Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (17)

ناصر بن محمد الزيدي
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـينوعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الـحـيث مـوصـولاً عـن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في الـنـفـس: ولـكـن الـذي خـلـق قال: أنـا خـلـقـتـك مـن تـراب، ومـن طـين، ومـن حـمـاء مـسـنـون، ومـن صـلـصال كالـفـخـار، فإذا وضـع الـمـاء عـلى الـتـراب أصـبح طـيـناً وإذا تـركـنا الـطـين حتى يـتـغـير لـونـه ورائـحـته أصـبح صـلـصـالاً، والـصـلـصال إذا جـف أصـبح حـماء مـسـنـوناً، ثـم شـكـله الله في صـورة إنـسان، ونـفـخ الله فـيه الـروح فأصـبح بـشـراً سـوياً، ثـم يأتي الـمـوت وهـو نـقـض للحـياة، ونـقـض كل شـيء يأتي عـكـس بـنـائه.
بـنـاء الـعـمـارة يـبـدأ مـن أسـفـل إلى أعـلى، وهـدمـها يـبـدأ مـن أعـلى إلى أســفـل، ولـذلك فإن آخـر مـرحـلة مـن رحـلة ما أي مـرحـلة، هـي أول خـطـوة في طـريـق العـودة، فإذا كـنـت مـسافـراً إلى مـكان ما، فأول مـكان في طـريـق العـودة هـو آخـر مـكان وصـلت إلـيه.
فأول شـئ يخـرج مـن الجـسـد هـو الـروح، وهـو آخـر ما دخـل فـيه ثـم بـعـد ذلـك يتصـلـب الجـسـد ويصـبح كالحـماء الـمـسنـون، ثـم يتـعـفـن فـيصبح كالصلصال، ثـم يـتـبـخـر الـماء الـذي فـيه فـيـعـود تـرابا كـما بـدأه الله أول مـرة.
وهـكـذا يـكـون الـمـوت نقـض وعـكـس صـورة الحـياة، مـتفـقـاً مـع الـمـراحـل التي بـينها لـنـا الله سـبحانه وتعالى، وقـوله تعالى:(إِلَيْهِ تُرْجَعُون) أي: أن الله تـبارك وتعالى يبـعـثـكـم لـيحـاسـبـكـم.
ولـقـد حـاول الـكـفـار والـمـلحـدون وأصحاب الـفـلسـفة الـمادية أن ينـكـروا قـضية الـبعـث وهـم لـم يـأتـوا بجـديـد، بـل جـاءوا بالـكـلام نـفـسه الـذي قاله أصحاب الجاهـلـية الأولى.
واقـرأ قـوله تعالى عـما يـقـوله أهـل الجـاهـلـية الأولى:(وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (الجاثـية ـ 24).
وأمـنية الـكافـر والـمسـرف عـلى نـفـسه، ألا يـكـون هـناك بـعـث أو حساب، والـذين يتعـجـبـون مـن ذلـك نـقـول لهـم: إن الله تعالى الـذي أوجـدكـم مـن عــدم يـسـتـطـيـع أن يـعـيـدكـم وقـد كـنـتـم مـوجـوديـن، يـقـول الله تعالى:(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الـروم ـ 27).
فإيجاد ما كان مـوجـوداً أسـهـل مـن الإيجـاد مـن عــدم عـلى غـير مثال مجـود والله تعالى يـرد عـلى الكـفار، فـيقـول سـبحانه وتعالى:( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) (يس 78 ـ 79).
وهـكـذا فإن الـبـعـث أهـون عـلى الله مـن بــدايـة الخـلـق، عـلى حسـب مـقـايـس الـبشـر، أمـأ بالـنـسب للـخـالـق فالأمـور تخـتـلـف، فـلـيس عـنـد الله هـين وغـير هـين، إذ هـو خـالـق كل شـئ، وكل شئ مكـتـوب عـنـد الله عـز وجــل في كـتاب مـبـين.
وأمـا خـلـق الـسـموات والأرض أكـبر مـن خـلـق الإنـسان، واقـرأ قــوله تعالى:(لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (غـافـر ـ 57)، وقـول الله تعالى:(إِلَيْهِ تُرْجَعُون)، هـو اطـمـيـنان لـمـن آمـن، وما دمـنا إلـيه نـرجـع ومـنـه بــدأنـا، فالحـياة بـدايـتها مـن الله ونـهـايتها إلى الله، فـلـنـجـعـلها هي نـفـسـها لله، ولابــد أن نـلـتـفـت إلى أن الله تـبارك وتعالى أخـفى عـنـا الـمـوت: أخـفـاه زمـاناً، وأخـفـاه مـكاناً، وأخـفـاه سـبـبـاً ولـم يحـدد له عـمـراً مـعـلـوماً لـدى الـناس، فـهـولـم يخـفـه لـيحـجـبه عـنـا، وإنمـا أخـفـاه حتى نـتـوقـعـه في كل لحظة.
وهـذا إعـلام واسـع بالـمـوت حتى يـسـرع الـناس إلى العـمـل الـصالح ، وإلى طـلـب الـمـثـوبة، لأنه لا يـوجــد عـمـر مـتيـقـن في الــدنـيـا، فـلا الـصـغـير آمـن عـلى عـمـره، ولا الـشـاب آمـن عـلى عـمـره، ولا الـكـهـل آمـن عـلى عـمـره، ولـذلك يجب أن يـسارع كل مـنا في عـمـل الخـيرات، حتى لا يـفـجـئه الـمـوت فـيأتيه، فـيمـوت وهـو عاص لله.
ونـلاحـظ أن قـصة الـحـياة جـاء الله بهـا في آيـة واحـده، والـرجـوع إلى الله وهـو يـقـين بالـنسـبة للـمـؤمـن، يـلـزمـهـم بالـمـنهـج، فـيعـيشـون مـمـا أحـل الله لـهـم، والـتـزامهـم هـذا هـو الــذي يـقـودهـم إلى طـريـق رضـاء الله والجـنـة، ويطـمئـنهـم عـلى أولادهـم بـعـد أن يـرحـل الآبـاء والأمـهـات مـن الــدنـيـا.
فـعـمـل الـرجـل الـصالح ينـعـكـس إيـجاباً عـلى أولاده مـن بـعـده، وأقـرأ قــوله تعالى:(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّـهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (الـنـساء ـ 9).
إذن: فـصاحـب الالــتزام بالـمنـهـج يطـمئـن إلى لـقاء ربـه ويـطـمـئن إلى جـزائه، والــذي لايـؤمـن بالآخـرة أخـذ مـن الله الـحـياة فأفـنـاها فـيـما لا يـنـفـع، ثـم بـعــد ذلك لا يـجــد شـيئاً عـنـد الحـساب والـنـار.
واقــرأ قـوله تعالى:(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّـهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّـهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (الـنـور ـ 39) أي: أن الـكـافـر سـيـفاجـأ في الآخـرة بـوجـود الله الـذي لـم يـكـن في بالـه أنـه سـيجـده وسـيحاسـبه عـلى ما فـعـل.
.. وللحـديث بـقـية.


تاريخ النشر: 7 سبتمبر,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/281543

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014