الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الحل الذي يكادُ أن يَلفُظَ أنفاسه

الحل الذي يكادُ أن يَلفُظَ أنفاسه

علي بدوان

” .. كما هو ملاحظ بالنسبة لحل الدولتين، فإن الحل يكاد يبدو الآن، وفي الوقت الراهن مستحيلاً، حيث الإنحياز الأميركي الفاقع والصارخ لدولة الإحتلال، وفي ظل فجاجة السياسية الأميركية التي يقودها الرئيس دونالد ترامب والطاقم المُتصهين المحيط به، خاصة بعد قرار ترامب بشأن القدس واعترافه بها كعاصمة للدولة العبرية ونقل سفارة واشنطن اليها، وتجفيف مصادر الدعم لوكالة الأونروا ومحاربتها،”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الانتقالات التدريجية لمسار الرؤية السياسية والعملية في الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، بدأ يتبلور مفهوم حل الدولتين في بواكيره الأولى منذ اقرار البرنامج المرحلي (برنامج النقاط العشرة) صيف العام 1974 في الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عُقِدَت في العاصمة المصرية القاهرة، بالرغم من أجواء المعارضة التي سادت طرح البرنامج إياه من قبل بعض القوى والشخصيات الفلسطينية من أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، وحقق هذا الأمر انتقالاً هاماً منذ أواخر العام 1988، وتحديداً بعد الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عُقِدَت في الجزائر العاصمة، وكانت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى في أوج تصاعدها، فتم طرح مشروع حل الدولتين استناداً لحزمة قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وهو أمر تحفظت عليه بعض قوى وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، ولم تصوّت إلى جانبه سوى حركة فتح ذات الأغلبية في المجلس الوطني الفلسطيني ومعها الجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي الفلسطيني (حزب الشعب الفلسطيني حالياً)، بينما اتخذت كل من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وجبهة التحرير الفلسطينية، وجبهة التحرير العربية موقفاً متحفظاً من المشروع ومن الإشارة للقرار الدولي 242 ومن مسألة الإعتراف به، وغابت عن أعمال المجلس في حينها كما هو معروف كلاً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين/القيادة العامة، ومنظمة الصاعقة.
أخذ مفهوم حل الدولتين بالتبلور أكثر فأكثر بعد الخطاب التاريخي الذي ألقاه الرئيس الراحل ياسر عرفات في دورة أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة التي التأمت في جنيف في 14 ديسمبر 1989 بعد أن رفضت الولايات المتحدة إعطاء تأشيرة دخول لياسر عرفات، وفي الخطاب المذكور أعلن ياسر عرفات قبوله بالشروط الثلاثة المعروفة التي قدمتها الإدارة الأميركية عبر وزير خارجيتها جورج شولتز في حينها، واطلق بعد إعلانه قبولها دعوته لحل الدولتين، فيما أعلنت وقتها الإدارة الأميركية عن فتح أبواب الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية بشخص سفيرها روبرت بيلليترو، وتوقفت جلسات الحوار بين منظمة التحرير الفلسطينية والإدارة الأميركية بعد قيام تنظيم جبهة التحرير الفلسطينية (بقيادة أبو العباس) العضو في منظمة التحرير بعملية فدائية على شواطىء تل أبيب في أيار/مايو 1990.
وللدقة والموضوعية فإن مجموعة حزب الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا) التي كانت قد انشقت عن مجموعة نايف حواتمة (الجبهة الديمقراطية) أوائل العام 1990، كانت الطرف الأول الذي بدأ بالترويج لمصطلح “دولتين لشعبين” عبر تعاميمها السرية التي كانت توزعها داخل تنظيم الجبهة الديمقراطية قبل أن تتبلور كحالة تنظيمية وسياسية خرجت لاحقاً من جسم الجبهة الديمقراطية. وفي تلك الفترة لم تكن حركتي حماس والجهاد الإسلامي قد بلورتا مفاهيمهما السياسية البرنامجية الآنية، سوى برنامجهما العام الذي يقول بفلسطين وقف إسلامي من نهرها الى بحرها.
وينطلق المُتحفظون على مشروع حل الدولتين من قوى التيار القومي واليساري وحتى من بعض الجهات داخل حركة فتح من واقع أن هذا الحل يعني بشكلٍ أو بأخر تنازل عن أكثر من (80%) من أرض فلسطين التاريخية. وشطب حق العودة الذي يُمثّل جوهر قضية فلسطين. وأن حل “دولتين لشعبين” يعني التفاوض على نسبة الأراضي التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية، وهنا يكمن الخطر من وجهة نظرهم، وهو الخطر الذي فتح شهية الكثيرين من قادة “إسرائيل” الذين قال العديد من زعاماتهم “إنَّ الدولة الفلسطينية لجميع الفلسطينيين” ليصير الهدف من دولتين لشعبين الى التخلص من المواطنين العرب الذي بقوا صامدين فوق أرض وطنهم بعد عام النكبة في الداخل المحتل عام 1948، وباتت أعدادهم تفوق مليونا ونصف المليون مواطن، وبالتالي الوصول إلى دولة يهودية خالصة، كما يدعو الآن قادة معظم احزاب الخريطة السياسية في “إسرائيل” أصحاب شعار “الدولة القومية” و “الدولة اليهودية النقية”.
أما على الطرف الآخر من المعادلة الفلسطينية، ومن وجهة نظر باقي القوى وعلى رأسها حركة فتح، فإن “حل الدولتين” مشروع وطني تراكمي في سياق العملية الكفاحية المرحلية، كما هو مشروع تكتيكي تصادمي مع الموقف “الإسرائيلي” والأميركي، فضلاً عن كونه يحظى بقبولٍ دولي باعتباره مُستنداً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وبالتالي يُمكن له أن يُحشّد العالم والمجتمع الدولي خلف المطالب الفلسطينية العادلة، وهو مايتضح الآن حين نرى أن الموقف الدولي يؤيد وبقوة مبدأ حل الدولتين ويرى به الخيار الأساسي لحل القضية الفلسطينية، دون المساس بوجود أبناء فلسطين على أرض وطنهم في الداخل المحتل عام 1948، وعلى أن يتم حل قضية اللاجئين وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، وخاصة القرار 194 القاضي بحقهم في العودة والتعويض.
وكما هو ملاحظ بالنسبة لحل الدولتين، فإن الحل يكاد يبدو الآن، وفي الوقت الراهن مستحيلاً، حيث الإنحياز الأميركي الفاقع والصارخ لدولة الإحتلال، وفي ظل فجاجة السياسية الأميركية التي يقودها الرئيس دونالد ترامب والطاقم المُتصهين المحيط به، خاصة بعد قرار ترامب بشأن القدس واعترافه بها كعاصمة للدولة العبرية ونقل سفارة واشنطن اليها، وتجفيف مصادر الدعم لوكالة الأونروا ومحاربتها، والسعي لتفكيكها وتحويل مهام عملها للدولة المضيفة وتغيير تعريف اللاجىء الفلسطيني.
كما أنَّ ـ “إسرائيل” لا تريد الإعتراف بحق الفلسطينيين في القدس الشرقية، ولا الرجوع لحدود العام 1967 ولا تفكيك المستعمرات، بل تريد دولة اسمية للشعب الفلسطيني بدل الحقوق، وليس دولة بحقوق (أكثر من حكم ذاتي بقليل وأقل من دولة بكثير) مع شطب حق العودة الذي يُشكّل لباب القضية الفلسطينية وعنوانها الأساس. وعليه إن حل الدولتين بات في مهب الريح بل وفي موت سريري حال لم تقدم الإدارة الأميركية على تغيير مواقفها المعلنة والعملية تجاه الشعب الفلسطيني، وهو ماقد يفتح الباب، وعلى المدى الأبعد، أمام حل الدولة الواحدة الذي تخشاه دولة الإحتلال بشكلٍ كبير، بل ويثير الهلع عندها، ويبدو بأن هذا الحل سيكون الحل الممكن والواقعي في نهاية المطاف.

إلى الأعلى