الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الروائية الفلسطينية رجاء بكرية لـ”أشرعة”:

الروائية الفلسطينية رجاء بكرية لـ”أشرعة”:

تؤمن بأن الأعمال الأهم في تاريخ الأدب التي تكتب نبض شخوصها قبل أن تكتب أفكارهم

حاولت أن أخبر المحيط الثقافي العربي أن رملنا وبحرنا وحبرنا ورحب الفضاء ارذي نعبر من هواه إلى قلوبنا رسائل عشق، لم يجربوا مرة واحدة فك حبرها
دمشق ” أشرعة”
لم تستغرب الروائية الفلسطينية رجاء بكرية عدم حضور رواية فلسطيني أراضي الـ 48 على الساحة العربية. وقالت في لقاء مع “أشرعة” لا ألاحظ حضورا لافتاً للرّواية الفلسطينيّة على السّاحة العربيّة ولرواية الـ 48 تحديدا، وأنا أعزو السّبب لقلّة الوعي الثّقافي بوجودنا كأقليّة فلسطينيّة. وحين يتوفّر ذلك الوعي فإنّه يميل إلى تصويرنا كأبطال ديناميت. وتضيف: “حاولت في روايتي “امرأة الرسالة” أن أخبر المحيط الثّقافي العربي أنّ رملنا وبحرنا وحبرنا ورحب الفضاء الّذي نعبر من هواه إلى قلوبنا رسائل عشق، لم يجرّبوا مرّة واحدة فكّ حبرها. إنّهم مشغولون بالقتال اليومي بيننا وبين اليهود على الأرض والماء، ونحن كنّا ولا نزال بالنّسبة لهم مشروع شهادة”.
يذكر أن رجاء بكرية كاتبة وفنانة فلسطينية من عرب الـ 48. تسكن في مدينة حيفا. حاصلة على الماجستير في اللغة العربية وآدابها من جامعة حيفا. وتعمل في حقل التعليم. شاركت في عدد من حلقات العمل الفنية والمعارض الشخصية والجماعية في فلسطين وخارجها. ساهمت في العديد من المؤتمرات الأدبية المحلية والعربية والعالمية، نالت قصتها (الصندوقة) جائزة القصة النسائية في حوض المتوسط – مرسيليا، فرنسا، عام 1997.
صدرت لها مجموعة نثرية بعنوان “مزامير لأيلول” ، ورواية بعنوان “عواء ذاكرة” ، ومجموعة قصصية بعنوان “الصندوقة”. ورواية “امرأة الرّسالة” .

* من هي رجاء بكرية؟
** امرأة بطموح نسر، بأشواق نورس، بأحلام شرقرق، بوعود بيرق، بأسماء سحر.
* حظيت روايتك (امرأة الرسالة) بإقبال كبير حتى اعتبرت في فرنسا ضمن أكثر الكتب مبيعا، لأيّ سبب يعود هذا الإقبال الكبير على الرواية؟
** لم يفاجئني الحضور اللافت لروايتي الأخيرة “امرأة الرّسالة”. كنت على يقين دائم ولا زلت أنّ الأعمال الأهم في تاريخ الأدب تلك الّتي تكتب نبض شخوصها قبل أن تكتب أفكارهم لأنّ النبض لا يكتب دون فكر، بينما لا يمكن للفكر أن ينبض مكان القلب. ولا زلت أعتقد أنّ إشكاليّات الشّعوب العالقة، والأقليّات المضطهدة للا سبب سوى أنّها أقليّة سيجيد الأدب علاجها أكثر ممّا سيفعل السياسيّون لأنّ لديه مبرّرا أكبر للإقناع، لديه منطق الإحساس. إصبع صغيرة عند منعطف لمخيّلة يمكنها أن تدوّر كونا واسعا وتحتلّه دون مقاومة. هؤلاء السّاسة لا يملكون قوّة الرّدع كي يتمرّدوا عليها. اعتقدت دائما أن إشكالية حضورنا السياسي مرتبطة بواقع محونا الثّقافي ليس على يد المؤسّسة الحاكمة وحسب، ولكن الجهل العربي بحيثيّات هاجسنا اليومي.
حاولت أن أخبر المحيط الثّقافي العربي أنّ رملنا وبحرنا وحبرنا ورحب الفضاء الّذي نعبر من هواه إلى قلوبنا رسائل عشق، لم يجرّبوا مرّة واحدة فكّ حبرها. إنّهم مشغولون بالقتال اليومي بيننا وبين اليهود على الأرض والماء، ونحن كنّا ولا نزال بالنّسبة لهم مشروع شهادة. بطلة امرأة الرّسالة أعلنت عبر عطرها وفكرها وثورتها على إشكاليّاتها السياسية بين الفلسطينيّين أنفسهم، بينهم وبين اليهود والعرب أنّ الشهادة ليست بسبورها الوحيد إلى النّضال، إنّه شوق جسدها إلى شهادة يوقّعها رجل بعد فنجان قهوة على أرنبة أنفها أونهدها. أرادت أن تكشف عبر خبايا عشقها خبايا وجودها كإنسانة ومُحتلّة، كَمُقاتلة وعاشقة. هذه هي بالضّبط فلسطين ما كتَبَتْهُ، بكَتْه، قَهَرَتْهُ، لعنَتْهُ، محَتْهُ، عانقَتْهُ بمثلِ مَا حقَدَتْ عليْهِ، هَزَمَهَا وتألّقت ملكة على عرشهِ نَشْوَة.
* هنالك نقاد أشاروا الى أنَّ امرأة الرسالة انتشرت بسرعة لكونها تتكلم عن حيفا ويافا وفلسطين وبغداد ولندن، وأنّ هذه المدن لها صدى لدى القارئ العربي؟
** إنها أمكنة تقلق ذاكرة العالم. وحجارتها تحكي عن أصحابها ولأنّها لا تزال رغم التّاريخ الّذي سُطِّرَ عنها مصدرا خاما لنسيج الذّاكرة. وأنا أعتقد أنّنا مهجوسون بالجزء المفقود منّا، تخيّل مثلا شخصا فقد أصابعه، هل تعتقد بأنّ الزّمن يستطيع أن يميت إحساسه بترتيبها في قواعدها الحيّة، أتذكّر رجلا في صغري كان يبيع في دكّانِهِ أنواعَا طيِّبَة من الحلوى. كنتُ أقطعُ مسافة طويلة من بيتنا إلى حارتِهِ كي أشتريها، لكنّني فوجئت حين وصلت بأنّ لا أصابع ليديه رغم ذلك يجلس خلف طاولة البيع بنبل ويبتسم للأطفال. خفت من الاقتراب، وقفتُ بباب الدكّان وتساءلت كيف سيُخرِجُ لي الحلوى الّتي أحبّها؟ انشغلتُ بكفِّهِ المطبقة على حلوى مُتَخيَّلة يخفيها عن الأطفال بانتظار أن أقترب وآخذها. وقفتُ ما يزيد على ربع ساعة أنظر إليه بحيرة لأفكّ لغز الحلوى، حتّى دخلت طفلة أصغر منّي. ركضت إليه وابتسم لها، وإذّاك سمعتها تقول له: عمّى اسماعيل أريد ملبّسا أحمر سمين، وهو الملبس الّذي قطعت حواري كي أحصل عليه. تأمّلتُها بعيونٍ دَهِشة، فرأيتُهُ يجرُّ كرسيّه بكفَّيهِ المطبقتين، ثمّ يقبض برطمانا زجاجيا كبيرا جلست فيه أعداد كبيرة من الملبّس الأحمر تتقاتل داخله على من تخرج أولا إلى أكفّ الأطفال. حفنَتْ كبشة في يدها، ابتسمت له وذهبت. بعدها أخذتني لهفتي لرؤية حركة كفّيه المسرحيّتين. وقفتُ أمامَهُ وردّدْتُ ما قالتهُ الطّفلة، لكن بقليل من الخوف، “عمّو اسماعيل بدّي كبشة ملبّس أحمر سمين”. ابتسم لي بطيبةٍ لا أنساها ودفع نحوي مرطبان السّحر بيديه المنقبضتين. مرّت دقيقتين وأنا أتأمّل كفّيه بانفعال حقيقي، توقّعتُ أنْ تخرجَ له ستّ أصابع لتفاجئني، “نعم كنت أكذب عليكِ”، لكنّها لم تخرج وتعبتا قبضتاه في انتظاري. أدخلتُ كفّي المرتجفة في عمق المرطبان وحفنتُ ما أحبّه. ثمّ أدرتُ له ظهري دون كلمة واحدة وركضتُ خارج الدكان. بقيتُ طولَ المسافةِ الّتي تفصلني عن حارتي أفكّر بأصابعه السّحريّة، هكذا أسميتها، وقرّرت ألا أعود لحارتِهِ ثانية، لأنّني اعتقدتُ أنّها لحظة لن تتكررّ، لكنّني لم أنس للآن شكل الأصابع السّمراء الّتي اختبأت في عمق كفّيه المطبقتين.
والجزء المفقود في هذه المدن هي الأصابع الّتي صمتتْ بعدَ بَترِهَا بدقائق لكنّ قواعدها المنتظِرة أن تعود إليها ذات يوم قلقة، لأنّها ليست أكثر من ذاكرة البداية، وتحتملُ الحياة بمثلِ ما تحتمِلُ الموت. نحن نعيش نسجا لا نهائيّا لذاكرتنا الغائبة وكلّما أوشكنا على إغلاق متاريسها خَنَقَنا شكل أصابعها المستعارة لذلك تنفتح نوافذها من جديد. طموحنا يقودنا دوما لأشكال البداية الّتي نحبّها عنها. ونحن نحرّر نسيج الخيوط لننسج خيوطا أجمل وتطول المسافة بيننا وبين أعمار الفقد حتّى تعود إلينا الحقيقة بذاكرةٍ أجمل.
ليس خطأ أن نعيش على ذاكرة متخيّلة لكنّ الخطأ أن ننسى أنّها فرضيّة هجس لن تستعاد. قد نستعيدها لكن على هيئة قد تثير فزعنا. عن لحظات الفزع الّتي قد تصعقنا أدافع في استحضاري للمدن الّتي ذكرتَها. إنّها مثقلة بالتّفاصيل والأكاذيب معا. وأنا أردت أن أحقّق ولو صورة صادقة واحدة عن أكذوبة متخيّلة لشبابيك موتاها، ومفاتيح قتلاها وشهقات شخوصها المتجدّدين الّذين يعودون إلى عكّا ويافا ويطيّرون طائراتهم الورقيّة فوق قلاعها الباقية نكاية بأكذوبة المحتل الّذي يصرّ أنّها ملك شرعي لأجداد لا نعرفهم. ولذلك أعتقد أنّ امرأة الرّسالة تنتشر وسط حضور راسخٍ لرُمّان نسائِها وتينِ يافاها، وَحِيالَ ذاكرة عشقٍ مبتورة من تاريخ قلوبنا المستعارة. قلوبنا في معظمها أصبحت قوالب مستعارة لذلك نبحث نحن عن حالة عشق سحريّة على ورق بلا لون كي تلوّنه الصوّر الّتي نحلم أو نهجس بها.
* امرأة الرسالة رواية سياسية قبل أن تكون عاطفية، كيف زاوجت ما بين السياسي والعاطفي بحيث طغت العاطفة والعلاقات الإِنسانية على الجانب السياسي؟
** منذ بدأتُ مشروعي هذا وأنا أخطّط لرواية خارجة عن الطّوق، الفكري المضموني، والبنيوي. كما لم أقصد رواية سياسيّة تماما إنّما عمل هاجسه الحسّي سياسي. هل تعرف لو أنّ السّياسيّين أنصتوا لمرّة واحدة لإحساسهم لسجّلوا إنجازات تسبق عمر الزّمن.
إنّ ما سيفتن القارئ فيما نكتبه ليس توثيقنا للحدث السياسي بقدر تفنيننا له، ولذلك من البديهي أن نستغلّ انجذابه لنا فنيّا على اعتبار أنّ الفنّي يشمل البعدين الحسّي والتّخييلي معا كي نلقي بهواجس هويّاتنا وإشكاليّاتها المؤرّقة. كم عدد الشّعوب الّتي سمعت بكيان فلسطينيّي الـ 48 داخل “إسرائيل” ؟ كم يعرفون عن الأحداث الأمنيّة الّتي قادت شبّان وفتيات إلى السّجون. الحدث السيّاسي الّذي يقف في مركز “امرأة الرّسالة” واقعي، وهي قضيّة تفجير الحافلة الّتي أقلّت مسافرين من الكابري إلى قلب عكّا. هذه حادثة كانت شبه يوميّة في التّسعينيّات، وعانت منها العديد من العائلات الفلسطينيّة. تبعات هذا الحدث أخذ في روايتي منحي سياسيّا مزدوجا، بحيث جمع بين فنيّة التّحقيق الّذي اتّبعته الشّرطة والجيش، وإسقاطاتي الشّخصيّة على الشّخصيّات التي وجدتها تستعد للمشاركة في مغامرة التّنكيل والتّشويه داخل السّجن. قوّة الإعلام الإسرائيلي، وهيمنته التّامة على الحقائق. تزويرها أو قلبها بما يخدم المصلحة الوطنيّة مع الحرص على مستندات ليس من السّهل كشف عدم صلاحيّتها حضرت روائيّا على نحو لافت.
جميع الأنظمة البوليسيّة تحرص على تجييش الإعلام بما يخدم مصلحتها القوميّة، ولو بالحيلة. والمؤسّسة الإسرائيليّة لا تخالف هذه القاعدة وقد تذلل عقبات في سبيل تلميع صورة المرجعيّات السياسيّة، ولو على حساب وجودنا كأقليّة، نحن لا نهمّهم كأقلية مؤثّرة في مصير الدّولة، بل متأثّرة في أحداثها. واليهود يعتبرون الدولة ملكا لهم، دون الأخذ بعين الاعتبار التّركيبة الاجتماعيّة والسّياسيّة لمواطنيها.
وأضح أنّ غسّان، بطل الرّواية، عانى من ازدواج المعايير، وصمته وإعلانه الاستقالة الرّوحيّة من الحياة عكست واقع هذه التّجربة لدى آلاف المعتقلين في السّجون الإسرائيليّة. لكنّ وجود نشوة في حياته دفعه للبقاء على قيد الأمل، رسم راهِنَهُ برسائل القلب الكثيرة الّتي خرجت من معتقله الصّغير لتجوب شوارع عكّا الجميلة وتسلّم على بائعي الفلافل والورد على حدّ سواء كي تصل إلى ساحة بيتها. نَقْشُ القلب فيما نكتُبُهُ يستطيع أن يكسب القضايا الوجوديّة الخاسرة بما فيها الإشكاليّات السّياسيّة. أنا امرأة تؤمن بقدرة الرّوح على قلب منظومة الصّحيح والخطأ، العدالة والظّلم وتأسيس مملكة للحقيقة الإنسانيّة، ولو بدت للوهلة الأولى حلما على الورق.
* كروائية من داخل فلسطين المحتلة. كيف ترين تقبل فكرة حضور عرب 48 على الساحة الثقافية العربية؟
** لا ألاحظ حضورا لافتا للرّواية الفلسطينيّة على السّاحة العربيّة ولرواية الـ 48 تحديدا، وأنا أعزو السّبب لقلّة الوعي الثّقافي بوجودنا كأقليّة فلسطينيّة. وحين يتوفّر ذلك الوعي فإنّه يميل إلى تصويرنا كأبطال ديناميت. صور حيّة لأحزمة ناسفة. ليس هذا بالضّبط ما نطمح إليه، وهذه ليست بالضّرورة الصّورة الّتي نودّ تسويقها. سَمّونا مناضلي الـ 48 وعلى هذه الموجة سبحت بعض أسماء. لكنّ الحضور الأدبي اللافت للإنتاج الرّوائي والقصصي مثلا لم يطف على السّطح ولم يتمّ الالتفات إليه عربيا. أُنظر مثلا إلى ملتقى الرّواية العربيّة في القاهرة النّسائي والعام. هل سمعتَ ذات يوم تصريحا يخصّ أدبنا كجزء من الثّقافة الفلسطينيّة العامّة في مناطق الـ 67؟ حتّى الآن لم يتمّ الالتفات إلينا رسميا كصنّاع لأدب إنساني حقيقي. لم يتمّ الالتفات لإنجازاتنا. أسماؤنا وأدبنا مهمّشون على أجندة الأدب كأنّنا لا نناضل معهم من أجل كرامة العرب، ونحن أكثر العرب احتلالا ومحوا، وانتسابا لإشكاليّات الارتباك العربي العام. ولا يُفهم من كلامي أنني أقصد حضوري الذّاتي فلي من الحضور ما يدعوني لإجراء حوار عادي منمّق سلس وجميل ومفبرك، لكنّني أعني المشروع الفلسطيني في مناطق الـ 48 عموما.
ولا بدّ من التّأكيد على أنّني لا أناقش هنا ضريبة إصرارنا على الحضور إعلاميّا رغم تردّد العرب وتحريض اليهود، لكنّني أثير مرحلة ما بعد إصرارنا على فرض خارطة هذا الحضور. على المؤسّسة الثّقافيّة العربيّة أن تفهم أنّنا نعيش في كوكب لم يكتشفوه بعد اسمه كوكب الذّاكرة. ذاكرة الانتصارات والهزائم وهذا النّوع من الكواكب يمتلك من أسباب الزهو ما يجعله يقظا على حدود محيطات واسعة وجزر عالية، وذات يوم سيفتّشون عن ورق غير كاسر للضّوء كي يسجّلوا سطور انتسابهم إليه.
* في إحدى مقابلاتك تقولين إنّ هناك حصارا عربيا على فلسطينيي الداخل، هل هو حصار ثقافي؟. أم أنّه تعدى الثقافة وأصبح حصارا سياسيا؟ وهل وصل هذا الحصار إليك وإلى أعمالك؟
** كما أشرت سابقا يا عزيزي فلسطينيّو الدّاخل شأنهم شأن الفلسطينيّين عموما يُعتقد بأنّهم شعب أتى من البحر على لسان الرّواية الصّهيونيّة. انتبه الصّهيونيّة وليست الإسرائيليّة وثمّة فرق. وربّما الإسقاط الّذي حصل أنّ اليهود استعانوا بمرجعيّاتنا التّاريخيّة الّتي خلقَتْهَا تصوّراتِهِم المرعوبة من سهولة اهتزاز الأرض الّتي يقفون عليه،ا فأطلقوا أسطورة تزيدهم رعبا منّا. هم يعتقدون أنّنا لا محالة سنرميهم إلى البحر الّذي أتينا منه لأنّنا أقوى حتّى من البحر. والآن تخيّل أنت شكل الشّعب الّذي سيكون أقوى من البحر، ألا يثير في ثيابك الرّغبة في الموت حلما كي لا تتحقّق من قوّته؟ ويبدو أنّ الأسطورة انطلت على عقول الأمّة العربيّة.
أشعر بأن هذا الحصار يريد أن يتبرّأ من صورتنا الواضحة والجاهزة للمخاطرة في ألبوم العالم الّذي يمشي أثناء النّوم مفتّح العينين خوفا من خيانة، أو دسيسة. لقد أودت الدّسائس بمستقبل هويّتنا فكيف نتوقّع أن يأتي صلاح دين جديد كي يرمّم ما تناثرَ من ذاكرتنا. نحن نعيش بذاكرة مثقوبة لا ترمّمها ولا أحلام العرب بالانتصار، ولذلك نحن نعيش حالة حصار، من ذاكرتنا الّتي تتساقط فيها نتف الضّوء مرّة واحدة في الشّهر كي لا نوقظ العمالة في بدن العتمة. الانفتاح المعلوماتي سهّل علينا غزو المحيطات العربيّة لكنّه ليس بالضّرورة طموحنا الحالي. نحن الآن نطمح إلى عالم خارج حدود الزّمن ينبني على مهل مثل قطرات الضّوء كي لا يشكّك فينا ولا يشي بنا أحد ولا للغيم الّذي يبكي بشدّة على وحدتنا حين تغزونا الكآبة والاحتقان. المجازر الكثيرة الّتي ارتكبت بحق شبابنا لأنّنا عرب ولسنا يهودا لم يطالب بالثّأر لها سوى نحن، أليس غريبا هذا؟ هذا الاحتقان السياسي لا بدّ وأن يولّد أزمة ثقة بيننا وبين المستوى الثّقافي والسياسي العربي. لماذا يثور العالم على مقتل طفل يهودي ويراق دم فلسطيني دون أن تحتجّ سفارات العرب!
أنا في مساءلة دائمة عن الثّمن الّذي ندفعه كي يُعلنَ رسميا عن كينونتنا في سماء الفضاءات العربيّة رغم أنّ الأمر لم يعد هاجسي. أنا اليوم أحاول اختراق عوالم أشدّ اتّساعا من رغيف خبز بقليل كي أجلس عليه وأكتب رواية جديدة عن بذرة ضوء تستحيل إلى بقعة حبر بمساحة كون واسع. حينها ستبحث عنّي كي تجري حوارا جديدا معي ليس لصفحة في مجلّة، ولكن لحكومات دول!
* أحد النقاد تحدث عن كون “امرأة الرّسالة” مشروع فنتزة للّغة كإشارة إلى الاتّجاه الفنتازي في صناعة الأدب؟! هل يهمك رأي النقاد؟ ام انك تكتبين دون الالتفات إليهم؟
** ربّما سيكون من المناسب أن أشير إلى كون مشروعي ذاتي بحت ، منّي لذاتي وللقرّاء. لم أكتب أدبا للنّقد وإنّما للقراءة، ولذلك فأنا حقّا لا أحفل بما يقوله النّقاد، رغم احترامي لهم. ولا زلت واثقة أنّ هاجس الكتابة أساسا لا علاقة له بما يسجّله النّقد. وأعتقد جازمة أنّ الكتابة الّتي تفرش ثوبها على مقاس النّقد لا معنى لها. أن تنجز نصّا يعني أن تحلّق إلى أماكن لا ترى فيها سوى هواجس شخوصك وأزماتها وحالاتها، وتنجز ضربات جزاء كثيرة في ملعبي القلب والرّوح بالدّرجة الأولى. أنت تلاحق هنّات البطل وحجارة الشّارع والرّصيف وتعدّ خطوات النّاس المتخيّلين بأنفاس رغبتك أو صوتك أو فرحك. أين يمكن للنّاقد أن يجلس وسط كلّ ذلك؟
أعرف أنّ جزءا من مشروعي الرّوائي والقصصي هو مشروع لغة، لكن غير مخطّط لها. لا أهندس لغتي، لا تدخل اللّغة ضمن فكرة هجسي، ولكن أهجس بالشّخصيّة وأفتّش عنها وأنا أقود سيّارتي إلى العمل. أرتّب ملابسي في الخزانة، أحضّر السلطات الّتي أحبّها، أنظّف أواني المطبخ. أحاضر أمام طلابي، أتابع مسرحيّة أو فيلم سينمائي. أفترض أنّ أبطالي منتشرون في كلّ مكان وعليّ أن أجيد قنص الأبعاد المناسبة للشّخصيّة الّتي تختبئ دون توقّف تحت ملابسي. في كلّ يوم أجدها في مكان لا أتوقّعه. مرّة في خزانة الملابس، مرّة في حذائي، مرة خلف أذني. ودائما أجد مبرّرا للملابس الّتي تهرب من مكانها فوق المشجب، وأعزو ذلك لشخصيّة تحاول مناكفتي. وسط هذه الفوضى الجميلة لا يحتمل عالمي حضور النّقد، ولو حضر لا أوليه أهميّة لأنّني قد أتوقّف عن نفض قلبي بالشّغب. وقد يغسل الورق صفحته بأسماء لا أحبّها.
* وفق معلوماتي الأكيدة أنّ الرواية حقّقت نجاحا على المستوى الشعبي بين القراء، وطلب منك أن تترجم إلى الألمانية ولغات اخرى؟ كيف تنظرين إلى الاقبال الشعبي على الرواية؟
** تغمرني سعادة كبيرة حين تصلني رسائل من قرّاء لأنّها دليل تفاعل القارئ مع النّص. وأعتقد أنّ القارئ لا يكتب بسهولة ملاحظة إلى بريد روائي إلا إذا انفعل بما لا طاقة له على الاحتفاظ بانفعاله لنفسه. إنّ احترامي لعقليّة قرّائي ذريعة لاهتمامهم بنصّي. إنّهم يكتبون لأنّهم يعثرون على اللّحظات الّتي لم يتمكّنوا من التقاطها حين مرّت أمامهم. امرأة الرّسالة ساعدت كثر على استرجاع ذاكرتهم، على تحديد وجعهم، وعلى رؤية أماكن موغلة في الضياع داخل أرواحهم، فلسطين تحديدا. وإشكاليّة الرّغبة والعشق تشغل وتشعل الحدث بوتيرة متقلبّة تثير قلق القارىء.
عُرضَ عليّ ترجمة الرّواية لعدّة لغات، وضمنها الألمانيّة لكنّني رفضت لأسباب تتعلّق بالشّروط الّتي قدّمت لي. أنا أنثى ثائرة كأبطال رواياتي وقصصي، ولا أقبل أن أمسح حقوقي مقابل شهرتي. نحن الفلسطينيّين تعلّمنا الدّرس، وقد انطلت علينا الخديعة مرّة، ولن نكرّر التجربة ولو مع أشيائنا الصّغيرة.
* تديرين مركزا خاصا بتدريب الأطفال على التفكير والرسم وتنمية مهاراتهم الفكرية، ما الهدف من هذا المشروع؟ ومن يمول هذا المركز؟
** السّنونو لتطوير أو لتطيير المهارات الإبداعيّة، هكذا أطلقت عليه تيمنّا بمخيّلة طير السّنونو الخصبة والمبدعة، وتوخّيه الدّقة والفنيّة العالية في صناعة بيته. إنّه موجّه من غريزته ومهاراته الّذاتية في اختيار ما يحب.
فكرة هذا المركز تراودني منذ سنوات طويلة، لكنّني لم أتمكّن من تحقيقها لأسباب كثيرة. كنت خائفة من المغامرة، لأنّ اهتمامي سيكون مع أطفال ما بين 4ـ7 سنوات بالأساس، والسّبب الآخر يتعلّق بعدم اجتهادي في الحصول على موارد ماديّة تموّل المركز من أجل تخفيف العبء المادّي على ذوي الأطفال. هذا الجيل باعتقادي من أصعب وأجمل الأجيال، ويمكنه أن يمتصّ كلّ ما تقدّمه له لذلك من المفروض أن نتوخّى الحذر في النّوعيّة والكيفيّة، نوعيّة المادّة الأدبيّة وأسلوب تقديمها للطّفل.أنا مصرّة على الإعداد لجيل مختلف في تفكيره وأدوات إبداعه ولم أختر هذا الجيل عبثا، لكنّ المهم في هذه التّجربة المتابعة والصّبر، ثمّة مسافة سيقطعها الطّفل حتّى تكتسب مخيّلته وتفكيره مرونة يمكن بموجبها توجيهه، وأنا أحتال عليها بفنيّة إلقاء القصّة واختلاف موضوعاتها. أحاول أن أدفعهم للمغامرة في التّعبير، الكلام العفوي واللّون العفوي والموجّه معا. لكن من المهم أن أؤكّد أنّ مجموعات الأطفال المنتسبة للمركز تصل حتّى جيل 10 سنوات. أشتغل على قضيّة تطوير التّفكير الإبداعي في التّعبير الشّفهي والكتابي عن طريق المزاوجة بين القصّة والفنّ التّشكيلي بتيّاراته المختلفة، وأقصد اللّوحة الفنيّة، كما أنّني أفرد مساحة جيّدة للفنّ الكاريكاتوري كلغة حسيّة عالية في تحوير لغة الجسد بالمفاهيم البسيطة والمعقّدة لعالم الطّفل، الكاريكاتير يعتبر من أخصب اللّغات الحسيّة وأقدرها على نسج عوالم مفترضة في المخيّلة الصّافية عند الأطفال. من هناك تبدأ عمليّة البناء والتّطوير. ألوّن عالمهم بالمعرفة والجمال كي يلوّنوا عوالمنا بالعنفوان.
* يعرّفونك كباحثة وناقدة في المسرح الفلسطيني. وأنت تحضّرين أوراقك للدكتوراه في المسرح الفلسطيني، كيف ترين واقع هذا المسرح في الداخل؟
** توقفت حاليّا عن متابعة بحثي المفترض للدكتوراة في المسرح وأكتفي حاليّا بمقالات متفرّقة لأنّني لا أجد وقتا لنفسي في الفترة الأخيرة. محاضراتي في الكتابة الإبداعية وأدب الأطفال تضاف إليهما استكمالاتي، ومشاريعي الأدبيّة تحتّل سلّم أولويّاتي في هذه الفترة. الضّغط الّذي أعيشه يجعلني أفكّر مليّا بالعرض الّذي سأكتب عنه قبل أن أفعل، وكم يستحق من مجهودي الفكري. فوسط وفرة العروض المسرحيّة في الآونة الأخيرة لا يوجد كثير ما يشجّع على مناورة العرض. شرط كتابتي الاستمتاع بما أرى، في قليل المرّات الّتي كتبت بسخط تأذّت روحي، وقرّرت ألا أعالج عروضا هابطة أو متدنية فنيّا ومضمونيا. وما أبتغي التّأكيد عليه أنّني لا أجد رجاء النّاقدة وسط هذه المعمعة الدراميّة، غير أنّني لا أميل لنفي جودة العروض بشكل مطلق، لكن مع الجودة الّتي لم أتابعها لا أجد فيها ما يغريني بالكتابة. وأنا أعتقد أنّ الوقت سيكون سيّد القرار في عمق وجديّة التّجربة المسرحيّة الفلسطينيّة.
تابعت عروضا جاءت من المسرح الفلسطيني إلى النّاصرة وفوجئت بتوجّهاتها، بفنيّة إخراجها، اعتقدت بأن الاحتلال والمجازر، والورد المغسول بالدّم في مناطق الـ 67 ستنشئ مسرحا أكثر رهبة وفتنة، لكن واقع العروض أصابني بالذّهول، لم أجتهد في العثور على أداة للتّعليق عليه سوى أنّه تجريبي بحت ويحتاج مسافة من البحث كي يأخذ شكلا مسرحيا بمستوى الذّائقة والذّاكرة.

إلى الأعلى