الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م - ١٢ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / الروائي خليل النعيمي: الكتابة بالعربية بالنسبة لي موقف وجودي، واختيار عميق في حياتي

الروائي خليل النعيمي: الكتابة بالعربية بالنسبة لي موقف وجودي، واختيار عميق في حياتي

“أدعو إلى أدب بلا جوائز.. فالإبداع ليس جائزة.. إنه موقف في الحياة وسلوك”

مشروعي الروائي يقوم على إبراز قيمة الفرد الذي هو أساس الحياة الإنسانية

اسم الرواية ليس حيادياً، إنه جزء عميق من ذات الكاتب

أجرى اللقاء ـ وحيد تاجا :
في” الحسكة” المدينة الصغيرة المرمية على أطراف البادية، كان شاعراً. وفِي” دمشق” صار روائياً. وفِي “باريس” كتب عن “موت الشعر”. وهو الآن لا يرى ضررا إن ماتت الرواية، فالإنسانية منذ آلاف السنين لا تكف عن اختراع أشكال السرد التي تناسبها. والكائن هو الذي يخترع الشكل الذي يناسبه عندما يريد ان يتواصل مع الآخرين. انه الروائي السوري المغترب الدكتور خليل النعيمي الذي اعتبره الناقد المغربي محمد برادة ” الروائي العربي الوحيد الذي تتمحور أعماله كلّها حول الفرد”..
و”النعيمي” كاتب روائي وُلد في بادية الشام، عاش طفولته وصباه مترحلًا مع قبيلته فى سهوب البادية السورية. درس الطب والفلسفة في دمشق، وفي باريس تخصص في الجراحة، كما درس الفلسفة المقارنة. يقيم في باريس منذ أكثر من عشرين عامًا، حيث يعمل طبيبًا، وهو أيضًا عضو الجمعية الجراحية الفرنسية. انشغل النعيمي بتفاصيل المكان، فجاءت رواياته محملة برائحة الأرض وتقلبات المجتمع وأثر السياسة على الإنسان.أهم رواياته: “الرجل الذي يأكل نفسه” ـ و ” الشيء” ـ و” القطيعة” ـ و “تفريغ الكائن” ـ و” مديح الهرب” و” دمشق 77″ ـ و ” الخلعاء”ـ و” قصاص الأثر” ـ و” لو وضعتم الشمس بين يدي”. وله أيضًا مؤلفات في أدب الرحلة مثل: مخيلة الأمكنة، وكتاب الهند، وقراءة العالم، ورحلات في كوبا، ومن نواكشوط إلى اسطنبول، والطريق إلى كوريا.يذكر أن النعيمي فاز مؤخرا بجائزة محمود درويش للعام 2018، وذلك” لسعيه الدؤوب وراء التجديد في الشكل والمضمون، وتقديراً لمسيرة أدبية طويلة انحازت للإنسان وللأدب والفن” بحسب لجنة تحكيم جائزة محمود درويش. وقد تبرع بقيمتها المادية(25000) دولار إلى نادي الأسير الفلسطيني، وتم الاتفاق مع نادي الأسير أن يتم إدخال أعماله إلى مكتبات السجون.

* ملفت إصرارك، في جميع حواراتك، على التكني دائما بنسبك البدوي. لماذا …؟
**الانتساب الى “بادية الشام” له بًعد أساسي، لأنه يحيل إلى مستوي معرفي محدد، وإلى طريقة حياة معينة. وهو ليس ميزة ولا هو عائق. ثمة بعد إنساني كبير لحياة البادية: هي المساواة الحرة والمبنية على مبدأ التفرّد. في البادية وشروطها لا يرث الكائن شيئاً، سوى طاقته الإنسانية، وتميّزه عن أقرانه بشكل شخصي وفردي بحت. فشيخ القبيلة لا ينجب بالضرورة شيوخاً. وما نراه الآن في” البوادي الأخرى” التي تحضَّرَتْ، دون ان يكون لها حضارة، انقلبت الأمور. وعل كل حال، ظروف هذه، الْيَوْمَ، ليست ظروف مجتمع بدوي. ففي نموذج المجتمع البدوي الذي عشت فيه، لا يملك الكائن، لحسن الحظ، سوى قدراته الشخصية. ولا تَنْسَ ان “ماركس” نفسه كان يطمح بان يتحقق المجتمع ” البدوي” في الحضارة المتقدمة. لكن ذلك يظل طموحاً ابيستمولًجياً، عير قابل للتحقيق. وتلك هي ميزته.

* من الذي أخذك إلى كتابة الرواية تحديدا، ومن أغراك بها..؟
** في” الحسكة” المدينة الصغيرة المرمية على أطراف البادية، كنت شاعراً. وفِي” دمشق” صرت روائياً. وفِي “باريس” كتبت “موت الشعر”. اكرر هذه الأطروحة المبسّطة لأقول: إن الرحيل، أو الانتقال من بؤرة إلى أخرى، هو الذي يبدع ظروف الكائن. وخارج هذا التعميم الملزم والمحصور لا معنى لأي إضافات أخرى. أنا اركِّز على أهمية تعدد ظروف الحياة، فهذا التعدد هو الذي سيخلق الوحدة التي نكون عليها عندما نبدع. اما شكل الإبداع وكيفيته فمسألة أخرى أشدّ تعقيداً.

*الفرد هو “الثيمة” التي تربط جميع أعمالك الروائية ببعضها البعض.. حتى ان الناقد المغربي محمد برادة اعتبرك ” الروائي العربي الوحيد الذي تتمحور أعماله كلّها حول الفرد”.. هل يمكن بالتالي الحديث عن مشروعك الروائي..؟
**مشروعي الروائي هو هذا. هذا الذي يتحدث عنه الناقد والروائي ” سي محمد برادة”. وهو مجال كبير. الاهتمام بالفرد في العالم العربي القائم على إلغاء حالة الفرد الحرة ليس شاناً بسيطاٌ. وعلينا أن نحاول بقوة من اجل إبراز قيمة الفرد كمؤسسة فردية ذات حقوق، وعليها واجبات. وان نرفض نظرية الإجماع الملتبسة عندما لا تقتضي الظروف ذلك. الاهتمام بالفرد ليس سبباً للتعنّت والإزاحة. الفرد هو أساس الحياة الإنسانية. وهو محرك الظرف الاجتماعي. منه تنطلق كل المشاكل. واليه تقود كل الحكايات، من شهريار إلى شهرزاد، إلى أخيل الطروادي، إلى أمرئ القيس. الى… إلى طغاتنا الحاليين. صحيح ان ثمة ظروفاً أساسية للوصول الى ذلك، لكن الفرد كان دائماً وراء هذه الظروف، وداخلها.

* مع كل رواية جديدة نراك ” تغوص” أكثر فأكثر في السيرة الذاتية .. والسؤال: أين هي الحدود الفاصلة بين الرواية والسيرة الذاتية؟ وكيف يستطيع الكاتب أن يلعب بالسيرة الذاتية لتغدو سيرة اجتماعية؟
** كل ما يبدعه الكائن سيرة ذاتية. المهم إذن كيف ينتقل من “الوعي الذاتي” إلى “الوعي الموضوعي” إن كان ثمة وعي موضوعي في الواقع. وهذا الانتقال هو الذي يبرر الإبداع، مهما تشدّق بعض المبدعين بالعفوية، واللاجدوى، وبمقولات بائسة عن ” الأدب الذي لا غاية له”، أو عن اللعب عندما نبدع. وكانّ الدماغ البشري يحوي خانة للجدوى، وأخرى لعدم الجدوى. بالنسبة لي الأدب نوع من التمرد على الحال التي لا يرضاها المبدع. وليس ثمة شكل محدد أو تيمة معروفة لفعل التمرد هذا، ولا لطاقته المحررة. ذلك هو دور القارئ. علينا ان نتخلّص من تحميل المبدع كل النواقص التي تنبثق من إبداعه. القارئ مسؤول تماماً كالمبدع. وإذا كنّا في العالم العربي لا نزال نحبو في هذا المجال فهو شان اخر لا مجال للخوض فيه الان. ولربما بلى! ولماذا لا؟

* يلفت النظر أسماء رواياتك:” الشيء، القطيعة ، تفريغ الكائن ، قصاص الأثر، ولو وضعتم الشمس بين يدي، ..كيف تختار الاسم ..؟
** اسم الرواية عندي جزء من سيرورتها. أنا أبدا الكتابة تحت اسم مشَفَّر في البداية. وأحياناً أتصور انني عثرت على الاسم النهائي منذ البداية. لكنني أخطئ باستمرار. لان الاسم ليس حيادياً. انه جزء، لا من النص كما قد يخطر للقارئ غالباٌ، ولكنه جزء عميق من ذات الكاتب. ولذا فهو ينبثق غالبا في نهاية الكتابة وليس في بدايتها. والروائي الذي يحتفظ بالاسم الاول الذي خطر له عندما بدا الكتابة لا يكون في الحقيقة قد كتب شيئاً مهماً، وإلا لوصل إلى الاسم الحقيقي لما كتبه. لأننا نبدأ الكتابة ونحن في حال، ونكون في أخرى عندما ننتهي منها. وأول ما يتغيّر هو الاسم الذي حاولنا الحفاظ عليه عبثاً.

* بدأت منذ رواياتك الثانية ” الشيء” بالتخلي عن أي معايير مسبقة عن الرواية الكلاسيكية . كاشفاً فيها عن رغبتك ” في أن تكتب كما تعيش”. هل توصلت إلى هذه الحالة بعد سبع روايات…؟
** ما تقوله في ملاحظتك هذه صحيح تماماً. لماذا؟ نعود مرة أخرى إلى الرحيل. إلى تغيير الأمكنة، وأثرها على الكاتب وعلى الكتابة. فروايتي الأولي ” الرجل الذي يأكل نفسه” كتبتها في دمشق. ونشرت في “دار العودة ” في بيروت ، بعد أن منعت في “دمشق” من الطبع ومن التداول. وكان ذلك ثاني منع يصيب ما اكتب بعد أول منع لمجموعة شعرية أولى وأخيرة:” صُوَر من ردود الفعل …”. وهذا الحظر المعرفي اللامحتمل كان من بين أسباب أخرى لسفري، واستقراري في “باريس”. في المكان الجديد بقيت ثمانية أعوام لم اكتب. كنت أعيش واتبَدّل وأجمع واطرح واتحوّل. كنت إذن بلا كتابة على الورق، لكنني كنت اكتب في أعماقي. وأول رواية كتبتها في باريس كانت “الشيء”. وقد حملَتْ بالفعل التطورات والقلاقل المثيرة التي عشتها هنا، منذ وصولي قبل ثمانية أعوام.وعبَّرتْ بحرية قصوى عن تصوُّري الشخصي للعالم، وكان قد تغيَّر نهائيا عمّا كان في دمشق.

* أيضا، تأخذ كتابتك منحى فكريا وفلسفيا أكثر فأكثر..ففي رواية (تفريغ الكائن) كنا أمام نص روائي فكري ..وروايتك الأخيرة ( لو وضعوا الشمس في يميني) كانت اقرب للمنولوج الفلسفي منها للرواية ..ما قولك؟
** الكتابة بلا فلسفة لا تعني شيئاً. لكن الفلسفة ليست موضوعاً روائياً. نحن ننظر الى الوجود بكامله عندما نكتب. وليس علينا ان نقحم الفلسفة في الكتابة. لكن الكتابة باعتبارها، في التحليل الأخير، نظرة الفرد للعالم، وموقفه منه، وهي تحمل تصوره الشخصي لهذا العالم، ستكون بالضرورة محمَّلة بالأبعاد الفلسفية. ولا تنسَ ان تحليل “فرويد” النفسي اعتمد، وأستمَدّ طاقته كلها، من روايات “ديستويفسكي” وبخاصة “الإخوة كارامازوف”، وبالتأكيد على غيرها أيضاً. لكن هذه النقطة -العلامة بين الأدب والفلسفة هي الأكثر شهرة.

* بالتالي هل يمكن ان نتحدث عن مفهومك للحداثة في الرواية …؟
** حداثة الرواية من حداثة الراوي. فليس ثمة حداثة مستقلة عن الفرد الكاتب. وانا شخصيا اعتقد ان الكائن الحداثي هو الذي يُؤْمِن بحرية الوجود، وحرية المعتقدات، وحرية اختيار نمط الحياة، وحرية التعبير، وحرية الانتماء أياً كان مضمونه، وحرية المرأة. وخارج ذلك لا معنى لأية حداثة. وانت لا تجهل ان العالم العربي يعجُّ “بالحريات الشكلية التافهة”، ولا يقبل اَي تطوّر يعرِّض المفاهيم الاجتماعية العتيقة للخطر. فعن أي حداثة نتحدث؟

* رغم إقامتك المديدة في فرنسا إلا أنك بقيت مصراً على الكتابة بالعربية . لماذا؟ وما رأيك بالتالي بالعرب الذين يكتبون باللغات الأجنبية…؟
** الكتابة بالعربية بالنسبة لي موقف وجودي، واختيار عميق في حياتي. ولا تنسَ أنني درست الطب في جامعة دمشق باللغة العربية. وهو فضل كبير لأساتذتي الكبار عليَّ لا أنساه ومنهم “الخَيَمي” و”بَرْمَدا” و” المَطْ” وآخرون غيرهم بالطبع. وَمَنْ لم يدرس مثلي الطب والعلوم بلغته الأصلية وهنا العربية لن يكون بإمكانه ان يدرك طاقة اللغة العربية وقوتها في الحياة، وفِي المشاعر، والإبداع. وخارج هذا الإطار اللغوي، فأنا احترم اختيار الكاتب لموضوعه، وللغة التي يريد ان يعبر بها، وللشكل الذي يراه مناسباً لإيصال إبداعه إلى القرّاء. لا قانون في الإبداع. ولا حظر من اَي نوع كان، لا على المبدع، ولا على وسائل إبداعه. قيمة العمل المبدَع هي التي تسَوِّغه، أو تجعله غير سائغ. وعلى السياسة، وبالخصوص في تعبيرها الإيديولوجي، ان تظل خارجاً، رابضة كالكلب، عندما يتعلق الامر بالإبداع. حساب المبدع نقدي. وخارج النقد الواعي والجدلي المبني على أسس ومعايير ذات بعد تاريخي، وليس النقد المزيف السائد حالياً في الثقافة العربية، لا مجال للتفضيل، أو التطبيل، أو التجاهل، أو الإلغاء.

* توقعت الباحثة الفرنسية “ايزابيل هوسير” ان يشهد القرن الحالي ” موت الرواية نتيجة تراجع الجانب المتخيل فيها لصالح الجانب العقلي والواقعي. ” فيما يرى الكاتب النرويجي ديفيد شيلدس في كتابه “جوع الواقع” ان: الرواية كنوع أدبي تحتضر، الشخصية الروائية والحبكة الروائية تحتضر، ولا حياة اليوم إلا للكاتب الذي يكفّ عن التخييل والتأليف؟ ما رأيك بهذا وذاك…؟
** “موت الرواية” مطروح بقوة، أو هو على بساط البحث، كما يقولون. لكن الإنسانية منذ الاف السنين لا تكف عن اختراع أشكال السرد التي تناسبها. ان تموت الرواية؟ أيّ ضير في ذلك؟ وأي ضرر؟ الكائن هو الذي يخترع الشكل الذي يناسبه عندما يريد ان يتواصل مع الآخرين. لكننا في العالم العربي نؤمن، للأسف، بالديمومة. والأبدية هي شكلها الأسمى. وهو اعتقاد خرافي بائس. إضافة إلى انه يشلّ طاقة التحوٌل والتطوّر عندنا. تموت الرواية؟ ولماذا لا؟ وهل موت وسيلة من وسائل التعبير الأكثر شيوعاً الْيَوْمَ محزن إلى هذا الحد؟

* تقول في حوار: ” بلدي “وطني” ليس مسقط رأسي، وإنما موطئ قدمي. فما هو مفهومك للوطن ..وما هو تصورك للهوية في ضوء تآكل الجغرافية العربية، وانتقال مفهوم الانتماء من الوطن إلى العشيرة والطائفة؟
**لعلِّي في هذه المقولة أتبع ما يقوله المتنبي العظيم :” غنيّ عن الاوطان لا يستحثّني / الى بلد سافرتُ عنه اِياب”.
وهذا هو معنى المعادلة السليمة والحكيمة بين الكائن والمكان، او البلد الذي يقيم فيه، أو يلجأ اليه، أو يُولَد به. لماذا تريدني ان اُقَدِّس بلداً يسجنني فكراً وجسداً؟ وقد يعذبنا حتى الموت. ولا يتورع عن حرماننا من الحرية والتعبير والتطور. اجدادنا الأوائل كانوا هم أيضاً يَرَوْن “الوطن حيث تكون الْعِزَّة”: ” عِشْ عزيزاً، او مُتْ وانتَ كريم “، مرة اخرى المتنبي. لا مذلة ولا مهانة ولا تقديس. و”موطئ القدم”، لا مسقط الرأس، تعني حرية اختيار الامكنة للبقاء فيها، أو هجرها إذا أساءت لنا، وقمعتنا. وانا على العكس من الشاعر العربي القديم الذي اختطفتُ بيته الشعري وحَوَّرْته ليناسب افكاري، أقول: ” بلادي إذا جارت عليّ كريهة / وأهلي إذا ضنّوا عليّ لئام “. هوية الكائن، إذن، حيث تتحقق كينونته. وبالتالي ليست بالضرورة في مسقط راْسه ان اضطر الى تركه او هجره او الهرب منه. هويّة الكائن ليست معطى ثابتًا ودائماً لا يتغير. انها في تبدل وتغير مستمر. هذا ما يجب ان يفهمه الذين يعتقدون ان علينا ان نموت حيث ولدنا. لا! الحياة لها رأي اخر، مختلف تماماً. وأنا مع الحياة الكريمة لا مع هذا الرأي التقليدي البالي.

*وصفت المثقف العربي بـ «نَقّار الصحون»، هل يمكن إيضاح هذا .. ؟
** سؤالك يحمل تفسيره الخاص. مفهوم “نقّار الصحون” يشرحه لجوء النخب العربية الى حيث تجد النقود الحقيقية، والجاه الكاذب، والتزيّف، والإغراءات السهلة. “نقّار الصحون” لا يحب العمل. ويكره الجهد. ويتجنب النقد، اقصد نقد السلطة التي ينقر في صحونها. لأنها ستزيحه، وتبعده، ولا تعود تعطيه شيئاً. وبالطبع هذه الحال، ليست هي حال كل الأدباء العرب، لحسن الحظ. لكن هناك الكثير من “نقاري الصحون” العرب الذين لا يزالون يعتبرون السلطة “ربّاً”، حتى وان قالوا غير ذلك. وموقف الكثيرين منهم من “الثورة العربية الكبرى” التي حدثت في بداية هذا القرن، ولا تزال مستمرة، تشهد على ذلك.

*هل يمكن إيضاح موقفك من المرأة: “الحبيبة، الزوجة، الأم، العشيقة، الحبيبة، من جديد. ويكون الأوان قد فات وعندها تدرك أن تلك الأدوار، رغم تعددها لم تكن في الحقيقة إلا دور واحد: دور الكائن الذي فرغ من محتواه..”؟
** موقفي من المرأة واضح: إنها كل شيء. وللأسف لا يزال الرجل العربي المتَعَنْجِه، والمفعم برجولته الفارغة، يعاملها وكأنها كائن من الدرجة الثانية. وهو لا يدرك انها تلمُّ بشؤونه وشجونه. فهو يتبعها اماً، ومن بعد حبيبة، وعشيقة، وزوجة، والى اخره… هذه الكلمات العجلى فقط لأشرح لمن لم يفقه بعد انه من غير اللائق الإصرار على ” موقف النعامة الرجولي” في العالم العربي، وانه آن الأوان لينظر الرجل الذي هو أدني بكثير من كثير من النساء حوله الى المرأة نظرة اخرى، وهي تستحقها بالتأكيد. المرأة معجزة الوجود. وهي قد تحررت وتغير وضعها في معظم البلدان فوق الكوكب الأرضي. لكنها في العالم العربي الذي لا يعرف كيف “يصون” حدوده، والذي لا يزال يعاني من الاستعمارين القديم والجديد، هذا العالم الفقير فكرياً وإبداعياً لم يجد أمامه سوى “امرأته” ليجعل منها ضحية. ضحيّة انتمائه الى غياهب الماضي، وتماديه في الجهل والتفَوّق الرجولي الكاذب عليها. المرأة حرة. ومتى استعبد الرجل امرأة ولدتها أمها حرة؟ ليكذب العرب على أنفسهم في هذا المجال، مجال حرية المرأة وتحررها. هذا شاْن المغفلين منهم. لكن التاريخ لا يعود الى الوراء. وعلينا، في العالم العربي، ان نعطي المرأة حقها المعادل تماماً لحق الرجل، وفِي جميع مناحي الحياة. وانا ألخصها في حرية العمل. لان الاستقلال المادي أساس كل الحريات ، وحرية السفر، لان السفر وجه الوجود الآخر.
، وحرية الحب، و حرية تقرير مصيرها. و… و… نحن لا ننكر اننا في بعض البلدان العربية قطعنا شوطاً كبيراً نحو المساواة بين الرجل والمرأة لكننا لم نصل، بعد. وثمّة حالات فردية كثيرة “تشبه المساواة” منتشرة هنا وهناك، دون ان تكوِّن تغييراً جذرياً في بنية المجتمع العميقة والراسخة. وهي بجميع اشكالها لا تشكل حركة اجتماعية سياسية متاصُّلة في بلداننا. المساواة الحقيقية التي تنشدها المرأة لا زالت بعيدة عن متناولها. والبقية لا تأتي. وعلى العموم لن يتغير وضع العالم العربي المزري حالياً إلا إذا تغيَّر وضع المرأة فيه.

*سؤال اخير ..فزت مؤخرا بجائزة محمود درويش للرواية ..ما أهمية هذه الجائزة بالنسبة إليك.. ولاسيما انه معروف عنك موقفك السلبي من الجوائز بشكل عام…؟
** أسعدني كثيراً اختياري لجائزة ” محمود درويش ” للأدب هذا العام. وكما تعلم فقد تبرعت بكامل قيمتها المادية وهي (٢٥٠٠٠) دولار “لنادي الأسير الفلسطيني” في ” رام الله”. أما موقفي من الجوائز الأدبية في العالم العربي فأنا لا اعتبره “سلبياً” كما تقول، وإنما هو موقف ناقِد بوضوح.
ولقد تحدثتُ كثيراً حول هذه الجوائز، فهي بشكلها الراهن، وبتوجهها السياسي والاعلامي الحالي، صُنِعت لخَنْق الإبداع العربي وقد استُحْدِث اغلبها بعد انهيار الدول المركزية الأساسية مثل سوريا والعراق واليمن والسودان، وبعد انحسار الدور الثقافي الكبير للدول الأخرى التي أصبحت “صامتة”، وعلى رأسها مصر. ونمُوّ هذه الجوائز المدهش في زمن قصير جداً، وفي هذا الظرف المأساوي بالذات، ليس صدفة. فهذه الجوائز، هي للركود، والسكون، وبقاء الحال على ما هي عليه. أو بمعنى اخر: جَرَّ العملية الإبداعية والمعرفية في العالم العربي إلى الوراء عقوداً. لهذه الأسباب، وهي بالتأكيد، جزئية ومنقوصة، فثمة الكثير اللامذكور منها، أقول من اجل ذلك، كله. أنا أدعو إلى ” أدب بلا جوائز”. أدب يحرر المبدع من اللُّصاقات الفولكلورية، ويمنحه الحرية الحقيقية ليكتب ما يشاء دون الالتفات إلى الآخرين المتسلطين على الإبداع، راجياً منهم منحه جواز مرور مزيف نحو “شهرة خُلّبية” مفضوحة. ولن يفيده المطبلون والمزمرون ونافخو الأبواق الإعلامية مع الزمن شيئاً.

إلى الأعلى