الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / نقاد وكتّاب أردنيون يعاينون التجربة الإبداعية لمحمد بن سيف الرحبي
نقاد وكتّاب أردنيون يعاينون التجربة الإبداعية لمحمد بن سيف الرحبي

نقاد وكتّاب أردنيون يعاينون التجربة الإبداعية لمحمد بن سيف الرحبي

عمّان ـ العمانية: أكد نقّاد وأدباء وأكاديميون أردنيون، خصوصية التجربة السردية للكاتب العماني محمد بن سيف الرحبي، مستعرضين في ندوة أقيمت في العاصمة الأردنية (عمّان)، أوجُه هذه الخصوصية ومظاهرها عبر أوراق ومداخلات عاينت المحطات الرئيسية في تجربة الرحبي والتحولات الأسلوبية والفنية التي شهدتها.
وشارك في الندوة التي نظّمتها “الآن ناشرون وموزعون” بالتعاون مع لجنة القصة والرواية في رابطة الكتاب الأردنيين كل من: القاص والمترجم الدكتور باسم الزعبي، والناقد والشاعر الدكتور خلدون امنيعم، والكاتبة هيا صالح، والكاتبة حليمة الدرباشي، والقاص جعفر العقيلي.
ووقف الزعبي لغة السرد الروائي لدى الرحبي، موضحاً أنها تتميّز بنفَس شعري عال، إذ استطاع الكاتب توظيف خبراته بكتابة النصوص الشعرية لإضافة لمسة جمالية على أسلوبه السردي، لا تتوافر لكثيرين من كتّاب الرواية العرب.
كما جاءت الحوارات في رواياته مكثفة اللغة، غير مباشرة، معبّرة وموحية، مشبعة بالصور، تدفع القارئ لتأويل الكلام، لقراءة مدولالته التي تتوارى خلف الكلمات والتعابير.
وقالت الكاتبة هيا صالح في ورقتها: إن الرحبي يوظّف في ما يقدّمه من سرد روائي تجاربه في العمل الصحفي والإعلامي وثقافته الطليعية واختباراته الحياتية وتأملاته وأفكاره، مؤكداً دائماً أن الحياة الجديرة بأن تعاش جديرةٌ أيضاً بأن تُكتب.
وأوضحت أن الرحبي في روايته “الخشت” يعتمد على لعبة شعبية معروفة، حيث يدور السرد حول أربع قصص تبدو أحياناً منفصلة وكأن لكلّ منها عالمه القائم بذاته، وفي أحيان أخرى تبدو متصلة بعضها ببعض ضمن نسيج فني وحبكة بنائية متداخلة يصعب فصل عناصرها، نظراً للعلاقة التي تجمع أبطال الرواية.
وأضافت: إن “الخشت” قامت على الرمز؛ واستطاعت أن تحمل المتلقي على متابعة اللعبة من جهة، وفي الوقت نفسه متابعة مصائر الشخصيات التي تحولت إلى ما يشبه حجارة النرد على طاولة الشطرنج، حيث تحرّكها الحياة في كل اتجاه وتعصف بها المتغيرات، وحين تحاول التعبير عن نفسها وعن رغباتها تصل بها خطواتها إلى الهاوية.
وعن “رحلة أبو زيد العُماني” التي فازت بجائزة الشارقة للإبداع العربي، قالت صالح إن بطل الرواية يتمظهر كظل أو حلم، فليس له اسم صريح، بل يُستدَلّ عليه من خلال لقب على اعتبار ما سيكون، لتحل الكناية هنا محل الاسم الصريح ويصبح عالم الحلم والأمل بالمستقبل هو بديل الحقيقة والواقع.
وأضافت صالح بأن المطلع على شذرات من كتابات الرحبي في السرد سيجد كاتباً يضع مفهوم التجريب نصب عينيه على الدوام، ويطوع مواد من التاريخ ليحولها إلى سرد تجريبي فني مشوق، كما في روايته “السيد مرّ من هنا” والتي يتناول فيها حقبة تاريخية مهمة من تاريخ وطنه عُمان، عاشت فيها شخصية بارزة هي شخصية سعيد بن سلطان، الذي كان من أبرز السلاطين العمانيين الذين أسسوا مملكة امتدت من مسقط وحتى سواحل الشرق الإفريقي، وكانت لها عاصمتان (مسقط وزنجبار) .. فهذه الشخصية التاريخية التي يرد ذكرها جافاً في التاريخ تتحول عند الرحبي إلى شخصية نابضة بالحياة، ويتم تقديمها وفق تقنيات تجريبية تتجلى من خلال اعتماد الراوي على الذاكرة الحينية كنوع من أنواع تحديث الكتابة وتجديدها وبعث الروح فيها، بمعنى أن عناصر الرواية من زمان ومكان وشخصيات وأحداث تنطلق من ذاكرة الراوي الذي يصبغ الأحداث التاريخية برؤيته الذاتية، فتتحرك لعبة السرد هنا عبر تقنية الاسترجاع، إلى جانب استخدام الرمز والصور الحسية لمقاربة المعنى وغيرها من التقنيات التي جعلت من هذه الرواية (الحكاية التاريخية) عملاً أدبياً مميزاً.
أما الناقد الدكتور خلدون امنيعم فرأى أن روايات الرحبي تحفر في خفايا اللامفكَّر فيه والمسكوت عنه في الخطاب السياسي العربي المعاصر، من خلال الاشتغال على تقنيات فنية أبرزها المفارقة، لقدرتها على فتح آفاق الخطاب السردي على مصراعيه بغية إجراء الحفر وصولاً للكشف.
وأضاف: إن أخطر مقولات هذه الروايات انبنى على فرضية الصراع الجدلي في شقّيه: الصراع” الطباقي” والصراع “الوفاقي”.
أما القاص جعفر العقيلي الذي قدّم قراءة في مجمل تجربة الكاتب، فقد ركز على رواية “اسمها هند”، التي رأى فيها مختلفة عما أصدره الرحبي في الرواية، حيث يقارب فيها بين عالم الواقع وعالم الافتراض، وكأنه يريد القول إننا بتنا نعيش، على الصعيد الإنساني، في عالمٍ هو نتاج عالمين مختلطين؛ كليهما واقعٌ وكليهما افتراض في الآن نفسه.
وألقى العقيلي الضوء على النظرة الفلسفية التي ينطوي عليها إهداء رواية “اسمها هند” الذي جاء فيه: إلى العام الخمسين من عمري، جئتني بعد نصف قرن، كم بدوت لي قبلئذٍ .. بعيداً جداً .. جداً.. كأنك المستحيل.
وقال: إن الرحبي يوضح أن الرواية تبدأ بمقاربة العمر، وأسئلته، وحضوره، والبحث عن هوية خلف كل هذه الهويات التي تربكنا، والمهاوي التي تتعقبنا وتحاصرنا.
وأضاف: إن الإهداء توضيح للشخصية الفاعلة في الرواية، شخصية الكاتب/ السارد، حيث حالة الإيهام حول الكاتب، هل هو ذاته بطل الرواية، أم إنها مجرد حالة تشابه أو تماهٍ بشكلٍ ما يذيب الفواصل بين الواقعي والافتراضي؟
من جهته، تحدّث الكاتب الرحبي عمّا يسمى “رسالة العمل الروائي”، مؤكداً أنه ليس من وظيفة الأدب نقل الرسائل، بل مهمتها كشف الواقع الذي ربما يصدمنا، موضحاً أن هذه الأمور “نسبية”.
وأوضح أنه لم يسعَ إلى أن يكون كاتباً شمولياً، فالكتابة بالنسبة إليه “حياة شمولية” يستمتع فيها بالكتابة. والفكرة بحسب ما يرى، “تختار مسارها”، حيث عوّد نفسه على فتح كل المسارات أمام الاشتغالات الكتابية بحثاً عن التجريب على مستوَيي الفكرة والشكل.
وختم الرحبي بقوله:”إنني أبحث دائماً عن شيء جديد تمنحني إياه هذه الحياة/ الكتابة .. فهل هو بحث عن الذات من خلال الكتابة وأشكالها، أم بحث الحياة عن نفسها في داخلي كوني كاتباً يريد أن يجرّب أشكالاً من الحياة؟!”.
واختُتمت الندوة التي حضرها جمهور كبير، بتكريم الرحبي من قِبل رئيس رابطة الكتاب الأردنيين محمود الضمور، والروائية سميحة خريس التي اختيرت الشخصية الثقافية لمعرض عمان الدولي للكتاب في دورته المقبلة.

إلى الأعلى