياة، أو يعطيهم شيئا لكي يخلص روحه ويطهرها من اللؤم والأنانية التي تمخرها، على أن العطاء نفسه في كثير من الاحيان هو إشباع لرغبة المعطي أكثر من كونه سدا لحاجة المعطى، فالمعطي الميسور حين يفعل ذلك ولو سرا فإنه يبعث في نفسه شعورا لذيذا من التفوق والتفضل والمن التي لا يمكن أن يشعر به لولا وجود هؤلاء السائلين، أما أكثر المشاعر لذة فهي تلك التي يمارسها البعض ممن عرفتهم حين يأتيهم السائل المسكين المضطر العارف بقدرتهم على فك ما وقع عليه من خطب فيصغون الى سره وشكواه الخاصة إصغاء فضول واستمتاع حتى إذا فرغ قلبوا عليه ظهر المجن وأسمعوه من الرفض واللوم، ما يزيد من خطوبه وهمومه أضعافا مضاعفة وهم بذلك كله إنما يطلبون إشباع أنفسهم بلذة اللهو بحاجات الناس ولذة الشعور بمشاعر القدير المتصرف بمصائر البشر، ولو كان شعورا مؤقتا. إن هذه اللذة التي يشعر بها هؤلاء المحسنون سواء أعطوا أو منعوا هي لذة احتضار الضمير الانساني، على كل حال على المرء أن يعطي وألا يلتفت إلى هذه الفلسفات المعقدة، وقد أعطيت هذه المرأة من أجل أن أخلص نفسي من ذاك الانقباض الكريه في صدري، خاصة أن أفكارا غير معتادة قد راودتني ليلا، إذ إنني وفي غمرة تأملي الليلي رأيت أن قرار أصطحابي لهذا الصديق في هذه الرحلة لم يكن قرارا صائبا البتة، وأنني إنما خدعت بأوهام الشباب والثقافة والتغيير، وأن مجيئي إلى الأردن لم يضف شيئا إلى رصيدي سوى مرض العمود الفقري الذي سببه جلوسي في مقاعد الدرجة السياحية، وتضييعي للمال في شخص قد لا يحسن التعامل معه، وهو إلى ذلك أيضا كثير الطيش واللهو حيث أني لم أره يوما ممسكا كتابا يقرأ، أو دفترا يسجل فيه ملاحظته ومقالاته عن هذا البلد الجميل بتاريخه وأهله، كما كنت أحسبه سيفعل، إن عقله دائما مشغول بأشياء تافهة لا أعرفها، يصحو متأخرا فإذا حل الليل اختفى ويبدد مالي في لهوه وعبثه، لذلك كنت قد عزمت أمري أن أجلسه الى الطاولة وأبوح له عما يجول في نفسي وأن أصارحه، نعم أصارحه بكل شيء وبكل وضوح عن كل هذه التصرفات والوقاحات التي يمارسها، يجب أن يعرف موقعه جيدا، كفانا لهوا يجب أن تمضي الرحلة بالطريقة التي أريدها أو فلنعد أدراجنا إلى مسقط، لقد رتبت أفكاري وانتقيت الكلمات والصيغة التي سأخاطبه بها حين يأتيني ضاحكا مبتهجا بعد الغداء، لا بل سأذهب رأسا الى غرفته الآن وأوقظه، إنه فعلا طفل لا يحسن التعامل والتصرف، ماذا لو فعل شيئا مع تلك الفتاة الجميلة، ثم كشف أمره وفضح، تصوروا الفضيحة التي ستلحق بإسمي واسم عائلتي، وشماتة أعدائي، لا لا يمكن أن أدعه يستمر في ذلك.
وحين عدت الى الفندق وأنا في حالة من الهيجان بسبب تلك التخيلات رأيت جمال جالسا في أقصى مكان في بهو الفندق خلف طاولة صغيرة والحزن والهوان على وجهه المدسوس بين يديه القائمتين على الطاولة، فأبطأت من انطلاقتي وهدأت من روعي وذهبت عني كل تلك التخيلات والافكار أو أرجأته لفرصة أخرى ثم جلست معه محاولا معرفة ماذا حل به، لكنه ظل صامتا في جلسته تلك ممسكا بقبضته على وجهه، حتى خشيت عليه وعلى نفسي ورأفت على حاله، يا الهي ما أصابه وأوجعه كل هذا الوجع!، وحين لم ينفع معه حنوي عاملته بالاستهزاء والسخرية فاستجاب لي، وسرني ذلك سرورا عظيما، وعادت الابتسامة الى وجهه شيئا فشيئا، حتى تناولنا الافطار وجاءنا خفير أبي حازم، وكلمة الخفير تعني السائق، وأنا أخبركم بمعناها لأن جمال لم يكن يعرف منى كلمة خفير مع أنها كلمة عربية فصيحة، وكان اسم الخفير هشام، وهو شاب أردني طيب من عرب الأردن الأصليين حسب وصفه وحسبما يلوح على سحنة وجهه وسلوكه من علامات البداوة، طبعا ليس كل الأردنيين بدوا، لكن عددا كبيرا منهم يعيش حياة البداوة أو جاؤوا من البدو وعاشوا في المدن، وحين خرجنا لصعود السيارة جاءت المرأة المسكينة مرة أخرى ومعها أطفالها، فنظر إلي جمال راجيا أن أعطيها من المال فلم أفعل، فإذا به يخرج ما في محفظته من دنانير متبقية ويعطيها، وحين انطلقت بنا السيارة ظل يرمقني بنظره شزرا وأنا أتجاهله حتى فاض به الكيل سألني معاتبا:
(الشيخ انت ليش ما عطيت الحرمة المسكينة يوم طلبت منك؟
فقلبت السؤال عليه: – وليش انت ما عطيتها.
انا عطيتها ما شفتني ..
تراك معطنها من فلوسي بو معطنك.
هااااااا ..
ايواا .. عرفت تو ليش ما عطيتها).

فصمت وكأنه انتبه فجأة لحقيقة هذا العطاء، مضحك حقا أمر هذا الانسان، إنه إحسان من نوع آخر، “هههه”، إنه يضحكني كثيرا حتى في أسوأ حالاتي، وضحك هشام كثيرا على الموقف، وضحكنا معه وقلنا له خذنا بعيدا من هنا إلى اي مكان سياحي جميل، فقال سآخذكم لتستمتعوا بحمام ساخن في شلالات معين، ثم آخذكم الى منطقة البحر الميت وأعرج بكم على مدينة السلط، إنها مدينة قديمة وعريقة فيها أنهار وحدائق العنب والبرتقال والتفاح والكثير من الفواكه المتنوعة، وسعدنا بعرضه هذا كثيرا، ومضى بنا بسيارته وسط الصحاري ثم صعد بنا فوق التلال ورأينا مزارع الزيتون الممتدة شرقا وغربا مد البصر، ثم نزل بنا في فجاج عميقة ثم طار بنا فوق جبال قاحلة عالية ورأينا البدو الرحل بخيامهم ومعزهم وغنمهم وخيولهم، وقد أصبحت سيارات البيكب بديلا للأحصنة والحمير في التنقل، ثم هبط بنا في منحدر عميق غاص بالخضرة والاشجار المختلفة ورأينا عند هبوطنا أن بخارا أبيض يتصاعد من أعماق ذلك المنحدر الاخضر كأنه بخور اللبان، وحين سألنا هشاما عنه قال بأن هذا المكان هو شلالات معين وأن هذا البخار يخرج من تلك العيون المنتشرة فيه، فانتابنا شعور من الرهبة والخوف كيف يمكننا أن نستحم في هذا المكان الذي يفور فورانا من شدة الحرارة، ألن يشوي جلودنا، وحين وصلنا كانت هناك بوابة موصدة وعليها حرس من العسكر، وكان مكتوبا على لوحة بجوار البوابة أن أسعار دخول الزوار هي كالتالي دينار للأردنيين وخمسة للعرب وعشرة للأجانب وعشرة للسيارات، لكن هشام أراد أن يقدم معروفا فذهب الى غرفة العسكري وحدثه قليلا ثم عاد إلي طلب مني بصوت منخفض مكبوت ٢٥ دينارا فأعطيته ثم ذهب الى العسكري وعاد صامتا وعلامات النصر على محياه، وحين احجتزنا البوابة أخبرنا أنه تدرب في فترة من الفترات في العسكرية ثم تركها إلا إنه ما زال يحتفظ ببطاقة العسكري وبعض العلاقات التي مكنته من الحصول على سعر بخس لدخول الحمامات، إذ إن السعر الحقيقي هو ٥٠ دينارا، فصدمنا من كلامه هذا وأخبرناه أننا لا نحتاج الى الحصول على خصم أصلا ثم إننا سبق وقد قرأنا السعر في اللوحة الموضوعة خارج البوابة، وأن ما دفعناه بالضبط هو السعر الأصلي لكل عربي يزور المكان مع قيمة ادخال السيارة. والحقيقة المكان هناك مرتب وجميل جدا، ومبلغ التذكرة هو مبلغ زهيد جدا بالنسبة لروعته، حيث تجد مبنى خاصا لتغيير ملابس الرجال وآخر للنساء، ويتوسطهما مسجد ومصلى، ثم هنا صف من الغرف والشقق المعدة للايجار لمن أراد أن يمكث يوما أو يومين مع خدمات التدليك والعلاج والماء الساخن يجري كالافلاج من تحتها، فإذا ما تقدمت نحو الماء سمعت صوت ارتطام الماء بالصخور حتى اذا اجتزنا كومة الأشجار رأينا عدة شلالات ساخنة تنسكب بقوة وعنفوان من أعالي مرتفع يصل الى الاربعة طوابق والناس تدس أجسادها أسفلها ممتعا نفسها بحرارة الماء وقوة ضرب الشلال على أكتافهم وأجسادهم العارية، والبخار يغمر الجو حتى لا تكاد تستبين من حولك جيدا، وقد تم تصميم أحواض كبيرة من الصخر يتجمع فيها الماء قبل أن يجري هاربا الى الاسفل حيث الفنادق والشاليهات الخاصة، والنساء والرجال والعوائل جميعهم إما قاعدون حتى أذقانهم في الماء الساخن أو مستلقون على بطونهم تحت احد الشلالات الحارة ليقوم بمهمة التدليك الطبيعي، وإن شئت أكثر من ذلك فيمكنك أن تلتف خلف أحد تلك الشلالات لتجد كهفا صغيرا تنساب من أسقفه المياه الساخنة جدا فتمكث فيه حتى يتصبب جسدك العاري بالعرق والرطوبة ويختنق صدرك ثم تخرج مسرعا لالتقاط أنفاسك، فإن فعلت ذلك فإنك قد بلغت أقصى الراحة والنشوة والنظافة والعلاج، إن فكرة السونا أو الحمامات الساخنة في الاندية الصحية ليست إلا تقليد اصطناعي لهذه الكهوف الصغيرة، أما نحن فقد نزعنا ملابسنا واستحممنا كما يفعل سائر الناس، واستمتعنا بضربات الشلال القاسية التي تكاد تفصل جسدك عن بعضه البعض، وحين خرجنا شعرت براحة عظيمة لم أشعر بها منذ زمن بعيد، حتى الالم الذي كان في ظهري زال ولم أعد أشعر به مرة أخرى، ولولا أن الوقت يداهمنا لمكثنا في أحد هذه الفنادق حتى موعد رحيلنا الى مسقط.
وبعد أن فرغنا من شلالات معين نزلنا من تلك الجبال ذهابا الى البحر الميت، وفي الطريق نزولا رأينا البحر ورأينا خلفه فلسطين عريضة شامخة أبية بهية، ورأينا الشارع حول البحر قد اكتض بالفنادق والمنتجعات، وأصر جمال أن نقف وأن ننزل إلى البحر، حاولنا إقناعه بكل الطرق بأنه مجرد بحر مالح لا أكثر، إلا أنه أصر على النزول إنه من النوع الذي لا يمكن أن يعترف بوجود الشيء الا إذا لمسه بيده، فرضخنا لطلبه ووقفنا عند إحدى الهضبات ـ لأن البحر الميت يقع منخفضا بين هذه الهضاب المحيطة به إنه أخفض منطقة في الارض لذلك تتراكم الاملاح والترسبات فيه، وكان على جمال أن يهبط نزولا لمسافة عشر دقائق حتى يصل البحر، وكان بعض البدو هناك يؤجرون الخيول التي تساعد على الجري بك سريعا الى البحر، لكن جمال اختار أن يجري بنفسه الى البحر ليلتقط بعض الصور مع بعض الاطفال ثم يعود جريا، لقد عاد إلينا منهكا مغبرا وسعيدا، وأخذ يحدثنا كيف أن طعم ماء البحر لاذع وقبيح ومالح، وكيف أن قاع البحر صخري وأبيض ناصع البياض بسبب الملح، وكيف أنه رأى مباني فلسطين جيدا من الاسفل، وتساءل باستغراب عن سبب وجود المباني الشاهقة والأنوار في الجانب الفلسطيني أكثر منها في الجانب الأردني بالرغم من أنها تعاني من التدمير والحرب الدائمة مع اسرائيل، فأفهمناه أن تلك الارض الفلسطينية التي رآها أصبحت الان محتلة من الاسرائيليين وأنها الان تحت حكمهم، لهذا هي عامرة، وقد بذلنا جهدا كبيرا لافهامه إننا لا يمكن أن نسميها إسرائيل بالرغم من الاسرائيليين هم الذين يسكنونها ويعمرونها وذلك لإنها ارض فلسطينية وستظل فلسطينية ولن ننسى هذا ولا ينبغي علينا، ولا ينبغي عليك أن تنسى، إن الاحتلال الاسرائيلي لاراضينا الفلسطينية منذ اكثر ٦٥ عاما يكاد يكون جزءا من الواقع الذي لا يمكن تغييره خاصة لجيل الشباب الذين ولدوا في البلدان العربية بعد نكسة ٧٦. إن هذه الاجيال ليست بحاجة الى تأجيج مشاعر وشعارات، إنها بحاجة الى معرفة أصلها وحقها وإلى تلمس الدماء الدافئة التي سفحت على هذه الارض المقدسة منذ ٤٨ وحتى اليوم. لقد كان هشام يتحدث بحرارة عن حال العرب والمسلمين وضعفهم أمام الاسرائيليين الجبناء، بينما جمال بدا غير واع للقضية الفلسطينية سوى أنها أرض محتلة من اليهود وان هناك حربا مستمرة بينهم، الأمر الذي زاد من حنقي عليه وأسفي على حاله، وعزمت أمري على أن لا أتركه يلهو مساء الا بعد أن يقرأ القضية الفلسطينية جيدا ثم سأرسل معه الخفير يرافقه في سهرته ويراقبه ويأتيني بأخباره.

جمال النوفلي

إلى الأعلى