الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ملحمة “تراث”!

ملحمة “تراث”!

بدا ساهما، واجما، تائها في ثنايا دروب “المدنية” ومنعطفاتها، تميد الأرض به، أو تكاد، تحت وطأة مآسي دهور خلت، وولت ظهرها لربيع عمر تبعها، وأدبر، ولن يعود. كان كهلا، هرما، عتيقا، أثقلت جفنيه هموم الدقائق والثواني، وسنون طويلات مرت تترى، شهدت ظلم البشر لبني جنسهم، ولِذاتهم، ومن أجل ساديّتهم ولذّاتهم. وقف شامخا، عبر “أركيولوجيا” الزمن، شاهدا على دوران الأفلاك في مداراتها، وعلى تلاحق الليل والنهار، وصراع الحق والشرور. وجده صبية الحي “مهملا” على مفترق طريق يتيه فيها الحاذق الماهر. انهالت سيول التساؤلات العارمة من الأفواه البريئة، لفتية، عودهم طري، لم يشهدوا تاريخا أو يعوا أمرا جللا. ما دنست “أقذار” المادة أو المدنية، ولا أوحال السياسة، أو ظلمات الخطيئة قلوبهم البريئة، التي فاضت بدماء عنترة وعمر وصلاح الدين، وخالد. أحاطت نظرات الإشفاق به من كل ناحية، إحاطة السوار بالمعصم. عيونهم الصغيرة، المستديرة، “الشقية”، الجريئة، كانت طافحة بتساؤلات حزينة، تزوجها الفضول. حاله كانت تدعو للحزن والرثاء، وكان وضعه يغني عن أي تساؤل أو سؤال!
قبل حين، يسير، تدافعت جموع الصبية، لنصرته، تناوشته أياديهم الصغيرة من ذئاب بشرية أعملت فيه أنيابها القذرة، خمشا، ونهشا. دارت معركة صغيرة، أشبه ما تكون بتظاهرة، أو عصيان مدني، ضد عصابة، زعيمها رائحته كريهة، “نتنة”، تعلو رأسه قبعة صغيرة سوداء مختومة بنجمة – سداسية. انتهت التظاهرة بانتصار لحظي، مؤقت، للفتية، لكن ذاك “النتن” توعدهم بالعودة سريعا بجحافل “الشرعية الدولية” ونفاق السياسة “العالمية” لانتزاع هذا “اليتيم الكهل”، ومزيد من رفقته، وصحبه، واستصدار قرار “الضم”، وتغيير الهوية، وشهادة المولد، لقلع الجذور والأصول، أو الأصول من الجذور. كانت هي البداية فحسب، فلم تحن الخاتمة، بل مجرد “بالون” اختبار، أطلق في سماء الظلم، والقرصنة، وسرقة التراث. نجح الاختبار! وأيقنت العصبة القذرة أن لا أحد يُدافع عنه، أو ينتصر له!
انحدرت دموع الأيام، والمكان، جاءت ساخنة سحّاء مغزارا كيوم فتحت السماء أبوابها لطوفان “نوح”، بعد سيل الأسئلة التي تدافعت، انسابت الكلمات تروي حكاية يُتم وتيتّم، بصوت رخيم، عميق، كأنما يتحدر من غياهب الماضي السحيق:”من أنا؟ أنا يتيم “الكهولة”، لا قريب يرحمني أو بعيد يعرفني. عالمي يكتنفه الفراغ والعدم! بيد أني عشت طفولة سعيدة، وشهدت أياما حلوة مجيدة، كان كل شيء وادعا، جميلا، صافيا، نقيا. أهلي، ومحبيّ، كانوا من نسل الأنبياء وعترتهم، وحوارييهم، وصحابتهم، وتابعيهم، أطهار رتعوا في مروج، وبيارات، وأنهار أمكم الأرض التي سقتهم لبنا، وماء عذبا رقراقَ، وعسلا. كان الجمال قدسا، وكان التراث جمالا، وكنت أعتلي عرش الجمال! تبدلت الحال، وجاء يوم خطّته الأقدار، تغيرت الوجوه، وشاهت، وبهتت، قدمت سفن كثيرة، بها شر مستطير، وموت زؤام، وقوم جُمعوا، لأمر جلل، لحتفهم الموعود المنتظر، من أقصى الأرض، وأشتاتها، قلوبهم كقلوب الذئاب، وعيونهم تفيض بالشرور والآثام، قوم لفظتهم الرحمة، كما بصقت إبليس الرجيم، هم عبدة الدرهم وسدنة نيران الحروب عبر الزمان. حطتهم رياح القدر، والتواطؤ، في أرض طهور، قبل عقود ستة، تجمعت الحراب، وخيمت ظلالها، أطبقت عيوني كيلا أرى، ما تلبد في سماء الحرية، من غيوم مكفهرة وظلم وموت وفناء.
تدافعت عصابات الكلاب نابحة تتراكض في أرجاء المكان، في بيارات أمكم، عابثة، تدمر كل شيء بأمر سيدها، صارخة مجنونة كعويل القردة. أريقت دماء الأبرياء، تعالت الصيحات وامتزجت صراخات الضحية والجلاد. كان يوما هائلا، ومهولا، ومشهودا، جمع له الناس، أبرياء الأطفال والشيوخ والنسوة، حفرت لهم أخاديد “ساميّة”، صنعها “العم سام”. ابتلعت الأراضي الطاهرة أجسادا غضة بريئة. ارتفعت وتعالت في السماء، تشكو لربها جور العباد، سحب الدخان الأسود من عظيم اشتعال النار. كدت ترى “وعدا نازلا من السماء” لإطفاء نارهم التي أوقدوا أتونها على طول الزمان، نعم سيطفؤها من خلق النار، ليس على أيدي أشباه الرجال، بل على أيدي نسل طاهر أيها الأطفال! نعم، راقبت بأسى ودموعي تنحدر تراكض جموع القرى الصغيرة، بعضهم طاردته عصابات القردة، من لم ينج أدركه الطلب وطالته فأس الغدر فجندلته مشطور الرأس صريعا يسبح ببحيرات من دماء زكية جرت تروي بيارات الأجداد. في الطرف الأغر ثارت دماء النخوة والرجولة في جموع من العرب، تحركت فيالق العز لنصرة المقدسات. اشتبك الجمعان في يوم مجموع له الحق والباطل – في يوم مشهود. وما كان لأحفاد القردة أن تسود لولا تخاذل وخديعة و”خناجر غدر” طالت ظهور الشرفاء، رأيتهم صرعى على جوانب الطرقات، امتزجت أشلاؤهم بأشلاء إخوتهم وضمتهم “أخاديد” الجبن الصهيوني التي قامت عليها دولتهم. ذاك كان يوم اغتصبت أمكم على يد عصابات نجسة، وشرذمة لئيمة من أحفاد القردة، وبصنيعة دهر ومكر نسجتها أياد “ضالة” ودبرت بليل تحت سمع وبصر وغدر عالم متواطئ، منافق ومنحاز.

هجرني قومي، وشعبي، وأمتي، هم حولي، وما بهم من رجل شديد، أو رشيد، هم أشباه رجال، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال. منهم كهول لا تقوى على مجالدة أو نزال، ونساء عاجزات ضعيفات، مهيضات الجناح، عقمت أرحامهن عن إنجاب سوى “الأنذال”. وفيهم أطفال أبرياء، يلي أمورهم “وكلاء”، أعماهم بريق اللؤلؤ ولمعان الذهب، ينظرون إليك وهم لا يبصرون. تمسمرت أدبارهم على عروش “السراب”، أحفاد هامان، وقارون، وجنود تعلوهم نواصي خاطئة، ومعاونين وكتبة، هم ليسوا سوى سدنة، تعين على الظلم، بوجوه كالحات، تطالعك كأنها مومياوات “محنطات”، تواصت جيلا فجيلا على الجور، والفجور، والغي، والبغي، وتعاقبت على طرق الضلال، وملأت الديار جورا، وعيون وآذانا، تسهر لعروش “الخراب”، الزائلة، يوم الوقت المعلوم.

حكايتي يندى لها جبين من لم يختم على قلبه، أو تنكت فيه نكت سوداء، ظلماء، مدلهمة. قادني زعيمهم “النتن” اقتيادا، بعد أن أشبعوني ركلا، وزجرا، وزعيقا وصياحا. ألبسوني حلة “صهيونية” تمهيدا لمقابلة، ولقاء، وموعد مضروب، في أروقة “الأمم”، التي “اتّحدت”، وتوحّدت، على الغدر والخيانة، لتسجيل شهادة مولدي، في كهولتي لا في مهدي. أنبئت أن ذلك خير لي، فالسيد الجديد، ملك للعالم “بلا تاج”، سيعتني بي، سينسبني له، سيتبناني، وسأعيش معه سعيدا، ومع أبناء عمومتي، مع أبناء “ذبيحهم” المزعوم. ودار بخاطري: هل هو قدري في كهولتي! ألا تعسا لمن لفظني وأنكرني، ولمن تنكر لي في شيخوختي! ألا سحقا وبعدا لمن فرّطوا في “حرم” جدهم الخليل، ومسرى نبيهم “الحبيب”، وقدس طهرهم، و”أقصى” عزهم وكرامتهم، وذكرى “ابن رباحهم”، وفلاحهم، وثرى حبيبتهم، أمهم، التي اغتصبت غدرا، وغيلة، ولؤما، وخديعة، بعد أن حضنت مهد مسيحهم وحرم خليلهم ومسرى حبيبهم، ألا سحقا وتعسا وبعدا!

سار بي في منعطفات الحياة، ورائحته تزكم الأنوف. رأيت أشلاء مبعثرة، في كل منعطف وحارة، تساءلت عن أهلي وأحبابي، لم يجبني، وخزني كي أحث الخطى بسرعة. على قارعة الطرقات، وفي ثنايا المنعطفات، رأيت أشلاء مبعثرة ملقاة، لشباب في زهرة الحياة، كانت أشلاؤهم صرعى، مجندلة، قهرها هادم اللذات، ومفرق الجماعات، بعضهم تجرع كأس المنية “منتحرا”، وما عهد أسلافه تلك المنية البغيضة، فلم تكن مقارعة الحياة وشدائدها بعسيرة على أشداء الأسلاف، فخلف من بعدهم جبناء، لم تقو على “مقارعة الأيام”، أو العيش بعيدا عن رغيده ولذائذه، فصارت حياتهم جحيما، فانتقلوا طوعا، بأيديهم، لجحيم وعذاب البرزخ. بعضهم قفز من عالي المكان، وبعضهم أحكم على عنقه ربطة “الموت” الزؤام. بعضهم غاص في أوحال الرذيلة فلم يعد يعي شرفا أو فضيلة، وصل ليل شبابه بنهاره، ودار لاهثا بسعار ملتهب كالنار وراء المفاسد والآثام، وسار متعقبا خطى “الهوى” ومهلكات الفضيلة. انطلت عليه الحيلة، تاه في هذه الدنيا، تعقب دروب المدنية والحداثة، تنكر لكل أصل أو تراث، أضحى بلا هوية أو عنوان أو بقية من حياء أو حياة. واأسفي على أمة كان فيها “رجُل بأمة”، وأضحت “أمة ليس فيها رجلا”! واحزني على شعب كان حيا وارتطم اليوم بصخرة الذل فتجرع كأس الهوان وعاش “ميتا” أو يكاد، لا يحس ولا يتألم لكرب أو جليل أمر، فما عدت تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا!

تسألوني هل أريقت الدماء من أجلي؟ نعم أريقت دماء، لكنها لم تكن لرجال، بل كانت لفتية، وأولاد، مثلكم، فيهم بقية من دماء أسلافهم الأشداد. انداحت أحبار الأقلام بسخاء، بعضها كانت سوداء، كبعض قلوب من أسالها، وبعضها كان قانيا أحمر، اختلط بدماء من مشقها، وامتزج بدمعات. انطلقت السطور، والخطرات، من عقالها وسالت أحبار المطابع والصحف، بعضها كان ملونا بأصباغ حمراء قانية بلون الدم، وبعضها كان باهتا كوجوه من مشقها. مقالات وأخبار وأبحاث تخلقت في عقول وأفئدة من كتب وأمسك قلما أو به رمق من حياة، أجاب صداها صمت القبور، تردد في وطن يمتد شرقا وغربا. ارتصت كلها في أرفف الأرشيفات، كي تتحصل الدرجات، ويتلقى الأكاديميون أرفع الأوسمة والتشريفات، سدنة الصنم الأكاديمي الجامد، ليس بهم حياة تسقي أرضا ولا تنبت زرعا، هم أصداء الخواء “العربي”، وهم طليعة أمة باتت “كزبد السيل”.

أيها الأطفال! أنتم الأمل، في زمن عز فيه الرجال! أنتم الغد في زمن ضاعت فيه ذرات الأمل بهذه الأمة الموات. تظاهرتم لأجلي اليوم، وستنتصرون لي غدا، تنكر لي أهلي اليوم، ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم غدا. ستحول مؤامرة “تبديل هويتي” بيني وبين من يعرفني، لن أتنكر لأهلي فأنا هويتي عربي فلسطيني، نشأت على تراب فلسطين الطاهر، من صنيعة خليل الرحمن، قمت على ثرى طاهر عانق قدميه المباركتين اللتين وصلتا ثرى مكة بهذه البقعة المباركة والأرض التي درت لبنا وعسلا، وشهدت أيام عز الأمة، قبل أن تدور الدوائر، وتحل أيام سواد مدلهمة. أنا حرم أبيكم خليل الرحمن إبراهيم! وأنا الأقصى الجريح الذي تدور تحته الدوائر وتحفر المكائد بليل “التخاذل” العربي والصمت المطبق، صمت الموت الزؤام. أنا قدس أقداسكم، مهد مسيحكم، تراثكم، هويتكم، ماضيكم وحاضركم، وذاكرة المكان والزمان.

حمّلتني أمكم، الأرض المباركة، وصيتها لكم! لا تنسوها يوما فبذكراها عزكم، بتحريرها يعود لكم مجدكم، فيها مسرى نبيكم وبها عاشت ديانات السماء. إياكم وناعم العيش ورغده، فهُما مصائد الرجال، لم تثن العزائم عن مقاصدها يوما شدائد الأيام ولا أهوال العذاب، إنما فتنتهم زهرة الحياة الدنيا ووثير الفراش!

د. وليد أحمد السيد
sayedw03@yahoo.co.uk

إلى الأعلى