الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / معَ فينوغرادوف .. في مَقصورةِ قِطار

معَ فينوغرادوف .. في مَقصورةِ قِطار

علي عقلة عرسان

” فينوغرادوف أنموذج لمحاربين حققوا نصراً في الحرب العالمية الثانية، وذاقوا لذة أن تكون ابناً لدولة عظمى، من دون أن تشعر بالراحة أو السعادة لأنك مسحوق ومحتقر ومقهور وتخاف أن ترفع صوتك طالباً العدالة والرحمة.. وفجأة تنهار أمامك سلطتك المُرعبة، وتنزلق من تحت قدميك الجبال الصلبة، منسحبة إلى أعماق الماء، وتجد نفسك بين الغرق والتجمد،”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في إقليم “ستافروبل” بدأ القطار يخطر بنا ويعرُج عند كل مقطع حديدي في سكته التي تمتد مئات الكيلومترات، ومع مرور الوقت اعتدت على عَرَجه ونعاسه في بعض المحطات. وبعد مجاوزته للسهوب الممتدة شمال جبال القفقاس، بدأت تظهر من أن لآخر مستنقعات مليئة بحقول القصب الذي يحني رؤوسه في وَلَـه نحو الماء، فهو العاشق أبداً ولا يمكن أن يرتوي.. مثلُه مثل الإنسان ذلك القصب، مجوف، وثقيل الرأس، ويغريه أنه مترفع فوق الطين والماء، ولكنه عندما يخرج من جوفهما ييبس ويموت، وربما لهذا يعيش العشق، فالعشق عنده حياة.
كان طريق القطار محفوفاً بالأشجار، بعض المقاطع تكشف لي السهول الممتدة، وفي المحطات يكثر القرويون الذي يعرضون بضائعهم : فواكه “أجاص وتفاح ودراق وعنب” وبطيخ “كَربوس” أخضر وأصفر وبعض الخضار “بندورة”..إلخ. وفي محطة القفقاس نزلت إلى الرصيف، وأغراني أن أجد بعض الجوز الطري مع فلاحة فاشتريت شيئاً منه، فأنا أحبه أخضراً أكثر مما أحبه يابساً.. وعدت لأحتسي الشاي في مقصورة العربة التي كانت تجمعنا نحن الثلاثة: بافيكين مرافقي الشاعر أندريه من بيلاروسيا. بعد قليل جاء شخص رابع ليجلس معنا، إنه يجمع ثلاث جنسيات: فرنسية وإسبانية وروسية، ولم لا؟! والده إسباني وهو يقيم في فرنسا ويترجم من الروسية إلى الفرنسية، وبذلك استحق أن يكون من دول ثلاث.. كان ذلك الرجل طيباً، أحضر ما زَوَّده به “المِصح”، الفندق الذي كان فيه، مصح اللجنة المركزية للحزب، من الجبن والبيض والبندورة وشرائح اللحم والخبز، وقال ألا تأكلون؟! شاركناه الطعام إلا أندريه سكارينكن الذي كان قد قال لي: ” لن أتناول سوى التفاح.. الدَّسَم لا يوافقني”، واستحسنت فكرته لكن لم أسوِّغها كثيراً، إذ عندما اشترينا التفاح لاحقاً أبى أن يأكل، قال: “اتفقت مع الرَّب ألا آكل”.. وبدا لي هذا من الأمور المُستغربة نسبياً، ولكنني أتفهم حالة هذا الشاعر الذي يريد أن يغرق في المُعاناة على مرأى من الجميع، وكأنه يدينهم بجوعه وصحته، ويقوي بذلك تجربة، ويستنبت موضوعاً، ويشحذ همَّته على أحجارهم البليدة.
بعد الطعام الخفيف شربنا الشاي والقهوة العربية، وجاء أحد الروس من أعضاء الوفد، شاب أشقر وسيم بشاربين أشقرين خفيفين وعينين صافيتين، شهب بشاربين أشقرين يخالطهما بياض، وعينين زرقاوين صغيرتين حادتين وجريئتين، قصير القامة نسبياً، ولا يشعر بأي نوع من أنواع الحرج عندما يريد شيئاً أو يقتحم موضوعاً، وشرب معنا القهوة.. وفي غَمرة ذلك دَلَف إلى المَقصورة رجل استرعى انتباهي أكثر من مرة، في أثناء احتفالاتنا بالشاعر ليرمنتوف، إنه من مساعدي أناتولي بربرا منظم الاحتفال بالشاعر ليرمنتوف الذي كنا نشارك فيه.. تحس فيه اندفاعاً واثقاً، وتقرأ على وجهه المُجعد كورق ” الكَدْش” الخشن جداً، تجربة طويلة مشوبة بلا أدريِّة عجيبة.. إنه نوع من الأشخاص لا يهتم لشيء، وإخاله يضع وراء ظهره كل شيء.. كان يطلب من معظم النساء أن يراقصنه في حفلات العشاء التي أقيمت للوفود، ويطلب من المَرأة الواحدة أكثر من رقصة في سهرة واحدة، لاسيما إذا كانت جميلة.. وبدا لي أنه لا يتردد لو يتمكن من أن يتزوج من كل النساء اللواتي يراهن..
قميصه الأحمر، وسراويله الكاوبوي الزرقاء، لا تتناسب مع عمر يناهز الستين.. وبمجرد أن جلس مدَّ يده إلى زجاجة فودكا كانت أمام بافيكين وقال: فلاديمير، فلاديمير فينوغرادوف.. يحب الخمر والنساء، ملأ كأساً وبدأ يشرب..
فجأة قفزت إلى ذهني وذاكرتي صورة قريب لي فيه، شبه كبير من ذلك الرجل، ما عدا تفاصيل الشعر وملامح الوجه.. لقد تزوج أربع زوجات وتعلق بفيليبينية كانت آخر من أحب حتى ذلك الوقت.. لكنها، كما يقول، أفضل من كل زوجاته.. كنت أسميه”قضاء وقدراً”، فقد أدى الخدمة الإلزامية وقضى فيها ضعف المدة المطلوبة أو يزيد على ذلك، لأنه لم يكن نظامياً ولا منضبطاً، وكان كثير الهرب لأسباب متعددة. في يوم من الأيام زارني وهو مجند فسألته: “هل أنت في إجازة.؟! ” قال بامتعاض خفيف، وسخرية ترافق الاحتجاج وتبدو قناعاً له غير خفي: “لا.. إنهم لا يعطونني إجازات.”.. قلت: كيف تدبرت أمرك إذن؟!
أجاب بعدم اكتراث: هربت، سأقضي عدة أيام ثم أعود.. فسألته مُشفقاً عليه: وماذا ستقول لهم عندما تعود، ليس معك إجازة؟!. قال بابتسامته الجادة المغلَّفة بسخرية لا إرادية أو استهتار: “سأقول لهم: هربت هكذا.. قضاءً وقدراً!”، وأخذتني ضحكة بريئة وأنا أقول: تهرب قضاءً وقدراً؟! وهل في الهرب المقصود قضاء وقدر؟!.. ويستغرق هو في ضحكة تمسح كل شيء عن وجهه، وهو يشير بيديه الاثنتين معاً: “ماذا أفعل.. لا يعطونني إجازات، وأريد إجازة.”.
لملمت ابتسامتي وذكرياتي، وأنا أعود إلى وجه الرجل الذي دخل المقصورة، وفي جيب سراويله يعلق حافظة نظارة حمراء اللون، لم أره يستعملها أبداً.. ذاك الذي جلس إلى جانبنا وبدأ الكلام قال: “كنت في الجيش في الاستطلاع، في أثناء الحرب العالمية الثانية، كنت شاباً في السابعة عشرة من عمري، وكان الضباط وبقية العسكر يسخرون مني عندما لا أتناول الفودكا، لم أكن أشرب، وقد تعودت فيما بعد على تناول الشراب. كنا في الاستطلاع نتمتع بميزات خاصة منها: /100/غرام يومياً من الفودكا، لم يكن حظنا مثل حظ المُشاة مثلاً”.
كان بافيكين يتناول قليلاً مع الفودكا، “خمسون غراما ” للصحة، كما قال، تقتل الجراثيم.. وعندما تجاوزها قلت لـه “بدأنا في التجاوز على الصحة”.. وضحكنا، ترجم ذلك للضيف فانتعش قليلاً، وقال سوف أروي لكم نكتة عن الروسي.. “عندما فتح الروس برلين، دخل جندي مسود الوجه أغبر الهيئة على صيدلي في برلين وقال لـه: املأ كأساً من الكحول “السبيرتو” املأه تماماً وأعطني إياه، كان الجندي يشهر سلاحه وأخذت الصيدلي الرعشة فملأ لـه الكأس تماماً من أقرب زجاجة إليه، وتناول الجندي الكأس وسكبه في جوفه دفعة واحدة، ثم مَجَّ نَفَساً طويلاً مرافقاً بصوت تدفق الهواء من جوفه، وخرج إلى الشارع. نظر الصيدلي إلى الزجاجة وارتعد، وأخذ ينظر إلى الباب ويتوقع أن يعود الجندي ليطلق عليه النار. بعد دقائق عاد الجندي يرافقه جندي آخر، وهما يشهران سلاحيهما في وضعية التصويب، وأيقن الصيدلي أنه مقتول، قال لـه الجنديان: أعطنا كأسين كاملين من “السبيرتو”، الكحول. فسكب الصيدلي من زجاجة الكحول “السبيرتو” التي أمامه كأسين وأعطاهما للجنديين، فشرباهما، ثم قال الجندي الأول: لمَ لم تعطنا من السبيرتو الأول، هذا النوع أشرب منه منذ سنوات الأول أفضل.
قال الصيدلي عفواً لقد أخطأت في المرة الماضية، فلقد أعطيتك حمض الكبريت، أما هذه المرة فأعطيتك السبيرتو.. وبقي يرتجف خوفاً وينتظر ما سيحل به. قال الجندي بهدوء.. آه.. صحيح.. لقد فهمت فعندما تبولت أذاب البول مقدمة حذائي.”..
وضحكنا جميعاً من هذا الذي لا يؤثر في معدته حتى حمض الكبريت، ويدمن شرب “السبيرتو”.. سألته مدققاً: هل هذه نكتة أم حقيقة، قال نكتة. ثم تابع: في الحرب العالمية استولينا على مصنع للسبيرتو فيه مئتا ألف ليتر، وعندما دخلنا المصنع كان هناك جثث من الجنود الروس، وعُينت مجموعة من الأمن لتفرز الميت من السكران لأن الجنود شربوا السبيرتو، أما أفراد الاستطلاع من زملائي فقد أفرغوا صفائح البنزين وملؤوها السبيرتو، ولم أكن أعلم بذلك، وعلى الغداء سكبوا لي كأساً، وقال لي زميل “هذا كونياك اشربه دفعة واحدة”.. ولم أكن أعرف الكونياك، فشربته دفعة واحدة، وقتلتني رائحة البنزين وطعمه، وأعطوني كثيراً من الماء البارد حتى تغلبت على هذه الحالة، وكدت أقتل الزميل الذي أعطاني الكأس.. وبعد ذلك اعتدت، لقد استبدلت حصتي من السبيرتو، ومقدارها ثلاثة ليترات، بحذاء متميز كان مما يُعطى للفرق المُتقدمة التي كان أفرادها يُختارون من بين المجرمين المسجونين، وتوضع في مواجهة العدو.
في ثنايا حديثه، أشار فلاديمير بافلوفيتش فينوغرادف إلى حادثة قفز منها إلى نكتته أو واقعته الثانية، قال: أسرنا مرة مجموعة من الأسرى الألمان وكان بينهم أحد السلافيين “صربي”، ففرحنا فرحاً عظيماً، وبدأنا ندلعه ونقدم لـه الطعام ونلاطفه، في حين كنا نمنع كل شيء تقريباُ عن الأسرى الآخرين.. وعندما فهم الأسرى أننا نضعه في هذه المكانة لأنه “سلافي مثلنا- أرثوذكسي” أيضاً- قالوا لنا: هذا كرواتي تطوع معنا في الجيش وهو يقاتل معنا”، عند ذلك بدأنا نعامله مثل بقية الألمان الأسرى.
في لمحة سريعة قرأت في عيون الرجل الثعلبية شيئاً، لكنه غاب عني للحظة، وقلت في نفسي: هذا يكون عادياً في الحرب. أنهى الرجل فلاديمير وقائعه التي سردها بين النكتة والواقعة، ثم طلب إلي أن أجري معه حديثاً صحفياً، فوعده مرافقي بأن نفعل ذلك في وقت لاحق، فخرج يتمايل مصحوباً بخفة ظله. وفهمت من النكتة التي ساقها عن الجندي في برلين، أنه يريد أن يؤكد صلابة الجندي الروسي، وقوة جسده التي كونتها بيئة لا ترحم، وظروف قاسية، فنشأ قطعة من المَتانة، تزري بالطبيعة البشرية ذاتها، وتشي بخروج تفوقي عليها.؟!..
لكن بعدما أجريت الحديث الصحفي مع فينوغرادوف في مقصورة القطار رقم /71/ وأنا في مقعدي رقم 24، تغيرت قراءتي للرجل ولتصرفاته إشاراته ومدلولات كلامه، وما يكمن وراء ذلك.. في لقائنا، كان فلاديمير شخصية أخرى، أثاره نسبياً ما لاحظه من استهانتنا به، وأثاره أنني كنت- وأنا أحادثه- أتناول من آن لآخر بعض حبات الفستق التي وضعتها أمامي على الطاولة ولا أشرب، وعلل ذلك النزق الذي اعتراه بأن الشخص الرابع الجالس معنا/فرنسي-إسباني-روسي، بثلاثة جوازات سفر، لا يجوز أن يحضر مقابلة صحفية كان فيها فلاديمير يبدو وكأنه المُحاوِر والمُحاوَر في بعض اللحظات. كان ذا موقف مسبق، ويريد أن يجر الناس إلى موقفه ويملي عليهم قناعته، ولم يكن ذلك ليتم ببساطة معي، ولذلك كان /الفرنسي -الإسباني- الروسي/ أنطوان، أو أندريه البلاروسي، يبتسمان ويخفيان شيئاً من الامتعاض من أسلوب فينوغرادوف.
انسحب أنطوان، فبدا على محاوري الارتياح، وأفصح عن رأيه في أنطوان وجوازات السفر الثلاثة التي يحملها، وأخذ يماحك ويدقق ويناور ليصل بي إلى أجوبة عن أسئلة لم يكن المُترجم موفَّقاً في ترجمتها. وعندما وصلنا إلى نهاية الحديث بعبارات مركزة قدمتها عن سؤاله الأخير: ماذا أريد أن أرى في روسيا من أوساط المثقفين؟! صافحني بحرارة وهو يضطرب حماسة، لأن ما قلته أنعش في أعماقه شيئاً كان يتآكل:” الأمل بعودة روسيا في إطار قومي ووطني ودولي قوي ومتماسك وفعال”، روسيا الاتحاد السوفييتي وتاريخه وامتداده عبر العالم.. لا روسيا التمزق والضعف و.. و.. انتفض فينوغرادوف في نهاية الجملة الأخيرة التي سجلها كعصفور ظامئ وقع على بركة ماء، فاحتسى منها حسوات ثم غطس في مائها ونفض ريشه وبدأ يطير. وفي حاله أسف وأسى موجعين قال لي فونوغرادف وهو يصافحني مودعاً بعد اللقاء: ” كثير من الدول في فترات مجدها كان قادتها من خارج شعبها، روسيا تحتاج إلى قائد، وقد يكون لنا قائد من سورية..”.. أدهشتني العبارة، ولكنها تصور موقفاً واضحاً عن الروس القوميين الذين يقدرون صمود سورية وثباتها على المَبادئ على الرغم مما كانت تواجهه من ظروف قاسية وتهديد، ويقارنون ذلك بتهاوي روسيا في ظل قيادات تابعة لا خير فيها، قيادات فيها من التخلف الثقافي- الذي يعشش في الأرياف- والرخاوة وعدم التمسك بالمبادئ وانعدام الخبرة الشيء الكثير.
ارتاح من كان معي في مقصورة القطار إلى نهاية الحديث الصحفي، وإلى خروج فلاديمير من المَقصورة.. وقال الشاعر أندريه من بيلوروسيا ضاحكاً، وهو يصعِّر وجهه الطِّفْلي الشاحب: هل أجرى مقابلة معك أم أجريت مقابلة معه؟! ثم استغرقنا الضحكُ، لأن أندريه كان مستاء من أسلوب فينوغرادوف وكثرة كلامه، ومناوراته التي تخفي موقفه المُسبق، وجمود ذلك الموقف، ومحاولته فرضه على الآخرين وجرهم إليه .. ثم سادت فترة صمت خرج بعدها من كان معي في المقصورة، لينظروا إلى الغروب الذي بدأ يرتعش في نوافذ القطار.
وأتيحت لي فرصة أن أراجع ملامح فينوغرادوف وثنايا حديثه، ليس الرجل بسيطاً، ولا هو ذاك الذي يقدمه إليك الانطباعُ الأول عنه، ولا هو ممن لا يكترثون لشيء، بل هو على شفا يأس لا يريد أن يغرق فيه، ولا يستطيع الخروج من دوَّامته، وعلى شفا ثورة لا يستطيع أن يعلنها، وعلى شفا هوة لا يريد أن يسقط فيها.. إنه لا يريد أن يرى روسيا في الوضع الذي كانت فيه آنذاك، ولا يصدق أنها آلت إلى ذلك الوضع الذي لا يرتضيه، وهو على ثقة انفعالية عاطفية من أنها ستتغير.
في أثناء إجابتي على سؤال لـه قلت: أرى أنكم تدخلون مرحلة المجتمع الاستهلاكي وأخاف عليكم منها، وقد سخَّركم لها مستثمروكم الذين يقبض على أعناقهم الغرب، “أميركا”، ويسيرهم. فقال بعصبية: لا.. لن تتحول روسيا إلى مجتمع استهلاكي، الروسي يرفض ذلك، ولا أتوقع أن يحدث ذلك”. وفي إشارة إلى مَن مِن الحكام الجدد يصلح قائداً لروسيا التي تحتاج إلى قيادة قال، وقد استرخت يده المتشنجة بشيء من الخذلان.. لا يوجد أحد من بين هؤلاء يمكن أن يكون قائداً، أنا كنت من أنصار يلتسين وزوجتي كانت ضده وتقول لي: إنه “خنزير”، وقد صوتُّ لـه وتبين لي أنه خنزير فعلاً.. لا أحد من هؤلاء يمكن أن يصبح قائداً.. القائد الآن غير موجود، رئيس بلدية موسكو ليس منافساً يحقق الرجاء، فهو غارق إلى ما فوق ركبتيه مع المافيا والمجرمين…”.
هذا الرجل فينوغرادوف يحترق أو هو- كما توحي بذلك هيئته- قد أنهى احتراقه فجأة، وبدا كعود ثقاب أطفأته فوثب لهيبه وأصبح أشهب الرأس على قامة صلبة.
فينوغرادوف أنموذج لمحاربين حققوا نصراً في الحرب العالمية الثانية، وذاقوا لذة أن تكون ابناً لدولة عظمى، من دون أن تشعر بالراحة أو السعادة لأنك مسحوق ومحتقر ومقهور وتخاف أن ترفع صوتك طالباً العدالة والرحمة.. وفجأة تنهار أمامك سلطتك المُرعبة، وتنزلق من تحت قدميك الجبال الصلبة، منسحبة إلى أعماق الماء، وتجد نفسك بين الغرق والتجمد، فاقداً التوازن إثر زلزال لم تعرف بعد كيف حدث، ولا أين ألقاك بالضبط، ولكن الأشلاء وركام الحطام من حولك والبعد عن الشاطئ.. كل ذلك يجعلك في خضم المَتاهة، أنت.. أنت.. ولكنك لا تعرف كيف أصبحت لا شيء أو قريباً من ذلك، ويصعب عليك أن تسلّم بأنك انتهيت تقريباً.
لا أعرف الآن كيف هي حال فينوغرادوف الآن، ولا أين هو.. لكنني أقدر أنه استعاد شيئاً من عافيته.

إلى الأعلى