السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (131): لفظة “غرض” في المعنى والاستخدام

نافذة لغوية (131): لفظة “غرض” في المعنى والاستخدام

من الألفاظ والعبارات اليومية المتداولة على ألسنة الناس في المحافل العلمية وفي دائرة الحياة العامة ما يتصل بلفظة ( غرض ) معنى واستخداما. وكذلك بجمعها:الأغراض، يقال مثلا : ما الغرض من هذا المؤتمر العلمي ؟ أو ما الأغراض الشعرية التي تنطوي عليها هذه القصيدة ؟ وربما سئلت عن الأغراض التي سوف تحضرها معك من السوق ، إلى ما هنالك مما يتصل بهذه المادة اللغوية ، فعلام تنطوي دلالتها كما يشير الاستخدام أو تفيد المعاجم ؟
يرى بعض اللغويين أن هذه المادة من الأبواب التي لم توضع على قياس واحد ، بل هي متباينة الأصول في دلالاتها ، ومن أشهر دلالاتها المستخدمة بكثرة قولهم : الغَرَض هو الهدف ينصب فيُرمى فيه ، والجمع أَغْرَاض . وغَرَضُه كذا : أي بُغيته وحاجته . وفهمت غَرَضَك : أي قصدك ، واغترض الشيءَ : جعله غَرَضاً . والغَرَض أيضا : شدّة النزاع نحو الشيء والشوق إليه . يقال من ذلك : غَرِضْتُ به ومنه . وغَرِضَ إلى لقائه يَغْرَضُ غَرَضاً فهو غَرِض : أي اشتاق ، فهو مشتاق ، قال ابن هرمة الشاعر :
مَـنْ ذَا رَسُولٌ نَاصِحٌ فَمُبَلِّـغٌ
عَـنِّي عُلَيـَّةَ غَيْرَ قِيلِ الكَاذِبِ
أَنِّي غَرِضْتُ إلى تَنَاصُفِ وَجْهِهَا
غَرَضَ المُحِبِّ إلى الحَبِيبِ الغَائِبِ
فقوله : غَرِضْتُ إلى تناصُفِ وجْهِها : أي اشتقت ، وتناصف وجهها : أي محاسن وجهها التي يتنصِف بعضها بعضاً في الحُسْن . وقال عروة بن حزام :
فَمَنْ يَكُ لَمْ يَغْرَضْ فإنِّي ونَاقتي
بِحَجْرٍ إلى أهلِ الحِمى غَرِضَانِ
تُحِنُّ فتُبدي ما بِها مِنْ صَبَابةٍ
وأُخْفي الذي لولا الأسى لَقَضَاني
يعني أنَّه هو وناقته مشتاقان إلى أهل الحِمى ، هي تبدي شوقها ، وهو يخفيه .
وهناك معنى ثالث ينعقد على ما هو طري وغَضّ أو نحو ذلك ، يقال: الغَرِيض: الطَّريّ من اللحم والماء واللبن والتمر . وأطعمنا لحماً غَرِيضاً : أي طريّاً . وغَرِيض اللبن واللحم : طريّه . ويقال : انغرض الغصنُ : تثنّى وتكسّر . ومنه حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه : فيؤتى بالخبز ليّناً وباللحم غَرِيضاً . وغَرَضْنَاه : جنيناه طريّاً وأخذناه كذلك . وأخذ من هذا المعنى ما يستخدم على المجاز ، تقول مثلاً : هذا خبز طريّ أي لم يكن قديماً أو بائتاً ، وهذا شبيه بقولهم : أَغْرَضْتُ للقوم غَرِيضاً : أي عجنت لهم عجيناً ابتكرته ولم أطعمهم بائتاً .
ومن دلالات هذه المادة المتباينة الأصول ما يقع في معنى البكور ، يقولون : وردت الماء غَارِضاً : أي مُبَكِّراً . وأتيته غَارِضاً : أي أتيته أول النهار . والإغريض : الطَّلْع والبَرَد . والإغريض أيضاً قطر جليل تراه إذا وقع كأنه أصول نبل ، وهو من سحابة متقطعة ، وقيل هو أول ما يسقط منها . ومنه قيل لماء المطر : مَغْرُوض وغَرِيض . قال الحادرة قطبة بن أوس المازني :
كَـغَرِيـضِ سَـارِيةٍ أَدَرَّتْهُ الصَّـبَا
مِنْ مَـاءِ أَسْجَرَ طَيِّـبِ المُـسْتَنْقَـعِ

وقال لبيد بن ربيعة العامري :
تَـذَكَّـرَ شَجْـوَهُ وتَقَـاذَفَتْـهُ
مُشَـعْشَـعَـةٌ بِمَـغْـروضٍ زُلالِ
والغَرَض كذلك : الضَّجَر . يقال : غَرِضَ منه غَرَضاً فهو غَرِض : أي ضجر وقلق . وفي الحديث كان إذا مشى عرف في مشيه أنه غير غَرِض ، أي غير قلق أو ضجر. واشتد غَرَضي : أي ضجري . قال الشاعر :
لَمـَّا رَأَتْ خَـوْلـةُ مِنِّي غَـرَضـا
قَـامَتْ قِـيَامـاً رَيِّـثاً لِتَنْهَـضا
وعلى مقتضى السياق ، وطبيعته يستخلص القارئ المعنى ويحسن توجيهه.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى