الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حقائق حول مفاوضات القاهرة

حقائق حول مفاوضات القاهرة

د. فايز رشيد

مع التفهم الكبير لكل العوامل الضاغطة على الوفد الفلسطيني وعلى شعبنا في القطاع بكل تضحياته ومعاناته, وردم بيوته, وتشريده, والتنكيل به, ومع عدم الدعوة بالطبع إلى انتحار فلسطيني, لكن للحقائق الصهيونية التي سقناها, محلها في الصراع, الأمر الذي يدعو إلى مراجعة المواقف الفلسطينية برمتها من عملية التفاوض, والألاعيب الإسرائيلية المتمثلة في ظاهرة, قصف: هدنة: قصف, في محاولة واضحة لابتزاز الجانب الفلسطيني.
انتهت جولة أخرى مما سميت “بالمفاوضات غير المباشرة” بين وفد الفصائل الفلسطينية والكيان الصهيوني, دون تحقيق أية مطالب فلسطينية. هذا كان متوقعا, بل العكس من ذلك: وفي الساعة الأخيرة للمفاضات: خرقت إسرائيل الهدنة المتفق عليها, كما حرصت على رفع سقف مطالبها من الفلسطينيين, وتوجيه قذائف زوارقها إلى مراكب الصيادين في شاطئ غزة, وهو جزء من عموم الساحل الفلسطيني, كما طرحت موضوع الجنديين الأسيرين. بالطبع: الكيان من وراء ذلك, استهدف الضغط على الوفد الفلسطيني من أجل التراجع عن مطالبه المحقة والعادلة, كما حاول إيصال رسالة إلى أعضاء الوفد وإلى الفلسطينيين عموما, مفادها: إن إسرائيل ستظل تتعامل معهم ومقاومتهم: فقط من خلال فوهات المدافع. نتيجة المفاوضات تطرح تساؤلات كثيرة وكبيرة, لعل من أبرزها: هل كان رأيا صائبا إرسال وفد فلسطيني للتفاوض مع الكيان ولو بطريقة غير مباشرة؟ وهل حقا كان هناك تصور حقيقي في أذهان الوفد عن مدى الاستجابة الإسرائيلية للمطالب الفلسطينية؟ وبخاصة من خلال الائتلاف الحكومي الحالي, والذي هو في حقيقته: يميني, فاشي, متشدد ومتطرف! السؤالان يقودان إلى سؤال أوسع: هل ندرك فعلا حقيقة إسرائيل؟
بداية, صحيح: أن الصمود الفلسطيني العظيم منع الكيان من تحقيق أهدافه, لكن إسرائيل تحاول في المفاوضات تحقيق ما عجزت عن إنجازه في العدوان العسكري. إسرائيل وضعت هدفا رئيسيا من المفاوضات واعتبرته شرطا وجوبيا وهو: نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في القطاع. كما أرادت من المفاوضات: تعميم نتائج أوسلو على قطاع غزة ونقل تجربة الضفة الغربية إلى القطاع. كما هدفت الحكومة الائتلافية: إلى تحسين صورتها في الشارع الإسرائيلي ومنع تشكيل لجنة تحقيق للبحث في تقصيراتها والمستوى القيادي العسكري للجيش, أثناء المعارك, استباقا لمنع تحميل نتنياهو ووزير حربه يعلون ورئيس الأركان وآخرين مسؤولية التقصير وإقصائهم جميعا من مناصبهم. إسرائيل حاولت ألا تظهر أنها تتفاوض مع الفلسطينيين وبخاصة مع الفصائل المعارضة لنهج أوسلو (حماس, الجبهة الشعبية, الجهاد الإسلامي) لذلك اتبعت تكتيكا في المفاوضات: عدم الجلوس مدة طويلة في القاهرة، وإنما السفر بينها وتل أبيب مرات متعددة في الوقت الذي مكث فيه الوفد الفلسطيني أياما طويلة للتفاوض مع الجانب الإسرائيلي. بالطبع إسرائيل حرصت على هذا الشكل التفاوضي الذي لم يأتِ صدفة, لذا كان تصريح صائب عريقات رئيس ملف المفاوضات في السلطة الفلسطينية, والذي قال فيه: إن إسرائيل لا تفاوض وإنما تمارس سياسة الإملاء!
أيضا, فإن سن قوانين جديدة في الكنيست الصهيوني في العامين الأخيرين, والتي هدفت في معظمها إلى: تقييد حركة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في اتخاذ القرارات, التي تعتبرها مصيرية, منفردة, بل يجب عليها أن تأخذ موافقة ثلثي أعضاء الكنيست (80 من 120), وهذا من المستحيل تحقيقه في الكنيست اليميني الاستيطاني الحالي.
من هذه التقييدات: التنازل عن أي شبر من “أرض إسرائيل”, صفقات تبادل الأسرى, القرارات المتعلقة بكافة التسويات مع الفلسطينيين أو مع العرب وغيرها وغيرها, لذا فإن المطالب الفلسطينية المحقة والعادلة تعتبرها إسرائيل “اتفاقيات مصيرية” لها شأن وتأثير استراتيجي على دولتها تماما كما تعتبر الضفة الغربية “يهودا والسامرة”! ولذلك ينطبق عليها ما ينطبق على كل ما تعتبره “أرض إسرائيل التاريخية”. أيضا, فإن أحد قرارات مؤتمر هرتزيليا الأخير (الرابع عشر الذي انعقد في هرتزيليا في أواخر يونيو الماضي) هو: التخلص من القوة العسكرية للفلسطينيين في غزة, باعتبار ذلك مهمة رئيسية تجابه إسرائيل! هذه القضايا وغيرها تجعل من الصعب على الحكومة الصهيونية الحالية: الاستجابة للمطالب الفلسطينية, إلا فيما يتعلق بتجميل الوجه القبيح للاحتلال من خلال الموافقة على بعض القضايا التي تعتبرها “إنسانية” (وكأن فعل الاحتلال له وجه إنساني!؟) وليس الاستجابة لمطالب رئيسية من نمط (فك الحصار عن غزة), للعلم وفقا لإحصائية أجرتها صحيفة “يديعوت أحرونوت” منذ أسبوع, فإن 62% من الإسرائيليين يؤيدون توسيع العمليات العسكرية ضد غزة, كما أن أعضاء في الائتلاف الحكومي الحالي, منهم على سبيل المثال وليس الحصر: ليبرمان وزير الخارجية ورئيس الحزب المتطرف الفاشي “إسرائيل بيتنا”, ونفتالي بينيت الاستيطاني المتشدد رئيس حزب “البيت اليهودي” وغيرهما, يطالبان بإعادة احتلال قطاع غزة, فكيف بمثل هؤلاء سيوافقون على المطالب الفلسطينية؟ كما أن معظم قيادة حزب الليكود, حزب نتنياهو, بزعامة زئيف إلكين, منافس ـ المتشدد أيضا ـ نتنياهو, وغالبية أعضاء الحزب 78% (مثلما أشارت استطلاعات كثيرة, أحدها قامت به صحيفة ـ يديعوت أحرونوت) من الأعضاء يلحون على إعادة احتلال القطاع.
نفهم أن هناك ضغوطات عربية وإقليمية تمارس على بعض الفصائل الفلسطينية. كما أنه وقبل كل شيء فإن الأوضاع المأساوية الإنسانية للمدنيين الفلسطينيين, إضافة إلى بعض المواقف لبعض الدول العربية التي تتخذ صفة الوسيط المحايد (وليس الوقوف إلى جانب الأشقاء الفلسطينيين كما هو مفترض), يشكل عامل ضغط جديد على الوفد الفلسطيني, تماما كما هو انكشاف الظهر الفلسطيني طيلة أيام العدوان! كل ذلك دعا الفصائل الفلسطينية إلى إرسال وفد يمثلها إلى مفاوضات القاهرة.
مع التفهم الكبير لكل العوامل الضاغطة على الوفد الفلسطيني وعلى شعبنا في القطاع بكل تضحياته ومعاناته, وردم بيوته, وتشريده, والتنكيل به, ومع عدم الدعوة بالطبع إلى انتحار فلسطيني, لكن للحقائق الصهيونية التي سقناها, محلها في الصراع, الأمر الذي يدعو إلى مراجعة المواقف الفلسطينية برمتها من عملية التفاوض, والألاعيب الإسرائيلية المتمثلة في ظاهرة, قصف: هدنة: قصف, في محاولة واضحة لابتزاز الجانب الفلسطيني. إن للصراع مع العدو قواعده أيضا: لا هدنة مع بقاء الاحتلال. لذا نرى أهمية المراجعة للمواقف كما ذكرنا, إضافة إلى أن: الكيان لا يفهم غير لغة القوة. هذه وحدها كفيلة بإجباره على الاعتراف بالحقوق الفلسطينية. قدر شعبنا: المقاومة والصمود. إنه لم يختر معركة, بل العدوان والمعارك مفروضان عليه فرضا. للمقاومة أشكال متعددة أرقاها: الكفاح المسلح, وتسييد هذا الشكل أو ذاك من المقاومة, مرهون بظروفه الموضوعية والذاتية, وله أيضا قوانينه والتي لا يتوجب إهمالها.

إلى الأعلى