الأحد 18 نوفمبر 2018 م - ١٠ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / رحاب : من يفهم الأطفال؟

رحاب : من يفهم الأطفال؟

أحمد المعشني

أرجع بذاكرتي إلى الخلف مستعرضا بانوراما الماضي وتجربتي في التعليم كطالب ثم كمعلم ومدير مدرسة ثم أستاذ جامعي، يمر أمام عيني قطار الماضي يحمل تجارب من الماضي جديرة بالتدبر والدراسة من قبل جميع القائمين على التعليم في الحلقة الأولى، أجدني في حاجة إلى عرضها لعلها تفيد الآباء والمعلمين. استقبلت مع ادارة المدرسة التي أشرف عليها وأتعلم كل يوم من أطفالها وأولياء أمورهم ومعلميهم. كل يوم تواجهني تحديات كبيرة تضعني وما أحمل من شهادات وألقاب علمية ومهنية محل اختبار جديد وتمحيص دقيق؛ وفي أحيان كثيرة ترتبك ألقابي و معلوماتي أمام موقف يصرخ فيه طفل بشدة، ويرفض أن ينصاع لرغبة المعلمين والأمهات والآباء الذين يدفعونه باللطافة حينا والتهديد في أحيان أخرى لحمله على دخول الصف، فيغلب الجميع وينتصر بكاؤه على عقول المحيطين به. يرى الأطفال ما لا نرى، ويلاحظون ما لا نلاحظ، إنهم يشاهدون بعين الروح ما لا نراه نحن.يمتلك كل طفل حسا مرهفا ومجسات عاطفية دقيقة يقرأ بها الوجوه وينفذ إلى ما وراء الكلمات. شاهدت طفلا تحدجه معلمته بنظرة تكرهه إلى الدخول إلى فصله الدراسي بالقوة، كان الفصل بمثابة الحظيرة الذي صار يشبه الحظيرة، بينما كان بقية الأطفال الذين سبقوه إلى قاعة الصف ينظرون إليه مشدوهين بين خائف ومستغرب، كانت المعلمة طيبة ومخلصة وتريد أن تساعده بلا شك، لكن لغة اتصالها معه لم تكن موفقة، لم تستطع أن تقنع الطفل بأنها تحبه، كانت تبتسم وهي تصك على أسنانها وتتصلب عضلات وجهها، فتختفي ابتسامتها ويظهر وجهها العابس، فيقرأه الطفل المسكين فيصرخ، بينما نستخدم نحن لغة التهدئة وتطبطب عليه أمه ولم تفلح تلك الجهود المتسارعة في كفه عن الصراخ والعويل والبكاء. كان لا بد من التدخل لنشر طاقة الحب والأمان معه، نظرت إلى المعلمة التي تحاول أن تبعث رسائل طمأنينة إلى الطفل المسكين لكنه كان يقرأها معكوسة ويتابع صراخه بحدة وعناد. بادرت إحدى المعلمات بدعوة الأطفال إلى الخروج للعب في ساحة االمدرسة، كان لا يزال يصرخ ويبكي بحدة، بينما خرج رفاقه إلى ركن الألعاب، توقفت المعلمة عن إجباره في دخول الصف، خرج الأطفال في أقل من دقيقة نحو ساحة الألعاب، ترافقهم معلماتهم، أحدث ذلك التغيير نقلة كبيرة في عقله، توقف عن البكاء وهو يشاهد أقرانه يخرجون في مرح وفرحة وحماس متجهين إلى الألعاب. نسي الأطفال كل ما حدث منذ دقائق وجعلوا يلعبون ويرتعون في جو من الأمان والألفة، كنت ألاحظ مراحل ردة فعله التي بدأت بالاستنكار، ثم التوقف عن البكاء، بعد ذلك بدأ يقترب من الألعاب، ثم فوجيء بأطفال آخرين يعبرون عن مرحهم ولعبهم. مرت دقائق وصار ذلك الطفل متحولا بنسبة كبيرة جدا من كائن يصرخ ويولول ويبكي إلى طفل يلاعب أترابه في مرح و حماس. وقفت معلمته الشابة تراقبه وهو ينخرط في جو المرح واللعب متفاعلا مع بقية الأطفال. أظنها بدأت تستوعب أبجديات التعامل مع الأطفال، وأن على كل مرب أن يفكر بما يريد منه الأطفال قبل أن يفكر بما يريده هو منهم.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى