الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الكلب “ليو” في مارينا

الكلب “ليو” في مارينا

محمد عبد الصادق

” .. خلال العامين الأخيرين التي غبت خلالهما عن مصر عرفت أن ظاهرة اقتناء الكلاب انتشرت بين المصريين بشكل لافت, وغير كثير من المصريين موقفهم من هواية اقتناء الكلاب, حتى أن مضيفي كان لا يطيق في السابق تواجد كلب بالقرب منه لأسباب تاريخية ومخافة “نقض الوضوء”, ولكن حدث تحول دراماتيكي في اهتماماته أدى لتحسن علاقته مع الكلاب, وجعله يقتني أكثر من كلب,”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أسباب عائلية أتاحت لي فرصة قضاء إجازة في منتجع “مارينا” على الساحل الشمالي الغربي لمصر والذي اكتسب شهرة كبيرة في السنوات القليلة الماضية باعتباره مصيف الصفوة والمشاهير والذي يتميز بانتشار الحدائق والمساحات الخضراء والطراز المعماري والارتفاعات التي لا تتعدى طابقين؛ حيث لا تزيد مساحة البناء عن 40 % والباقي حدائق ومسطحات مائية وربما هذا ما يميز “مارينا على غيرها من منتجعات الساحل الشمالي.
وتتكون “مارينا” من 7 قرى سياحية متجاورة تطل جميعها على الواجهة البحرية لساحل البحر المتوسط ويتخللها بحيرات صناعية تستمد مياهها عن طريق أنابيب عملاقة تنقل مياه البحر المتوسط عبر مضخات ضخمة إلى البحيرات بعد تنظيفها وتخليصها من الشوائب.
تعدد الجسور والجزر الصناعية جعلت كثيرا من الفيلل والقصور في مارينا تطل مباشرة على البحيرات أو شاطئ البحر, وتجد اليخوت واللنشات الفاخرة رابضة أمام مداخل الشاليهات تنتظر أصحابها للقيام بجولة بحرية داخل بحيرات مارينا الساحرة أو الوصول لمياه المتوسط بسهولة ويسر, وبسبب تنامي أعداد مالكي اليخوت, تم إنشاء عدة مرافئ بحرية عامة لخدمة وإيواء هذه اللنشات وتزويدها بالوقود وتوفير خدمات الحراسة والصيانة والنقل والملاحة, التي يحتاجها الملاك والمستأجرون, مقابل رسوم تدفع على مدار العام.
ويعود الفضل في إنشاء “مارينا” للمهندس حسب الله الكفراوي الذي تولى وزارة الإسكان والتعمير في عهد الرئيسين الأسبقين السادات ومبارك منذ سبعينيات القرن الماضي, واكتشف جمال الساحل الشمالي وقرر تعميره وبدأ بإنشاء منتجع “مراقيا” غرب الإسكندرية وطرح وحداته على أعضاء النقابات المهنية “الأطباء والمهندسين والتجاريين والصحفيين ” عندما كانت هذه الفئات هي الأكثر دخلا في مصر قبل أن ينقلب الحال ويتراجع دخل هذه الفئات ويحل محلها طبقة رجال الأعمال.
ومع دخول مصر عصر الانفتاح الاقتصادي وسفر كثير من المصريين للعمل في الخارج في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي, زادت القدرة الشرائية وتطلع كثير من المصريين لحياة الرفاهية وتعرفوا على ثقافة قضاء العطلات, وسعوا لتملك وحدات سكنية في هذه المنتجعات , التي كانت تبنيها الحكومة ممثلة في جهاز التعمير عن طريق بنك الإسكان , وحققت من ورائها مكاسب جيدة, وإن شاب عمليات البيع حالات فساد بتخصيص كثير من الفيلات والقصور الفاخرة لأصحاب المناصب والنفوذ المحسوبين على نظام مبارك.
وسبب تميز مارينا العلمين على غيرها من قرى الساحل الشمالي هو تولي مجلس أمناء قوي إدارة شؤون المنتجع منذ إنشائه وكان يضم رموز نظام مبارك ,فأمنوا له أفضل الخدمات, حيث تحيط بمارينا أسوار شاهقة عليها بوابات لا تسمح بدخول الغرباء ويدخلها الملاك والمستأجرون عن طريق بطاقات تعريف يتم تجديدها سنويا بعد سداد رسوم “اتحاد الملاك” التي تصاعدت حتى وصلت الآن لآلاف الجنيهات, لتأمين خدمات الحراسة والنظافة والتشجير على أعلى مستوى, ليحافظ المنتجع على تميزه وخصوصيته.
في السنوات الأخيرة قررت الحكومة التخلي عن إنشاء وبيع المنتجعات, والاكتفاء بتخصيص الأراضي للمطورين العقاريين من القطاع الخاص ليتولوا مهمة البناء والتداول مما أدى لارتفاع أسعار الوحدات في هذه المنتجعات, حتى وصلت لعشرات الملايين, بعد تزايد الإقبال من المصريين والعرب على اقتناء “شاليه” في الساحل الشمالي.
الظاهرة اللافتة هذا العام في مارينا هي تزايد اقتناء الكلاب المدللة, فلا يخلو “شاليه” من وجود كلب أو أكثر, ويتفنن أصحاب الكلاب في تزيينها وتدليلها وتوفير الطعوم والأمصال والأطعمة المخصصة لها وهناك متاجر عديدة تعرض “إكسسوارات” الكلاب من أطواق وسروج و”شامبوهات” مخصصة للكلاب وأدوات لقص شعر الكلاب وتقليم الأظافر والعناية الشخصية.
وخلال العامين الأخيرين التي غبت خلالهما عن مصر عرفت أن ظاهرة اقتناء الكلاب انتشرت بين المصريين بشكل لافت, وغير كثير من المصريين موقفهم من هواية اقتناء الكلاب, حتى أن مضيفي كان لا يطيق في السابق تواجد كلب بالقرب منه لأسباب تاريخية ومخافة “نقض الوضوء”, ولكن حدث تحول دراماتيكي في اهتماماته أدى لتحسن علاقته مع الكلاب, وجعله يقتني أكثر من كلب, ولكنه اصطحب معه إلى المصيف كلبه المفضل المدلل “ليو” وهو من النوع الأبيض الكنيش, والذي قضى قرابة عامين هي مجمل عمره مع الأسرة مما جعله يحظى بحب واهتمام الجميع, وينال قدرا كبيرا من التدليل.
حتى كان يوم مرض فيه “ليو” وامتنع عن الأكل وأصيب بالإسهال, الذي”هد حيله” وأصابه بالوهن والهزال وتوقف عن النباح ولم يستجب للإسعافات الأولية, فسارعنا بالبحث عن طبيب ينقذه من الجفاف, وعن طريق الإنترنت استطعنا الوصول لمكان أقرب عيادة لعلاج الكلاب, وحملنا “ليو” على الفور قبل أن تتفاقم حالته, وكان علينا الانتظار في العيادة لوجود حالة طارئة بين يدي الطبيب.
وإذا بكلب يخرج من حجرة الكشف وجبيرة بيضاء تحيط ساقه اليمنى وضمادات حمراء تغطي جانبا من بطنه, تسحبه صاحبته وهي تبكي ألما لما حاق بكلبها, وعندما سألناها … خير؟! .. ردت في أسى, أحد الكلاب الشرسة نزل يتنزه دون صاحبه وبمجرد أن وقعت عينه على كلبها المدلل حتى هجم عليه وأشبعه ضربا وعضا, حتى سالت الدماء من جسده وكسرت قدمه, وتوعدت أصحاب الكلب بالويل والثبور وعظائم الأمور, وأكدت أن قوات الشرطة تحاصر القرية السياحية, ورجال المباحث على وشك القبض على الكلب المجرم وصاحبه.
دخلنا بالكلب “ليو” على الطبيب فوجدناه يرتدي “شورت” وفوقه البالطو الأبيض وفي أذنه السماعة, وقبل أن يفحص الكلب سألنا عن حالته وآخر طعام تناوله, وشدد علينا بإطعامه “الدراي فود” المخصص للكلاب, ولما أخبرناه برفضه تناوله نصحنا بشراء منكهات معلبة تضاف للأكل تفتح شهية الكلب, وكتب للكلب أدوية بشرية, وأرسل معنا ملفا عليه اسم الكلب لتوصيله للموظفة ودفع “الفيزيته” والتي بلغت مائتي جنيه.

إلى الأعلى