الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الكتلة البرلمانية الأكبر بين إرادتين

الكتلة البرلمانية الأكبر بين إرادتين

احمد صبري

”… تشكيل الكتلة الأكبر أصبح مرهونا بالإرادتين الأميركية والإيرانية وثقل كل منهما على الساحة العراقية وتأثيرهما في تحديد أولوياتهما خلال المرحلة المقبلة، لا سيما أن العلاقة بين واشنطن وطهران تشهد مزيدا من التصعيد مع قرب حزمة العقوبات الأميركية الجديدة على إيران، الأمر الذي قد يحد من دور الأخيرة في العراق وانعكاس ذلك على حلفائها في بغداد..”

تحاول الطبقة السياسية التي تدير شؤون العراق منذ احتلاله وحتى الآن أن تعيد إنتاج نفسها بصيغ جديدة من أجل استمرارها في التفرد بالقرار السياسي، ووأد أي مخرج سياسي يؤدي إلى الفضاء الوطني، ويخرج العراق من نظام المحاصصة الطائفية الذي كان سمة المرحلة الماضية.
وما أنتجته الانتخابات الماضية يشير إلى أن العراق سيبقى ارتهان قراره السياسي بالخارج رغم الدعوات المتصاعدة لرفض الإملاءات الخارجية في تقرير مستقبله وتحديد أولوياته.
المشهد السياسي كان حافلا بالتطورات السياسية في العراق، الذي أنهى انتخابات شابها التزوير، يواجه اليوم اختبارا أصعب في تشكيل الحكومة الجديدة بسبب الصراع بين أحزاب تقليدية تفكر في تكرار سيناريو السنوات الماضية، وأخرى تحاول المجازفة بتبنيها سياسة جديدة تلبي أصوات العراقيين في تحقيق الوحدة الوطنية وتحجيم النفوذ الخارجي.
واللاعب الإقليمي على ما يبدو فشل في توحيد الأحزاب الحليفة الفائزة في الانتخابات وهي “النصر” و”سائرون” و”ائتلاف دولة القانون” “والفتح” و”الحكمة”، وأخفقت جهود توحيدها وانقسمت فريقين متخاصمين، الأول يضم “النصر” بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي، والتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر و”تيار الحكمة” بزعامة عمار الحكيم وأعلن هؤلاء رفضهم للتدخل الإقليمي وقرروا إبرام تحالف مع زعيم ائتلاف “الوطنية” إياد علاوي وقوى سنية. أما الفريق الثاني فيضم “ائتلاف دولة القانون” بزعامة نوري المالكي و”الفتح” بزعامة هادي العامري وهو الفريق المقرب إلى إيران.
وأخفق الطرفان في أول جلسة للبرلمان العراقي في تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر داخل مجلس النواب الجديدة تمهيدا لاختيار رئيس الوزراء الجديد وتشكيل الحكومة وفقا للدستور العراقي، على خلاف السنوات الماضية عندما كانوا يتوحدون في كتلة كبيرة ويتفاوضون مع الكرد والسنّة حول تقاسم المناصب.
وفي خضم احتدام الصراع على تشكيل الكتلة الأكبر والظفر برئاسة الحكومة فإن الأطراف السنية ما زالت محايدة بين الفريقين الشيعيين المتنافسين لتشكيل الكتلة الأكبر، وإن المفاوضات ما زالت مستمرة مع جميع الأحزاب للوصول إلى صيغة قد تلبي مطالبها إذا تحالفت مع أي المتنافسين وفي مقدمتها إعادة إعمار المدن السنية، وإطلاق سراح المعتقلين والمشاركة الحقيقية في صنع القرار السياسي وحصر السلاح بيد الدولة مع ضمانات مكتوبة وملزمة لتحقيق هذه المطالب.
والموقف الكردي لا يختلف عن الموقف السني الذي اتخذ موقف الانتظار لغاية انجلاء جولة الصراع لتحديد الموقف المستند إلى عدة مطالب في صدارتها حسم مصير كركوك والمناطق المتنازع عليها ورواتب البيشمركة وتصدير النفط، ناهيك عن مستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل وتجسيد الشراكة في اتخاذ القرار السياسي ومستقبل العراق.
إذًا.. تشكيل الكتلة الأكبر أصبح مرهونا بالإرادتين الأميركية والإيرانية وثقل كل منهما على الساحة العراقية وتأثيرهما في تحديد أولوياتهما خلال المرحلة المقبلة، لا سيما أن العلاقة بين واشنطن وطهران تشهد مزيدا من التصعيد مع قرب حزمة العقوبات الأميركية الجديدة على إيران، الأمر الذي قد يحد من دور الأخيرة في العراق وانعكاس ذلك على حلفائها في بغداد الذي يواجهون معارضين على رهانهم على العامل الخارجي، الأمر الذي سيعطي أرجحية ودفعة لتحديد ملامح الكتلة البرلمانية التي ترفض الإملاءات والتعويل على العامل الخارجي في تقرير مستقبل العراق بعد السنوات العجاف، لا سيما وأن حركة الاحتجاجات الشعبية المتواصلة في تصاعد ورفعت سقف مطالبها لتصل إلى أداء الطبقة السياسية وفشلها في مهمتها والمطالبة الواضحة في إعادة النظر في النظام السياسي الذي أنتجه الاحتلال ونظام المحاصصة الطائفية ومحاربة الفساد.

إلى الأعلى