الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / التصورات

التصورات

أتصور
أن الأشياء لن تعود إلى مكانها
أبدا
أتصور أن الأغصان الخضراء انحنت قليلا
حين تكاثر عليها الزهر
وأتصور أن الماء الهادئ
يجري بجنون
كأن عصا الريح تطارده
ليصل بأقصى خطواته
نحو عشب النهر
أتصور
أن الأشياء غيرت مكانها
منذ أن هبت العاصفة
بسجائرها الملونة
ذات مساء…
ووضعت يدها النحيلة
على غابة
من الصبر
أتصور
أن الأشياء لن تعود أبدا
كما كانت
قبل قصيدتين
ومسودة نص مكتوب
بالقلم الأحمر
أتصور أن شجرة المسك
ستصير عنيدة
أكثر وأكثر
وستدفع بجذورها العطرية بعيدا
في قلب الأرض
لتصبح قامتها
أكبر وأكبر
أتصور
أن الرياح التي مرت عصرا
غيرت وجه الحديقة
وكسرت بعض الأغصان
وأسقطت من الشجرة العالية
عشا كان لقبرة حمراء
دون أن تشعر
والآن تجلس العاصفة ببراءة
مع أصدقائها السيئين
الريح والمطر
تشرب قهوتها بالقرفة
تمسك الفنجان باليد اليمنى
والمنجل يلمع بشدة
في كفها الأيسر
وترغب أن تصادق من جديد
الأزهار التي طوحت بها
قبل قليل
على الممر الحجري الأصفر
أتصور صدقا
أن الحديقة
لن
تقبل
أتصور أن العاصفة ستغضب
كطفل نسوه في زحام حفلة ختانه
من دون قطعة حلوى
أو سكر
أتصور أن العاصفة
خرجت غاضبة من كهفها
ونسيت وهي تمارس لعبة اقتلاع
التراب من الأرض
كم سيكون جميلا
في مفترق الضوء
أن نتغير !
أتصور أننا أنهينا الجولة
الأولى
بكثير كثير من الجهد
أتصور
أنك تكابر وأنني أكابر
وأننا متعبين جدا من الشد والجذب
ومن حروبنا الصغيرة
ومن سيربح ومن سيخسر
ومن سيكسب رهان
هذا الطريق الصعب
أتصور
أن كلانا متشبث بمكانه المريح
معلق في حافاته الشاهقة
ملتصق بقوقعته
بكثير من الصمت
أتصور أننا الآن
قد ارتقينا
إلى مقام العناد
دون جهد
في النهاية كان لا بد أن تهدأ الريح العابرة
وتجلس في مكان ما
وبما أنها حطمت كل أماكنها الأليفة
وهي تحث الخطو العالي
نحو قلبها
فقد جلست أخيرا
أمام سور مقبرة
ينام فيها الشهداء
كانت عيناها الواسعتان تطلان على الأموات
من الطابق الثالث
حيث لا ضوء
غير ضوء الجماجم
وحيث العشاق لا يجدون حرجا
في خلط العشق والموت
بنفس المواكب
وكأنه شيء بسيط
وكأنه شيء طبيعي..
وكأن ساعاتهم تمشي عكس العقارب
كانت الريح ساهمة
متعبة من الفلسفة ومناهج النقد الحديث
لذلك لم تتوقف كثيرا أمام هذه المشاهد
وها هو الظلام أخفى بمعطفه الأموات
ولم يجد العشاق قرب سور المقبرة
حرجا في اختطاف
بعض القبلات
أما هي فقد زرعت دموعها وأحزانها وحتى أفراحها
في أرضها
أرض الفراشات السوداء
كانت هادئة جدا
هادئة وأخافها هذا الأمر
ولم يكن المكان سيئا كما اعتقدت
حتى إن الشجرة التي كانت جالسة
فوق جذورها البارزة
من فوق سطح الأرض
أسقطت في حجرها
أوراقها الخضر
وهي..
وكان ذلك أمرا غريبا
أحبت الأضواء المطلة على الجنازات
وخلعت بضحكة طفلة
معطفها الشتوي الثقيل
وارتشفت قهوتها المحلاة
دون زيادات
وللأشياء المعتمة من حولها
ولتواطئ الغريب مع الغريب
هزت شعرها الذهبي
وابتسمت…

ليلى بارع
شاعرة مغربية

إلى الأعلى