الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الصين وأفريقيا

الصين وأفريقيا

أحمد مصطفى

” رغم الأهمية الاقتصادية لافريقيا بالنسبة للصين التي أصبحت الشريك التجاري الأول للقارة السمراء، متجاوزة أوروبا والولايات المتحدة، إلا أن القارة تمثل أهمية جيواستراتيجية حتى مع تكرار بكين نفي أي مصالح من هذا النوع. ومن غير المستبعد أن البلد الذي يشق طريقه منافسا للولايات المتحدة على مركز الاقتصاد الأكبر في العالم يسعى، وإن على استحياء، ليملك أدوات نفوذ وقوة دولية…”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تشهد العاصمة الصينية بكين هذا الأسبوع القمة الثالثة لمنتدى تعاون الصين وأفريقيا بمشاركة أكثر من خمسين دولة أفريقية تتطلع لمزيد من التعاون مع الصين خاصة في الاستثمار وتوفير فرص العمل في تلك الدول. ورغم أن منتدى التعاون بين الصين وافريقيا أطلق مع مطلع القرن (أي قبل 18 عاما) إلا أن قمة مماثلة عقدت للمرة الأولى في 2006 في بكين وعقدت القمة الثانية في جوهانسبرغ بجنوب افريقيا عام 2015. في القمة الأخيرة تعهدت الصين بزيادة استثماراتها في دول افريقيا ووعدت بحزمة استثمارات ومنح وقروض بنحو 60 مليار دولار. لكن الواقع أن حجم التجارة بين الصين ودول افريقيا ينمو باطراد (وصل إلى 170 مليار دولار العام الماضي فيما يتراجع حجم الاستثمارات الصينية المباشرة في الدول الافريقية (لا تزيد عن 3 مليارات دولار الا قليلا العام الماضي). ولعل ذلك سيكون مطلب الدول الافريقية التي يشارك زعماؤها بالعشرات في قمة بكين: استثمروا عندنا، نريد مشروعات توفر فرص عمل وتحسن ظروف المعيشة لشعوبنا.
يأخذ الرئيس الصيني شي جسن بينغ تلك المطالب بعين الجدية، خاصة وهو يسعى لتعزيز العلاقات مع القارة الافريقية التي تعد موردا هاما للمواد الخام والطاقة للصين كمحرك لدينامو اقتصادها الصناعي إضافة إلى أنها سوق واسعة واعدة للمنتجات الصينية. لكن الأهم بالنسبة للرئيس الصيني هو ذلك المشروع الذي ارتبط باسمه “حزام وطريق الحرير”، وهو بالنسبة له ليس فقط ممرات تجارية بقدر ما هو حملة بنية تحتية في الدول التي تفتقر لها توفر فرص عمل للشركات الصينية في ذلك القطاع وتعد “قوة ناعمة” للصين في تلك المناطق. ومنذ طرح المشروع عام 2013 ارتبط بالرئيس الجديد الذي يريد نجاحه على نطاق واسع ليكون علامته في حكم الصين. وربما ما يدل على أهمية أفريقيا للصين أنها كانت مكان أول قاعدة عسكرية صينية خارج البلاد (في جيبوتي) حتى لو كان المبرر أنها جزء من حماية ممرات التجارة في القرن الإفريقي. وربما تجد الصين أيضا في دول افريقيا ـ خاصة الواعدة اقتصاديا منها ـ فرصة للاستثمار و”تشغيل رؤوس أموال” صينية في وقت لا ينمو فيه الاقتصاد العالمي بالقدر الكافي بينما تراكم الصين فائضا تجاريا هائلا مع العالم.
أما الدول الافريقية، فهي بلا شك تفضل الصين على غيرها ـ خاصة من دول الاقتصادات الكبرى في أوروبا وأميركا الشمالية أو حتى اليابان واستراليا ـ لأسباب عدة، من أهمها أن الصين لا تتدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول. وحتى في الدول التي تتغير فيها أنظمة الحكم بشكل مفاجئ وغير ديموقراطي، يحافظ الصينيون على علاقاتهم التجارية والاقتصادية متكيفين مع أيا كان في الحكم. كذلك لا تربط الصين علاقاتها بتلك الدول بأي شروط سياسية، ولا تتبجح حول الديموقراطية أو حقوق الإنسان أو غير ذلك مما يتبناه الغرب من باب أنه “صاحب يد عليا أخلاقيا”. ثم إن أغلب دول أوروبا الرئيسية كانت تستعمر دولا افريقية وما زالت تتعامل معها باعتبارات “مستعمرات سابقة”، وبينما للولايات المتحدة مثلا مصالح استراتيجية (جيوسياسية) في إفريقيا تقول الصين دوما إنها ليست لها مصالح كهذه في افريقيا. وفي النهاية، تبقى الصين تقنيا “دولة نامية” حتى وإن كانت ثاني أكبر اقتصاد في العالم لكنها يمكن اعتبارها مجازا أقرب للدول النامية الأخرى ومنها الدول الافريقية.
رغم الأهمية الاقتصادية لافريقيا بالنسبة للصين التي أصبحت الشريك التجاري الأول للقارة السمراء، متجاوزة أوروبا والولايات المتحدة، إلا أن القارة تمثل أهمية جيواستراتيجية حتى مع تكرار بكين نفي أي مصالح من هذا النوع. ومن غير المستبعد أن البلد الذي يشق طريقه منافسا للولايات المتحدة على مركز الاقتصاد الأكبر في العالم يسعى، وإن على استحياء، ليملك أدوات نفوذ وقوة دولية تمكنه من المناورة حتى في الخلافات الاقتصادية والتجارية كما هو حادث الآن بين بكين وواشنطن بشأن الرسوم الجمركية على الصادرات والواردات. لهذا، تنوعج الإدارة الأميركية من تزايد نفوذ الصين في افريقيا، وربما ذلك ما دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب لطرح الدخول في مشروعات بنية أساسية في دول مثل استراليا واليابان (وإن كان من الصعب أن يجد التمويل اللازم لذلك). لكن من شبه المؤكد أن الصين كسبت افريقيا ـ حتى الآن على الأقل ـ وحتى من يحاول الاستفادة من الفرص الواعدة في القارة الأقل نموا (وبالتالي الأفضل للاستثمار في المستقبل) سيكون عليه محاولة اللحاق بالصين التي ترسخ أقدامها هناك مستفيدة من العوامل التي سبق ذكرها.
وبوجود عدد من الدول العربية، في شمال افريقيا، ضمن دائرة التعاون الافريقي الصيني، ربما تكون فرصة دول عربية أخرى في الدخول إلى افريقيا بالتنسيق مع الصين أفضل من التنافس الذي يبدو أن الصين حسمته بالفعل. وتظل فرص دول عربية تستهدف مصالح تجارية واستثمارية في القارة السمراء أفضل بكثير من فرص أوروبا والغرب عموما، وخاصة أن علاقة المنطقة بالصين جيدة وفي تحسن. وإذغ صحت احدى نظريات بداية تطور الإنسان، بأنه ظهر أولا في افريقيا ثم اتجه شرقا قبل أن يذهب شمالا وغربا، فها هو الشرق متمثلا في العملاق الصيني الجيد يعود لمنشأ البشرية الأول ولربما يتبعه سكان بقية مناطق المعمورة في غضون عقود.

إلى الأعلى